منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البصر والصيف

البصر والصيف/حسن قاسمي

0

البصر والصيف

بقلم: حسن قاسمي

يأتي الصيف وتكثر معه الفتن، ولعل من أبرز آثار الحرارة جنوح كثير من الناس إلى التخفف من الملابس التي تقي من البرد واستبدالها بملابس خفيفة تناسب فصل الصيف، وهنا يقع كثير من الناس في غفلة عن مقاصد الشرع في حفظ العورات سواء من الرجال او النساء فيقع المحذور من إطلاق البصر والذي هو وسيلة القلب في انطباع هذه الصور وهيجان الغريزة الجنسية لذلك نجد القرآن الكريم والسنة النبوية يحذران من اطلاق النظر واستحلال ما حرم الله عز وجل، فكيف عالج الشرع الحكيم هذه الظاهرة؟ وماهي التوجيهات الإسلامية في حفظ الأعراض والأنساب؟

يبين الله سبحانه وتعالى في سورة النور الآداب الاجتماعية التي يجب أن يتمسك بها المؤمنون في حياتهم الخاصة والعامة، وقد ذكرت بعض الحدود التي فرضها الله تعالى كحد الزنى وحد القذف وحد اللعان وهي حدود شرعت تطهيرا للمجتمع وحفظا له من اختلاط الأنساب.. وباختصار فهي سورة عالجت “قضية الأسرة المسلمة” ولهذا كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة يقول لهم: علموا نساءكم سورة النور.

 وسنقف في هذا المقال مع قوله تعالى من سورة النور: ” قال تعالى: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (31)

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حادثة الإفك، أبتعها بالتحذير من سلوك طريق الشيطان المتربص بالإِنسان الذي يدعو إلى السوء والشر والفساد، ثم ذكر تعالى آداب الاستئذان والزيارة لأن أهل الإِفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم ن حيث اتفقت الخلوة فصارت طريقاً للتهمة، فأوجب تعالى ألا يدخل إنسان ببيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، ثم أبتعها بآيات غضِّ البصر.

أرشد الله تعالى إلى الآداب الرفيعة من غض البصر وحفظ الفروج فقال: ” قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم” أي قل يا محمد لأتباعك المؤمنين يكفوا أبصارهم عن النظر إلى الأجنبيات من غير المحارم، فإن النظرة  تزرع في القلب الشهوة، ورب شهوة أورثت حزنا طويلا قال الشاعر:

 كم نظرة فتكت في قلب صاحبها                فتك السهام بلا قوس ولا وتر

{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أي وقل أيضاً للمؤمنات يكففن أبصارهم عن النظر إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، ويحفظن فروجهن عن الزنى وعن كشف العورات،  وحينن تتأمل مسألة غَضِّ البصر تجدها من حيث القسمة العقلية تدور حول أربع حالات:

  • الأولى: أن يغضَّ هو بصره ولا تبدي هي زينتها، فخطّ الفتنة مقطوع من المرسل ومن المستقبل،
  • الثانية: أن يغضَّ هو بصره وأن تبدي هي زينتها،
  • الثالثة: أن ينظر هو ولا تبدي هي زينتها. وليس هناك خطر على المجتمع إو فتنة في هذه الحالات الثلاث فإذا توفر جانب انعدام الآخر.
  • الرابعة وهي الأخطر: وهي أن ينظر هو ولا يغضّ بصره، وأنْ تتزين هي وتُبدي زينتها، ففي هذه الحالة فقط يكون الخطر.

ولا يصل المجتمع كمال الطُّهْر إلا إذا ضمنتَ له الصيانة الكافية، لئلا تشرد منه غرائز الجنس، فيعتدي كل نظر على مَا لا يحلّ له؛ لأن النظر بريد إلى القلوب، والقلوب بريد إلى الجنس، فلا يعفّ الفرج إلا بعفاف النظر قال المفسرون: أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج، وزادهن في التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فقال {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي ولا يكشفن زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها بدون قصدٍ ولا نية سيئة.

 قال ابن كثير: أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، كما قال ابن مسعود: الزينة زينتان: فزينةٌ لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينةٌ يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب، وقيل: المراد به الوجه والكفان فإنهما ليسا بعورة قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وغيرها.

{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ} أي وليلقين الخمار وهو غطاء الرأس على صدورهم لئلا يبدو شيء من النحر والصدر، وفي لفظ الضرب مبالغة في الصيانة والتستر، عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها، قال المفسرون: كانت المرأة في الجاهلية – كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة – تمر بين الرجال مكشوفة الصدر، بادية النحر، حاسرة الذراعين، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب وشعرها لتغري الرجال، وكنَّ يسدلن الخُمُر من ورائهن فتبقى صدورهن مكشوفة عارية، فأمرت المؤمنات بأن يلقينها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار.

 {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أي ولا يظهرن زينتهن الخفية التي حرم الله كشفها إلا لأزواجهن {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} فإن الأب يصون عرض ابنته، ووالد الزوج يحفظ على ابنه ما يسوءه، ثم عدد بقية المحارم فقال {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} فذكر تعالى الأبناء، وأبناء الأزواج، والإِخوة من النفرة من مماسة القريبات ونكاحهن {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} أي المسلمات وخرج بذلك النساء الكافرات قال مجاهد: المراد نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس يحل للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وقال ابن عباس: هن المسلمات ولا تبدي زينتها أمام يهودية أو نصرانية.

 {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} أي من الإِماء المشركات قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها {أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال} أي الخدام غير أولي الميل والشهوة والحاجة إلى النساء كالبُلْهِ والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئاً قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء ولا يهمه إلا بطنه {أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء} أي الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا حدَّ الشهوة، ولا يعرفون أمور الجماع لصغرهم فلا حرج أن تظهر المرأة زينتها أمامهم {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} أي ولا يضربن بأرجلهن الأرض لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض قال ابن عباس: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع صوت خلخالها، فنهى الله تعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى ربكم بامتثال الطاعات، والكفّ عن الشهوات، لتنالوا رضاه وتفوزوا بسعادة الدارين

إشارات ربانية

الإشارة: غض البصر عما تُكره رؤيته: من أسباب جمع القلب على الله وتربية الإيمان. وفي الحديث: «من غض بصره عن محارم الله، عوضه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه» «1» . وفي إرسال البصر: مِنْ تشتيت القلب، وتفريق الهم، ما لا يخفى، وفي ذلك يقول الشاعر:

 وإِنَّكَ، إِنْ أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِداً … لِقَلْبِكَ، يَوْماً، أَتْعَبَتْكَ المُناظِرُ

 تَرَى، ما لاَ كٌلهُ أَنْتَ قَادِرٌ … عَلَيْهِ، وَلاَ عَنْ بَعْضِه أَنْتَ صَابِرُ

فالعباد والزهاد يغضون بصرهم عن بهجة الدنيا، والعارفون يغضون بصرهم عن رؤية السِّوَى، فلا يرون إلا تجليات المولى. قال الشبلي: (قٌل لِلمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) أي: أبصار الرؤوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سِوَى الله. هـ.

وقوله تعالى: “وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها”، قال بعضهم: لا يجوز كل ما يستدعي فِتْنَةً للغير من إظهار حال مع الله، مما هو زينة السريرة، فلا يظهر شيئاً من ذلك إلا لأهله، إلا إذا ظهر عليه شىء من غير إظهار منه، ولا قصدَ غير صالح. هـ. فلا يجوز إظهار العلوم التي يفتتن بها الناس من حقائق أسرار التوحيد، ولا من الأحوال التي تُنكرها الشريعة، فَيُوقِعُ النَّاسَ في غيبته.

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ … يقول الحق جلّ جلاله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إذ لا يكاد يخلو أحدكم من تفريط، وَلاَ سيما في الكف عن الشهوات، وقيل: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية، فإنه، وإن جُبّ بالإسلام، لكن يجب الندم عليه، والعزم على الكف عنه، كلما يُتَذَكَّرُ، ويَخْطِرُ بالبال. وفي تكرير الخطاب بقوله: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: تأكيد للإيجاب، وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال، حَتْماً. قيل: أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة. وظاهر الآية: أن العصيان لا ينافي الإيمان، فبادروا بالتوبة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تفوزون بسعادة الدارين.

فالتوبة أساس الطريق، ومنها السير إلى عين التحقيق، فَمَنْ لاَ تَوْبَةَ له لا سَيْر له، كمن يبني على غير أساس. والتوبة يَحْتَاجُ إليها المبتدئ والمتوسط والمنتهى، فتوبة المبتدئ من المعاصي والذنوب، وتوبة السائر من الغفلة ولوث العيوب، وتوبة المنتهي: من النظر إلى سوى علام الغيوب.

ما يستفاد من الآيات من أحكام

ذكر صاحب أحكام القرآن ابن العربي مجموعة من الأحكام تخص هذه الآيات نجملها فيما يلي:

[الْآيَة الْخَامِسَة عَشْرَة قَوْله تَعَالَى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ]ْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]. فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {يَغُضُّوا} [النور: 30] يَعْنِي يَكُفُّوا عَنْ الِاسْتِرْسَالِ

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] فَأَدْخَلَ حَرْفَ {مِنْ} [النور: 30] الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، وَذَكَرَ {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] مُطْلَقًا. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ غَضَّ الْأَبْصَارِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ غَضَّهَا عَنْ الْحَلَالِ لَا يَلْزَمُ؛ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ غَضُّهَا عَنْ الْحَرَامِ؛ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّبْعِيضِ فِي غَضِّ الْأَبْصَارِ، فَقَالَ: مِنْ أَبْصَارِهِمْ.

 الثَّانِي: أَنَّ مِنْ نَظَرِ الْعَيْنِ مَا لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ النَّظْرَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا مُحَرَّمٌ، وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْفَرْجِ شَيْءٌ مَا يُحَلَّلُ.

الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ النَّظَرِ مَا يَحْرُمُ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَجَانِبِ؛ وَمِنْهُ مَا يُحَلَّلُ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَاتِ وَذَوِي الْمَحَارِمِ، بِخِلَافِ الْفَرْجِ، فَإِنَّ سَتْرَهُ وَاجِبٌ فِي الْمَلَأِ وَالْخَلْوَةِ؛ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ؛ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجِك، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك. فَقَالَ: الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْت أَلَّا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ. قُلْت: فَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ».

المسألة الثالثة: قوله: {ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] يعني به العفة، وهو اجتناب ما نهى الله عنه فيها.

المسألة الرابعة: قوله: {ذلك أزكى لهم} [النور: 30]:

يريد أطهر على معاني الزكاة فإنه إذا غض بصره كان أطهر له من الذنوب، وأنمى لأعماله في الطاعة؛ ولذلك «قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لعلي: يا علي، إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن الأولى لك والثانية ليست لك» وهو أيضا أفرغ لباله وأصلح لأحواله.  وقالوا: من أرسل طرفه أدنى حتفه، ومن غض البصر كفه عن التطلع إلى المباحات من زينة الدنيا وجمالها، كما قال الله لنبيه: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [طه: 131] يريد ما عند الله تعالى..

[الآية السادسة عشرة قوله تعالى: “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن” إلى قوله “وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون” [النور: 31].

فيها ثماني مسائل:

المسألة الأولى: قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] قول عام يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين، إلا أن الله تعالى قد يخص الإناث بالخطاب على طريق التأكيد، فلما أراد الله من غض البصر وحفظ الفرج أكده بالتكرار؛ وخص النساء فيه بالذكر على الرجال.

[مسألة النظر إلى ما لا يحل شرعا]

وذلك حرام؛ لأن النظر إلى ما لا يحل شرعا يسمى زنا. فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «إن الله إذا كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش؛ والرجلان تزنيان، وزناهما المشي؛ والنفس تمنى وتشتهي؛ والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». وكما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة فكذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجل

 [مسألة الزينة الظاهرة]

المسألة الثالثة: قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31]: الزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة. فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة، وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها بالتصنع: كالثياب والحلي والكحل والخضاب. ومنه قوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] يعني الثياب.

المسألة الرابعة: و اعلموا عرفكم الله الحقائق أن الظاهر من الألفاظ المتقابلة التي يقتضي أحدها الآخر، وهو الباطن هاهنا، كالأول مع الآخر، والقديم مع الحديث، فلما وصف الزينة بأن منها ظاهرا دل على أن هنالك باطنا.

واختلف في الزينة الظاهرة على ثلاثة أقوال:

الأول: أنها الثياب يعني أنها يظهر منها ثيابها خاصة؛ قاله ابن مسعود.

الثاني: الكحل والخاتم؛ قاله ابن عباس والمسور.

الثالث: أنه الوجه والكفان

[مسألة معنى قوله تعالى وليضربن بخمرهن على جيوبهن]

المسألة الخامسة: قوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31]: الجيب: هو الطوق والخمار: هي المقنعة. روى البخاري عن عائشة أنها قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزل: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] شققن مروطهن وفي رواية فيه أيضا: شققن أزرهن فاختمرن بها، كأنه من كان لها مرط شقت مرطها، ومن كانت لها إزار شقت إزارها. وهذا يدل على أن ستر العنق والصدر بما فيه، ويوضحه حديث عائشة: «كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس» أي لا تعرف فلانة من فلانة.

[مسألة حرم الله إظهار الزينة على الإطلاق واستثنى من ذلك اثني عشر محلا:

المستثنى الأول: البعولة: والبعل: هو الزوج والسيد في لسان العرب، وقد اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج زوجته على قولين: أحدهما: يجوز؛ لأنه إذا جاز له التلذذ فالنظر أولى. وقيل: لا يجوز «لقول عائشة في ذكر حالها مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني». والأول أصح. وهذا محمول على الأدب.

المستثنى الثاني: أو آبائهن.

المستثنى الثالث: أو آباء بعولتهن:. وفي الحديث: «إن الحمو هو الموت» يعني لا بد منه، كما لا بد من الموت في أحد التأويلات، ولأنها بنته، فنزلت منه بتلك المنزلة. والأختان والأصهار والأحماء مما كثر فيهم القول؛ وجله أن الختن الصهر. وقيل: من كان من قبل الزوج من رجل أو امرأة.

المستثنى الرابع: الأبناء: وبالجملة فإن الابن والأب أحق الأجانب من جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة.

المستثنى الخامس: أبناء البعولة: وهم ينزلون بتلك المنزلة في جواز الزينة الباطنة، لنزولهم منزلة الأبناء في المحرمية.

المستثنى السادس: الإخوة: وقد روي أن الحسن والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمتشط؛ وذلك هو الصحيح

المستثنى السابع: أبناء الإخوة، وهم من آبائهم: المستثنى الثامن: بنو الأخوات: ولما لحقوا في المحرمية بمن تقدم لحقوا بهم في جواز النظر.

المستثنى التاسع: قوله: {أو نسائهن} [النور: 31]: وفيه قولان: أحدهما: أنه جميع النساء. والثاني: أنه نساء المؤمنين. فأما أهل الذمة فلا ينبغي أن تكون المسلمة مبدية لهن زينتها. والصحيح عندي أن ذلك جائز لجميع النساء، وإنما جاء بالضمير للاتباع، فإنها آية الضمائر؛ إذ فيها خمس وعشرون ضميرا لم يروا في القرآن لها نظيرا، فجاء هذا للاتباع.

المستثنى العاشر: قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31]: حرم الله على المرأة عبدها؛ وكانت الحكمة في ذلك فيما سمعت من شيخنا فخر الإسلام بمدينة السلام تناقض الأحكام فإنها تملكه بالعبودية، فلو ملكها بالزوجية لقال لها: اخرجي وأطيعي زوجك، وقالت هي له: اسكت وأطع سيدتك.

المستثنى الحادي عشر: قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة} [النور: 31]:فيها ثمانية أقوال: الأول: أنه الصغير؛ قال مجاهد. الثاني: أنه العنين؛ قاله عكرمة، والشعبي. الثالث: أنه الأبله المعتوه لا يدري النساء؛ قاله سعيد بن جبير، وعطاء. الرابع: أنه المجبوب  لفقد إربه. الخامس: أنه الهرم، لعجز إربه. السادس: أنه الأحمق الذي لا يشتهي المرأة، ولا يغار عليه الرجل. قاله قتادة. السابع: أن الذي لا يهمه إلا بطنه قاله مجاهد. الثامن: أنه خادم القوم للمعاش؛ قاله الحسن.

المستثنى الثاني عشر: قوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور: 31]:

واختلف الناس في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين: أحدهما: لا يلزم؛ لأنه لا تكليف عليه؛ وهو الصحيح. والآخر: يلزم؛ لأنه قد يشتهي، وقد تشتهي هي أيضا؛ فإن راهق فحكمه حكم البالغ في وجوب الستر ولزوم الحجبة. وبقي هاهنا المستثنى الثالث عشر، وهو الشيخ الذي سقطت شهوته. وفيه قولان، كما قدمناه في الصبي. والصحيح بقاء الحرمة.

[مسألة معنى قوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن]

قال: كانت المرأة تضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخاليها؛ فمن فعل ذلك فرحا بحليهن فهو مكروه. ومن فعل ذلك تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام. وكذلك من صر بنعله من الرجال، إن فعل ذلك عجبا حرم، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز. والله أعلم.

إن الصيف ليس مسوغا لا لأطلاق البصر ولا كشف ما أمر الله بستره فالمسلم الذي يبتغي الدار الاخرة هو الذي ينضبط بضوابط الشرع في السراء والضراء، في المنشط والمكره، في الصيف وفي الشتاء، لا يبالي في أي جنب كان في الله مصرعه، فهو لا يستسلم لنزوات النفس وشهواتها، بل يغلب محاب الله ومرضاته على نفسه وهواه، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.