مات ريّان .. ولكن لا توقفوا الحفر
مات ريّان .. ولكن لا توقفوا الحفر/ محمد الحسن الكمالي
مات ريّان .. ولكن لا توقفوا الحفر
بقلم: محمد الحسن الكمالي
هذا ما أظنّه سيوصي به لو عاش، وما كنت قبلُ لأكتب عن شيءٍ أعرف أنّ مثله في الناس حدث ويحدث كلّ يوم، فيتفاعل الناس معه كأشدّ ما يكون التفاعل، ثم ينسونه كأمرّ ما يكون النسيان!!
هكذا هم أبناء أمتي، وهذه مشكلاتنا.
وكنت -رغم صادق دعواتي كلّ يوم- أكثر الناس تغليبًا للعقل على الهوى، حتى أخبرت أهلي قبل يومٍ أن الولد مات في غالب الظن، وسيخرجونه جثّةً، ولكنهم لن يعلنوا عن ذلك حتى إخراجه – وخيرًا فعلوا- حتى لا تحدث ربكة في العمل، فرفضوا توقّعي القاسي، ورفضه معهم ذلك الجزء من روحي الذي لم يفقد الأمل، وهو بطبيعته لا يتبع أحكام العقل.
والذي يجب أن نستفيده من هذه القصة، وإن كان الأمل في الاستفادة ضعيفًا في مثل حالنا، لكن حفزني عدم فقد الأمل في حياة ريان أن لا أفقد الأمل في شيء:
أوّلًا- عقيدة الناس المهتزّة يجب أن تستقيم ويجب على العلماء التبيين للناس أن الله لا يتبع لأحكامهم ولا لآمالهم ولا يتأثر بالإعلام، وإنما وضع لهذه الدنيا أسبابًا، فإذا حفرت بئرا مكشوفًا فلا تتوقع أن لا يقع فيه أحد، وإذا تركت العناية بالأسباب فلن يغيّر الله قوانين الفيزياء لأجلك.
وقد خبرت مثل هذه الحالة في أيام عدوانٍ على دولة مسلمة من دولة كافرة إلى درجة الردّة عند بعض الناس؛ أن لماذا لم ينصرهم الله؟
والجواب سهل: الله وعد النصر المجاهـ،د لا القاعد، والدعاء وحده لا يكفي دون عمل. وأنت لا ترغب أن تتبرع ولو بجزء من راتبك لدعم أمتك، أو وقتك لرفع مكانتها، ثم تطالب الله برزقها ونصرها! وهو قد جعلها دار ابتلاء لنا لينظر ما نفعل بها.
هذا جواب من قال لماذا مات ريّان؟ ولماذا تعذب الطفل؟ ببساطة؛ لأن البئر المكشوف لم يتعهد ربك بعدم وقوع أحد فيه، بل طالبك بعدم إهماله، وقد وقع فيه بعض أبناء الصحابة.
ولأن الطفل إذا بقي في بئر بظروف قاسية ففي الغالب أنه سيموت، ولو نجا فهو العجب، هذه قوانين الكون.
ثانيًا- معنى الأسباب: وهو أمرٌ أكثر ما حث عليه الإسلام وأكثر ما أهمله المسلمون، ولو قرؤوا تاريخهم لعرفوا أنهم لم يرثوا من الدين إلا القليل، فقد بنى سلفنا السدود والقلاع واستخدموا الآلات في عصرٍ مبكّر -بعضها في عصر الراشدين- والأهم من ذلك اهتموا بسلامة الإنسان، فقد رفض عمر اختبار عمق نهرٍ عن طريقِ رجلٍ يدخل فيه؛ حفاظًا على سلامته، ولو كلفه ذلك خسارة فتح مدينة وهزيمة جيش.
وإن من الأخذ بالأسباب أن تردم هذه الآبار وتعوّض، وهي منتشرة في أرياف كثير من الدول العربية، وخاصة أن هناك تجربة سابقة لشاب جزائري (اسمه عياش) كانت قاسية في بئر ارتوازي وأخرج ميتًا بعد أيام من الحفر، ولم يسلط الإعلام عليه كما هو الآن، ولعلّ في تسليط الإعلام الآن خيرًا.
ثالثًا- الموت تحفة المؤمن، وإن الله ليكرم من نزل به، وهناك لن يحكم ريان قوانين الدنيا، -هذه عقيدتنا- فلا تعلم أنت ما أحاط الله به ريان من لطفٍ قبل موته، ولا تعلم حاله وهو في كفالة أبيه إبراهيم في الجنة بعد موته، فعلام اعتراضك!
نعم رحل ريّان بعد أن أبكى العيون وأوجل القلوب، ثم لم نره إلا جسدًا، ولكن يد العناية الإلهية امتدّت إليه فأنقذته روحًا قبل أن تصل إليه يد البشر، فالموت ليس النهاية الحزينة للقصة إلا في نظرنا نحن المحبوسين في الدنيا، وإلا فهو بداية لعالمٍ أوسع وأجمل.
ولو كان له من وصيّةٍ بعد ما رأى من عاطفة أبناء أمته واتحادهم -وهي ما يخشى أن تبرد فينسى بعد حين-: أرجوكم لا توقفوا الحفر، ولا تفقدوا الأمل، فلا يزال حلم أمتكم تحت أطنان من التراب ، وهو لا يحتاج منكم شيئًا زائدًا على ما فعلتموه من أجلي؛ العمل والأمل والتوحد.
فهل عرفتم الطريق؟