منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أدب النفس في الاسلام

عبد المنعم ابراهيم محمد لبن - مصر

0

أدب النفس في الاسلام

عبد المنعم ابراهيم محمد لبن – مصر

من الحق الذي لا مراء فيه أن في القرآن الكريم توجيهاتٍ تربوية كثيرة لها أثرها في النفس حين يتدبرها الانسان ويتأثر بها فيصبح له سلوك وتفكير أقرب إلي الصلاح والتقوي فهي ليست بتوجيهات متناثرة تجئ بالمصادفة في سياق الآيات وإنما هي منهج شامل متكامل كل جزئية فيه مقصودة وكل كلمة فيه بحساب !

إن الاحساس المبهم الذي يثيره القران الكريم في قارئه أو سامعه يؤدي مهمته في توجيه النفس إلي الخير وتعويدها علي الصلاح ولهذه التوجيهات قيمة كبري في مواجهة الفتنه بالمناهج الشائعة في الغرب والشرق تفتن الناس بأنها مفصّله مدروسة فيغفلون عما فيها من انحراف وخطر

إن منهج التربية الإسلامية متكامل لا يترك صغيرة ولا كبيرة إنه يشمل الانسانية بحزافيرها  – جوانبها – ويشمل الحياه البشرية بالتفصيل إنها في وضوحها وبساطتها تشمل البدَهيات وشواهدها في كل توجيه قرآني وفي كل حديث أو عمل للرسول صلي الله عليه وسلم الذي كان الترجمة الواقعية للقرآن فقد كان خلقه القرآن  كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين و رضي الله عنها

توجيهات القرآن و الرسول فريدة عن كل مناهج الأرض وإن التقت ببعضها في التفصيلات و الفروع ، فريدة في شمولها ويقظتها لكل دقيقه من دقائق النفس البشرية وكل فكرة وكل شعور وفي واقع الحياة فقد كان أثرها تلك الأمة العجيبة في التاريخ الأمة التي انتفضت من تراب الارض فوصلت إلي السماء والتي قامت من شتات متناثر لا يكاد يلتقي علي غير الصراع والحروب فإذا هي أمه صلبة متماسكة لا مثيل لها في الأرض تفتح وتعمر وتبني وتقيم مثلاً أخلاقية وإنسانية غير معهودة من قبل ولا من بعد وتنتشر في سنوات قليلة في رقاع الأرض تنشر النور و الهدي وتنشئ الحياة بإذن ربها من جديد

ولئن كان الزمن قد مزّق هذه الأمة وشّتت كيانها علي مراحل بطيئة استغرقت أكثر من ألف عام فقد كان سبب التمزيق هو البعد عن توجيهات القرآن و السنه مع المحافظة علي بعض المظاهر الخاوية أحيانا و البعد عنها جهرة في بعض الأحيان  فمن توجيهات التربية الاسلامية ادب النفس

فأطول قسم في القرآن الكريم أحد عشر قسماً في سورة الشمس “((وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا (1) وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا (2) وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا (3) وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا (4) وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا (5) وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا (6) وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا (7) فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا “(8)

 وجواب القسم:   ” قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (9) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (10)”

والثواب و العقاب يوم القيامة يكون علي النفس ( يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ (30) سورة ( آل عمران  30)

وقال تعالي : “واعلموا ان الله يعلم ما في انفسكم فاحذروه”  ( البقرة 235)

وقال صلي الله عليه وسلم  ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أوموبقها)  ” رواه مسلم “

مراتب النفس باعتبار تأثرها بالمراتب

  • النفس الأمّاره بالسوء :

التي تأمر صاحبها باللذات و الشهوات الممنوعة شرعاً فهي مأوي الشرور ومنبع الاخلاق الذميمة مثل الكبر والحرص و الحسد والغضب وهي لغالب النفوس من قبل مجاهدتها وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم ۞وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ (53)

(سورة يوسف 35)

  • النفس اللوامة :

التي استنار بها القلب فتطيع تاره وتعصي أخري ثم تلوم نفسها وتندم وقد جاءت في مفتتح سورة القيامة حيث أقسم الله بها (لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ (1) وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ (2) )

  • النفس المطمئنة 

التي تخلت عن الصفات الذميمة والرذائل الممقوتة واطمأنت إلي الكمالات فقد جاء ذكرها في مختتم سورة الفجر ” يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ (27) ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ (28) فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي (29) وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي (30) “

ولا بد للنفس من تأديب

  • محاسبتها لحديث عمر حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم – رواه مسلم- ويحاسبها عما مضي كما أمر الله تعالي يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (18) ” سورة الحشر “
  • توبيخها وذمّها قال أنس بن مالك سمعت عمر بن الخطاب يوماً وهو في جوف حائط يقول عمر: بخ بخ، والله يابن الخطاب لتتقّينّ الله او ليعذبنّك !
  • ترك شهواتها فمالك بن دينار اشتهي رغيفاً لينّا بلبن رائب بعد أربعين سنة وأبي أن يأكله – عندما اشتراه ( الزهد للإمام أحمد بن حبل )
  • الوقوف علي عيوبها ومعالجة هذه العيوب كحثها علي الحق و الطاعة وترك الغفلة و التواني و التسويف في التوبه وترك الإعجاب بالعمل و الشعور بالفخر و الابتعاد عن تزيين الظاهر

وفقدان  لذّة  الطاعة وعلاج ذلك بقوله عليه السلام : ان الله لا ينظر إلي صوركم ولا إلي أموالكم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم رواه مسلم وأحمد في مسنده و ابن ماجه – وقوله عليه السلام من أصلح فيما بينه وبين  الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ومن أصلح جوانبه أصلح الله برانيه  ومن أراد وجه الله أنال الله وجهه ووجوه الناس ومن أراد وجوه الخلق منعه الله وجهه ووجه الخلق – ( رواه  الديلمي – في مسند الفردوس 5819 )  وإسناده حسن

وكثرة الذنوب تجعل النفس تقسو وتبتعد عن خالقها وعلاج ذلك كثرة الاستغفار و التوبه وأعمال البر فالرسول يقول إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة  ” رواه البخاري وابن ماجه ” مع أن سيد البشرية لم تكن له ذنوب

وان تعلم النفس أن الدنيا ليست بدار قرار قال تعالي (أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا (77)   (سورة النساء )

( سورة الاعلي  )  وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ (17)

( سورة الضحي ) وَ لَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ (4)

  • الاشتغال بأمور الآخرة ولذالك أوصي لقمان ولدة فقال : يابني  اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة
  • ومن الادب مع النفس النظر في العواقب

لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله وسلم قال ” يؤتي بأنعم أهل الدنيا فيصبغ في النار صبغة  ثم يقال له:  يابن آدم هل رأيت خيراً قط ؟ هل مرّ بك نعيم قط ؟  فيقول : لا والله يارب ويؤتي  بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنه فيصبغ في الجنه  فيقال له: يابن آدم: هل رأيت بؤساقط ؟ فيقول  : لا الله يارب  ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط  ” رواه مسلم “

يقول ابن القيم رحمه الله: سبحان الله ! في النفس كبر إبليس.. وحسد قابيل.. وعتوّ عاد.. وجرأة نمرود .. واستطالة فرعون .. وبغي قارون .. ووقاحة هامان وهوي بلعام .. وحيل أصحاب السبت .. وتمرد الوليد .. وجهل أبي جهل ..

وفيها من أخلاق البهائم : حرص الغراب .. وشره الكلب ..ورعونة الطاووس .. ودناءة العجل ..وعقوق الضب ..وحقد الجمل ..ووثوب الفهد ..وصولة الأسد.. وفسق الفأرة .. وخبث الحيّة.. وعبث القرد .. وجمع النملة .. ومكر الثعلب .. وخفة الفراش و نوم الضبع غير أن الرياضة و المجاهدة تذهب ذلك فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد ..  ” ان الله اشتري من المؤمنين أنفسهم”(التوبة الآية 111 )

فما اشتري إلاسلعة هذّبها الإيمان فخرجت من طبعها إلي سكانه ( ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (112) ” التوبة الاية 112 ”  الفوائد لابن القيم

فهذّب نفسك أيها المؤمن .. وداو أمراضها حتي يكون يوم الحصاد .. فتحصد إن خيراً فخير و إن شراً فشرّ

 اللهم اجعلنا من المختارين لك ولا تجعلنا من المختارين عليك ..

 واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سئياتنا وتوفنا مع الأبرار..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.