قراءة في كتاب”كيمياء الصلاة” للدكتور أحمد خيري العمري؛ وقفات مضيئة مع فاتحة الصلاة
الدكتــور محمد السقا عيد
قراءة في كتاب ” كيمياء الصلاة” للدكتور أحمد خيري العمري
وقفات مضيئة مع فاتحة الصلاة
بقلم: الدكتــور محمد السقا عيد
الفاتحة عماد الصلاة والمدخل الأساسي للقرآن الكريم، بكل كلمة منها نستنتج فتحًا جديدًا في المعاني والأفكار إذا توقفنا عند كل آية بل كل كلمة منها… فالبسملة( بسم الله) هي تلك العبارة التي قالها نوح عندما حرك دفة سفينته معلنًا ولادة عالم جديد فبها كان المجرى وبها كان المرسى… جملة تعلن فيها مشروعك، تعلن فيها وظيفتك في الأرض، وتُعلن في الوقت نفسه، هوية من وظفك وُتقر، أنك تعمل باسمه جل علاه… بسم الله.
لأول مرة، أول بسملة في التاريخ ” وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ”.
كانت البسملة هي ذلك المركب الذي َرحل عن المرافئ القديمة الغارقة، باتجاه المرفأ الحقيقي الآمن… كانت البسملة، َنورساً جاء في خِضّم المخاض، وَحط على ألواح السفينة، بشارة بقرب الوصول إلى البر الآمن.
إنها “الفاتحة” فاتحة الكتاب، لأن كل الكتاب سنفهمه بشكل مختلف أكثر فاعلية، لو فهمناه من خلالها.
فاتحة العينين، لأنها ستمنحك الرؤية لما يجب أن تراه، رؤية تنأى عن التفاصيل لصالح المشهد كله، فإذا بك إنسان آخر، وإذا بالعالم عالم آخر، وإذا بالعالم الذي عليك بناؤه عالم جديد وممكن.
وهي فاتحة للحياة، وليس للموت، علينا أن نكتبها في أثناء رحلة حياتنا، أن نمارسها في أثناء ذلك لا أن تختم حياتنا بها، ويقرأها الآخرون علينا، وتكتب على شواهد قبورنا.
إنها فاتحة للحياة: تمنح الحياة للقلب، وتتفتح الروح بها، تستمد منها القوة والعزم اللازم للبناء.. بناء ذلك العالم…. عالم جديد ممكن..
الحمد، الذي هو جزء من الفاتحة التي تتكرر- في الحد الأدنى – سبع عشرة مرة في اليوم، هو اتخاذ ذلك الموقف، الذي يصر على رؤية ما هو إيجابي في العالم.
“الفاتحة العدسة اللاصقة على العين المسلمة ” العدسة التي تبنيها. صارت الفاتحة ُتضم عبر البسملة والحمد لله عنصرين أساسين من عناصر الرؤية القرآنية. عبر البسملة ثَبّت في نفسك أنك مُكلف بالخلافة وأن لديك تخويلاً منه عز وجل وهو تخويل مُقيَد بشيء واحد فقط ” هو الرحمة “.
وعبر الحمد َثبتتْ أن مقر إقامتك الدائم سيكون ” الإيجابية ” إنك مهما حصل ستظل تحمد وتثني عليه لأنك تعلم أنه أعطاك كل مقومات الاستخلاف والتغيير وأسبابها.
أما عندما يعرفنا الله تعالى بنفسه فهذا يضعنا أمام صفاته تعالى فهو رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو مالك يوم الدين، وفي كل منها معان يستنبطها الكاتب على نحو جديد مختلف من شأنها أن تزيد وعينا بذواتنا وحياتنا وصولاً إلى صلة أعمق بمولانا وخالقنا.
أما اقتصار عبادتنا له “إياك نعبد” فهذا يفتح أمامنا معاني العبودية المختلفة لنتيقن أننا عندما لا نعبد سواه فإنما ذلك يحقق لنا الحرية الوحيدة الممكنة إنها الحرية الحقيقية.
وعندما نقصر استعانتنا عليه “وإباك نستعين” فإن ذلك يجسد حقيقة موقعنا وموقع الأشياء منا في هذه الحياة، ثم ماذا وراء طلبنا الهداية؟ وهل للهداية شروط؟ وهل لها موانع وما هي دائرة الهداية؟.
ثم ما هي حكاية “الذين أنعمتَ عليهم” وهل انتهت حكايتهم أم لا؟
وما الذي جرى مع المغضوب عليهم؟ وما حقيقة الضلال؟
“بالضبط يحدث الأمر عندنا مثل هذا، نقضي وقتاً كبيراً في إعداد عناصر تفاعل كيميائي دون أن نحاول مراقبة نتائجه، مراقبة النتائج واكتشافنا أنها خاطئة أحياناً سيجعلنا نعيد النظر في المعادلة برمتها وفي أدائنا لها، في كميات العناصر، في سياق التفاعل، في خطأ ما يحدث دون أن ننتبه له”
أي كيمياء فاشلة تلك التي تهمل النتائج، وأي صلاة تلك التي نصليها بحركاتها وأفعالها متناسين الحقيقة الأهم وهي ثمرات الصلاة، نتائجها علينا وعلى العالم من حولها متجاهلين أنها هي الأداة التي غير بها المسلمون العالم.
وقفات مضيئة تبين لنا كيف أن الفاتحة تضع أمام عيوننا عدسة مكبرة نرى من خلالها العالم كي ندخله ونقتحمه ونعيد بناءه، وعندها نفهم الحكمة الكامنة وراء نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنا عن إغماض عيوننا أثناء الصلاة.
نقطة تحول… تلك هي سلسلة كيمياء الصلاة، منعطفٌ جديد في حياة كل من يقرأها، يجدد فيها إيمانه، يجدد فيها نمط تفكيره، يجدد فيها عزيمته و رؤاه لنهضة الأمة ليعقد النية أن يكون هو نفسه نقطة التغيير التي يريدها لمن حوله.
كيمياء الصلاة…عنوان مبدع للطبيب المبدع د. أحمد خيري العمري يستحق بحق أن نقرأه ونتأمل معانيه، أنصحك باقتنائه أو علي الأقل قراءته.
كتاب رائع للدكتور أحمد خيري العمري أنصح كل إنسان بقراءته ليضيف إلي رصيده العلمي الكثير والكثير.
المصدر- كتاب كيمياء الصلاة للدكتور أحمد خيري العمري.