حفظ من المولى و نصرة (5) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني
من كرامة رسول الله صلى الله عليه و سلم على ربه جل شأنه ومكانته عنده ، وما خصه به سوى ما ذكر من قبل، وما طوت عليه الآيات في الباب من عظيم منزلته وقربه و تودده جل شأنه إليه، و تلطفه به، و رعايته له، و جعله مركز العناية الإلهية …. فنهاه عن الحزن و التحسر الذي قد يحصل له جراء كفرهم وتكذيبهم إياه حتى قال له سبحانه : ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ) -1
و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفا أن يصيبه مكروه من قومه، لكن عناية الله كانت غالبة، و حفظه كان وعدا من حفيظ عليم ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ -2
و أعطي الأمان ، و ثبت جنابه بقوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ -3 : افْتُتِحَ بِاسْمِ الجَلالَةِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّ المُخاطَبَ والسّامِعِينَ يَتَرَقَّبُونَ عَقِبَ الأمْرِ بِتَبْلِيغِ كُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، أنْ يُلاقِيَ عَنَتًا وتَكالُبًا عَلَيْهِ مِن أعْدائِهِ فافْتَتَحَ تَطْمِينَهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ (و اللَّه يعصمك ) -4
و مما اشتملت عليه الآية الكريمة من أوجه البلاغة ما جاء في “دلائل الإعجاز” أنه مما يَحْسُنُ فِيهِ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، ما يَكْثُرُ فيه الوَعْدُ والضَّمانُ، لِأنَّ ذَلِكَ يَنْفِي أنْ يَشُكَّ مَن يُوعَدُ في تَمامِ الوَعْدِ والوَفاءِ بِهِ فَهو مِن أحْوَجِ النّاسِ إلى التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أنا أكْفِيكَ، أنا أقُومُ بِهَذا الأمْرِ . -5
و منه قوله تعالى : ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فالله وحده كافيه و حافظه وعاصمه، فاستغنى به جل شأنه عن غيره ، فكف عنه شرورهم و صرفهم عنه ، و كان صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فقال : ” انصرفوا فقد عصمني الله ” -6
و نحوه قوله تعالى : ({إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) -7 حين الهجرة، و ما دفع الله عنه في هذه القصة مما أجمعوا عليه من العزم على قتله و التكالب على إهلاكه و خلوصهم نجيا في أمره ، فنجاه الله بالأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم ، و تخيببه أمانيهم في طلبه و قد كان قاب قوسين منهم في الغار مع صاحبه ، فأفلته الله منهم ، و أنزل سكينته عليه…. و ما وثقته السيرة من آيات حفظه حيث كانت عين الله تكلؤه و رحمة الله تجلوه إلى أن بلغ هو و صاحبه الصديق مأمنيهما في المدينة .
قوله تعالى : إلا تنصروه
يقول : تعينوه بالنفر معه في غزوة تبوك .
عاتبهم الله بعد انصراف نبيه عليه السلام من تبوك . قال النقاش : هذه أول آية نزلت من سورة ( براءة ) والمعنى : إن تركتم نصره فالله يتكفل به ، إذ قد نصره الله في مواطن القلة وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة . -8
و قد أجاب المفسرون على استشكال الشرطية كون الجواب فيها ماض عوض أن يكون مستقبلا ، بأن الجواب محذوف أقيم سببه مقامه ، و تقديره : إن لم تنصروه فسينصره الله تعالى الذي قد نصره في وقت ضرورة أشد من هذه المرة …
و الذي أوجب له النصرة حين نصره في مثل ذلك الوقت لن يخذله في غيره .-9
«محمّد» يا فخر العروبة، قد غدا … يطيب بهدي منك كل مهنّد
سننت على الأجيال شرعة ماجد … يرى الهون في ذلّ النّفوس المبدّد
مهرت العلى كنز الصّدور إذا ونى … أخو الهمّ عن بذل الفداء فلم يد
ولقّنتنا معنى الإباء مجرّدا … وكيف يقاد الظّلم في شرّ مقود
وعلّمتنا صبر الكريم على الأذى … إذا ما غدا رهنا بأشراف مقصد
وكيف نهوض العبقريّة عن هوى … إلى المجد تحبوه بأكرم محتد
فديتك فاشفع بي إذا الخيل قصّرت … وعيّ ركوبي في رضاك ومصعدي -10
المصادر و المراجع :
1- سورة الطور ؛ الآية 48
2- سورة الأنفال ؛ الآية 30
3- سورة المائدة ؛ الآية 67
4- تفسير التحرير و التنوير ؛ الطاهر بن عاشور ج 6 ص 256
5- دلائل الإعجاز ؛ عبد القاهر الجرجاني ، ص 134
6- أخرجه الحاكم في المستدرك ؛ ج 2 ص 313 ؛
قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، و لم يخرجاه ، و وافقه الذهبي .
7- سورة التوبة ؛ الآية 40
8- الجامع لأحكام القرآن ؛ القرطبي ج 8 ص 75
9- روح المعاني ؛ الألوسي ج 10 ص 75
10- محمد رسول الله ؛ شعر سليم الزركلي ؛ عن كتاب مختارات من أجمل الشعر في مدح الرسول ؛ محمد سعيد البوطي : ص 60