منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منحة المولى (2)

منحة المولى (2)/ د. نبيلة الوزاني التهامي

0

منحة المولى (2)

د. نبيلة الوزاني التهامي

 

منحة المولى(1)

 

لازلنا في تتبع الأقسام التي أقسم بها الله جل جلاله، للدلالة على صدق رسوله الكريم، و أنه مبعوث مرسل مسدد، عزيز ذو جاه و قدر، عند مولاه مؤيد.

قال تعالى:(يسٓ (1) وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ (3) عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (4)) -1

اختلف المفسرون في معنى (يس) على أقوال، فقيل: معناه يا محمد، وقيل يا رجل، وقيل يا إنسان…فإن كان من أسمائه (صلى الله عليه وسلم ) فهو قسما فيه من التعظيم والتكريم ما لا يخفى، وإن كان بمعنى النداء، فهو قسم من رب العزة على كونه مرسلا من رب العالمين -2…. على منهاج قويم لا عوج فيه ولا ميلا…..

قال الطاهر بن عاشور -رحمه الله تعالى-: القسم بالقرآن كناية عن شرف قدره وتعظيمه عند الله تعالى، والمقصود من هذا القسم تأكيد الخبر مع ذلك التنويه.-3

قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له.-4

وقال سبحانه في مطلع سورة البلد:(لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ (2)) -5

أجمع المفسرون على أن المقصود ب ( البلد ): هي مكة: قال القرطبي:…. أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، لكرامتك علي وحبي لك.-6

وقال الواسطي: أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا، وبركتك ميتا، يعني المدينة. والأول أصح ; لأن السورة نزلت بمكة باتفاق.-7

و أقسم جل ثناؤه بالنجم إذا هوى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ( 4))-8

فلأنه تنويه بشأن القرآن وتنبيه على مناط اهتدائه عليه الصلاة والسلام ومدار رشاده، كأنه قيل: وما أنزل عليك من القرآن الذي هو علم في الهداية إلى مناهج الدين ومسالك الحق واليقين {مَا ضَلَّ} عنها محمد صلى الله عليه وسلم {وَمَا غوى} -9وقوله: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ)

هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول، صلوات الله وسلامه عليه بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال، وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره،

فنزه الله [ سبحانه وتعالى ] رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلوات الله وسلامه عليه، وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد.-10

و لعل هذه السورة من مطلعها ( والنجم إذا هوى ) إلى قوله تعالى ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ):

تضمنت من فضله وشرفه العد، ما يقف دونه العد، وأقسم جل اسمه على هداية المصطفى، وتنزيهه عن الهوى، وصدقه فيما تلا، وأنه وحي يوحى، أوصله إليه عن الله جبريل، وهو الشديد القوي، ثم أخبر تعالى عن فضيلته بقصة الإسراء، وانتهائه إلى سدرة المنتهى، وتصديق بصره فيما رأى، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى. -11

قال القاضي أبو الفضل: اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته -صلى الله عليه وسلم- وعصمتها من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه فقلبه، بقوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) ولسانه بقوله: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ)، وبصره بقوله: ( زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ) -12

وهذا على المنوال جاء قوله جل وعلا: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) -13

يقول تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله، الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة….-14

و الرسول الكريم هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم، في قول الأكثرين، بخلاف قوله تعالى ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) -15: حيث المقصود به جبريل عليه السلام…بدليل ما بعده، حيث سيق لإثبات أنه صلى الله عليه وسلم رسول لا شاعر و لا كاهن، و كما يشعر بذلك سبب النزول، وتوضيح ذلك أنهم ما كانوا يقولون في جبريل عليه السلام أنه كذا وكذا، وإنما كانوا يقولونه في النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أريد برسول كريم جبريل عليه السلام، لفات التقابل، ولم يحسن العطف- -16…(فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم )

شهادة تكريم ووسام تقدير من المولى جل ثناؤه في حق عبده و حبيبه صلوات ربي وسلامه عليه….

والكريم في لسان العرب: الذي كرم نفسه عن التدنس بشيء من مخالفة ربه…وهو أيضا: الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل.-17

لبيك رسول الله من كان باكيا

فلا تنس قبرا بالمدينة ثاويا

جزى الله عنا كل خير محمدا

فقد كان مهديا وقد كان هاديا

وكان رسول الله روحا ورحمة

ونورا وبرهانا من الله باديا

وكان رسول الله بالخير آمرا

وكان عن الفحشاء والسوء ناهيا

وكان رسول الله بالقسط قائما

وكان لما استرعاه مولاه راعيا

وكان رسول الله يدعو إلى الهدى

فلبى رسول الله لبيه داعيا

أ ينسى أبر الناس بالناس كلهم

وأكرمهم بيتا و شعبا و واديا

تكدر من بعد النبي محمد

عليه السلام الله ماكان صافيا

ركنا الى الدنيا الدنية بعده

وكشفت الأطماع منا مساويا

وكم من منار كان أوضحه لنا

ومن علم أمسى وأصبح عافيا

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى

تقلب عريانا وإن كان كاسيا

وخير خصال المرء طاعة ربه

ولا خير في من كان لله عاصيا -18


المصادر و المراجع:

1- سورة (يس) ؛ الآيات (1 _ 4)

2- ينظر الجامع لأحكام القرآن ؛ القرطبي ص 3 ج 15

3- تفسير التحرير و التنوير ؛ الطاهر بن عاشور ؛ ص 445 ج 23

4- عن الجامع لأحكام القرآن ؛ القرطبي ؛ص 5 ج 15

5- سورة البلد ؛ الآيتان: 1 _ 2

6- تفسير القرطبي ؛ ص 53 ج 20

7- عن تفسير القرطبي ص 53 ج 20

8- سورة النجم ؛ الآيات (1_4)

9- روح المعاني ؛ الألوسي ؛ ص 46 ج 27

10- التفسير الكبير ؛ ابن كثير ص 442 ج 4

11- كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ص: 35

12- م س ؛ ص 35

13- سورة الحاقة ؛ الآيات ( 38 -40 )

14- التفسير ؛ ابن كثير ص419 ج 4

15- سور التكوير ؛ الآيات ( 19 _ 21 )

16- ينظر تفسير الألوسي ؛ ص 53 ج 29

17- لسان العرب، ابن منظور ص 55 ج 13

18 – ديوان أبي العتاهية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.