منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالرابع- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالرابع- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير” / د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالرابع- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الأول- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثاني- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

 ﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثالث- (١٠)  سلسلة “نتغير لنغير” 

مقدمة ثانية للدخول إليها والبدء فيها، تخدم مقصدها، وتنسجم معه، بل وتجعله أبرز وآكد .. ترتبط بها أشد ما يكون الارتباط بوظيفتها في الحياة .. التغيير والتطوير والإنماء .. وقيام الحضارة والعمران في الأرض.. لا حياة بدونها .. ولا صلاة أيضا بدونها.

إنها الشرط الذي يسبق الصلاة “الوضوء” .. ويكون بالماء .. ولطالما كان الماء مهد الحياة الأول، وأساس قيام أقدم الحضارات وأعظمها.. كحضارات النيل والفرات والسند، وما عرف في التاريخ بحضارات الأنهار لأنها قامت على ضفاف الأنهار.. لطالما شكل حالة جذب للإنسان أفرادًا وجماعاتٍ لإقامة المجتمعات وميادينها المختلفة، واستمرار العمران وحركة الحياة.

وقد أجمل القرآن الكريم القول حول أدوار الماء ووظائفه الحيوية، وصور استخدامه، حينما ألفيناه يحدثنا عنه بالكلية والإجمال مرتبطاً بالأرض؛ إذ يحييها بعد موات، وإذ تهتز وتُنْبِت كل ما هو مخضر، من الزروع والثمار والنباتات بكل أنواعها والأشجار، يقول تعالى:﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّ﴾ الأنبياء:٣٠، ويقول:﴿وَاللهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيَى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ النحل:65. ويصفه بالمبارك:﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ مُّبَـٰرَكࣰا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّـٰتࣲ وَحَبَّ ٱلۡحَصِیدِ * وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَـٰتࣲ لَّهَا طَلۡعࣱ نَّضِیدࣱ * رِّزۡقࣰا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡیَیۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰا﴾ ق:٩-١١. منه خلق الله تعالى كل ما يدب على وجه هذه الأرض ويتحرك وينمو ليقوم بأدواره المنوطة به:﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَاۤبَّةࣲ مِّن مَّاۤءࣲۖ فَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰ رِجۡلَیۡنِ وَمِنۡهُم مَّن یَمۡشِی عَلَىٰۤ أَرۡبَعࣲۚ یَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ النور:٤٥..

لا حياة بدون ماء .. ولا إثمار ولا عمران في الأرض بلا ماء .. ولا حركة إنسانية بلا ماء.. فنستطيع القول دون تردد أن الماء هو الحياة نفسها ..

ولأن الصلاة أيضا إحياء وحياة، ودعوة كامنة إلى التغيير والقيام لصناعة الحياة كما يرضى الله تعالى، وتدريب على أسمى معانيها، ودفع إلى العطاء، وشحن للطاقة والفاعلية،كان لا بد أن تدخل إليها بالماء، وتبدأها بالماء، بما يرمز إليه من معاني الإحياء والنشاط والإنتاج.

وإذاً،كأن فكرة الماء كمقدمة للصلاة، تأتي توجيهاً للإنسان وتعميقاً في وعيه لا يتوقف بالاتجاه نفسه الذي توجه إليه الصلاة، وهو الإقامة والقيام بالرسالة والمهمة في الأرض، والإثمار فيها، والفاعلية وتغيير ما بالأنفس لتغيير العالم وتطويره إلى الأحسن.

وللمسألة وجه آخر !!!

إذا علمت أن الماء جُعلت وظيفته إحياء الأرض التي ينزل عليها، فيحصل التغيير والإنتاج، والإنبات، والإثمار، والحركة، والحيوية، يأتي السؤال: على أي أرض ينزل الماء حين تتوضأ؟

أليست الأرض هنا هي أنت.. أيها المتوضئ.. أيها المقبل على الصلاة واعياً بمعانيها ومقصدها .. فــ “الوضوء هنا سيكون أكثر من مجرد النظافة بمعناها الحرفي، أكثر من كونه تنشيطا للدورة الدموية، بل سيتخذ معاني أعمق، ولذلك فهي أكثر خفاءً، إنه هنا الماء الذي ينزل على أرض لهفى للإنتاج، هي أنت، أرضٍ ملت بوارها وقحطها، وصارت تتشوق للماء كي تكسر حاجز الموت .. قبل قليل كان النداء، حي على الصلاة، حي على الفلاح، وها هو ذا الماء يأتي ليلبي، ليشارك -كما هو دوماً- في عملية صنع الحياة.. ها هو ذا الماء يأتي ليشارك في الفلاح.. يتفاعل مع أرض هي أنت، يفلحها ليشارك في عملية الفلاح.. التي لا بد أن تؤدي إلى الإثمار.. الحصاد.. لاحقاً.. ها هو ذا الماء يجلو عنك الصدأ، يجعلك مستعدا للمهمة التي أنت مقبل عليها، لا.. ليس ملاقاته عز وجل فحسب.. بل للمهمة التي وضعك عز وجل من أجلها هنا على هذه الأرض.. وهي تغيير العالم”[1] .

الماء والوضوء يكسب القوة، وينعش الروح، وينشط الدم، ويبعث الهمة لأجل المهمة، ويجعل الاستجابة يسيرة .. والاقبال للقيام والإقامة سلساً ..

فالقضية إذاً، قضية الماء في ارتباطها بالصلاة ارتباطاً ينسجم مع مقصدها ووظيفتها في الحياة ..


 

[1]– خيري العمري، ملكوت الواقع، سلسلة كيمياء الصلاة، ص ٥٠-٥١.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.