مقاصد البحث العلمي
الدكتور عبد العلي المسئول
أستاذ القرآن وعلومه
“البحث العلمي” تفتيش وتنقيب عن المعلومة، إعمالا للفكر، وبذلا للجهد بغية الوصول إلى حقيقة أمر واكتشاف ظواهره وخباياه، ثم تفسير ذلك وتحليله وفق قواعد علمية.
وهو بالاصطلاح النبوي سلوك طريق لالتماس علمٍ. فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ” سنن الترمذي (2682)، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتهِ يَطْلُبُ عِلْماً، إلاّ سَهَّلَ الله لَهُ طَريقًا إلَى الْجَنَّةِ”.رواه الطبراني في الأوسط. وَعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لاهله قربة“. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار وهو بذيل إحياء علوم الدين للغزالي 1/ 25: “حديث معاذ تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ وَطَلَبَهُ عبادة الحديث بطوله رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب وابن عبد البر وقال ليس له إسناد قوي ”
فما العلم الذي تسهل له الطريق إلى الجنة، ويكونُ خروج طالبه في سبيل الله، والبحثُ عنه جهاد؟
إنه العلم النافع للأمة المنشئ للعمل الرافع، المبتغي صاحبُه به ابتداء وانتهاء وجهَ الباري سبحانه. هو العلم المسيج بنور الإيمان بالله، وإلا أضحى أداة تخريب.
هذا الباحث السالك الطريقَ المبتغيَ فيه علما هو الذي تضع الملائكة له أجنحتَها رضا بما يصنع، ويَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ كما ورد في الحديث.
والتماس العلم يكون بحفظه ودراسته ومطالعته ومذاكرته والتفهم له والتفكر فيه والاستدراك على أصحابه…
مقاصد البحث العلمي الأصلية
1-طلب القرب من الله تعالى
إن السالك سبيل البحث العلمي مقصده الأساس من ذلك ينبغي أن يكون هو طلب الزلفى من الله جل وعز وابتغاء مرضاته، إذ هو المقصد الأصلي، وما سواه مقاصد تبعية تتفرع عن هذا الأصل وتصدر عنه، إذ البحث العلمي هو من الأعمال الدنيوية التي يظهر أثرها في الدنيا والآخرة، وتخليص النية عند البحث والطلب مطلوب. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). (وَمَحْيايَ) مَا أَعْمَلُهُ فِي حَيَاتِي ومنه البحث العلمي.
ومتى كان هذا القصد حاضرا كُسِيَ صاحبه خشية الله وفتحت له أبواب العلم. وهذا المقصد متوقف على تقرب الباحث من الله بالفرض والنفل، ومحافظته على أوراده وأذكاره، وحضروره الدائم في مجالس الإيمان والعلم.
وليحذر الانخراط الكلي في مشاريع البحث العلمي والانغماس في جزئياته على حساب تزكية النفس وتجديد الإيمان.
2-إحياء الدين
إن الغاية من البحث العلمي أن ينهض بالأمة ويجدد فيها البواعث والإرادات حتى تلحق بركب الحضارة المرضية والتقدم العلمي. فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ» أخرجه الدارمي في مسنده (366 وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/206. “وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ” أي وهو يبحث في مختبره أو مؤسسته العلمية، ” لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ ” ليجدد الإسلام وينشره.
والبحث العلمي لا يحجب عنه علو سن ولا وهن عظام ولا اشتعال الرأس شيبا، إنما ارتباطه أساسا بعلو الهمة وقوة الإرادة«مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ”جاءه الموت حال طلبه للعلم على أي هيئة كان.
3-توريث العلم ونشره
الباحث الجاد يورّث العلم لطلبته بالتدريس والتأليف والإشراف على الأبحاث الجادة.
ويندرج في التدريس الإفهام والتعليم بصغار العالم قبل كباره.
ويدخل في التأليف ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وربط تلك المكتوبات بالمعاني الإيمانية والإحسانية ومكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
وأما الإشراف على الباحثين وتوجيه أعمالهم فمداره على الشفقة والحنو عليهم، ونصحهم وإرشادهم بحكمة وأناة، والصبر على عجلتهم أو تراخيهم، والأخذ بأيديهم فيما يبحثون ويخطون ويبتكرون، ودفعهم للاستفادة من لفظ ولحظ من هم أعلى رتبة منهم علما وخلقا، بل والاستفادة حتى ممن هم دونهم، وتوريثهم قول: (سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، وقول”لا أدري“فيما لا علم لهم به، فقد قَالَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه لِلْجَدَّةِ: “ارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ”. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: سَمِعْتُ ابْنَ هُرْمُزَ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُورِثَ جُلَسَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَا أَدْرِي حَتَّى يَكُونَ أَصْلًا فِي أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَمَّا لَا يَدْرِي قَالَ: لَا أَدْرِي. وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.
مقاصد البحث العلمي التبعية
1-لذة الإفادة
الباحث حينما يظفر ببغيته ويوصله تنقيبه إلى مراده، فإنه لا محالة يشعر بلذة لا توازيها لذة، لأنه أصبح مستوليا على المعلومة بعد أن كان فاقدا لها، “وَمَحَبَّةُ الِاسْتِيلَاءِ قَدْ جُبلت عَلَيْهَا النُّفُوسُ ومُيِّلت إِلَيْهَا الْقُلُوبُ “الموافقات للشاطبي ص: 39.
إن هذا التلذذ مشروع، شرط ألا ينسي الباحثَ المقصد الأصلي من عمله هذا أي طلب وجه الله تعالى، وإلا أدى به الْتِذَاذُه هذا إلى الضن باكتشافه وكتمانه عن أهله أو تسليمه إلى غيره مقابل دنيا يصيبها.
2-الوقار والحظوة والمكانة
إن إعمال النظر للوصول إلى الفائدة المرجوة أو الكشف عن زيغ أو خطل في كشوفات ينتج عنه توقير وتعظيم للباحث من قبل باحثين أو غيرهم، وهذا من باب رفعة العلم لأهله (يَرْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وهو من باب فضل الله تعالى الذي يؤتيه من يشاء من عباده، إلا أن هذه الحظوة ينبغي ألا يقصدها الباحث، وإلا كان عمله غير خالص لله تعالى. سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ فَقَالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ يُحِبُّ أَنْ يُجْلَسَ إِلَيْهِ»جامع بيان العلم وفضله 1/661.
3-المال والمنصب
إن عددا من الأبحاث العلمية يكون وراءها مقابل مالي، وهو حق مشروع للباحث الذي استفرغ جهدا وبذل وقتا للوصول إلى البغية، وهو أجر مقابل عمل ومنفعة، والإجارة على المنافع جائزة، والمنتوج العلمي من أعظم المنافع، لكن شرط ألا يكون هذا قصداً أولَ عند الباحثين، وإنما يأتي تبعا، لا إفراط فيه ولا إجحاف.