منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ريان نادى فهل من مجيب

ريان نادى فهل من مجيب/ المهدي اليونسي

0

ريان نادى فهل من مجيب

  المهدي اليونسي

    شُيِّع رَيَّانُ رحمه الله ذو الخمس سنوات، التي ببركتها في التعاطف والتلاحم لم تلحقها بركات العقود والقرون، لما أضفى الله لهذه الروح من بركة دعوة وبلاغة حكمة، وجملة من العِبَر حوتها رسائل واضحة لمن يُهِمُّه الأمر، ومن هذه الرسائل:

  • إن الله يصطفي من عباده من يشاء ليكون للعالمين نذيرا، من طفل لم يبلغ الحلم، من قرية لا يعرفها إلا المجاورون لها، ومن بيت طيني متواضع، ومن أهل لا يعرفهم إلا جيرانهم، إلى دعوة سارية وتعاطف ضارب، واسم خالد وأسر ة وبلدة تتحدث بها الركبان، هذا لا يكتبه الله إلا لمن ارتضى واصطفى، ( وما يعلم جنود ربك إلا هو).. المدثر الآية 31
  • إن الآلية الجامعة لأمة سيدنا محمد ليست فكرية ولا سياسية ولا اقتصادية… بل يجب أن تكون آلية رحمة ومودة وتعاطف استجابة للحديث النبوي: “مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثلُ الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر  والحُمَّى”[1]
  • أن مآسي العالم ومواجعَه وفواجعَه وحروبَه القاتلة واختلافاته المنكدة كلست الران على الفطر السليمة حتى طبعت مع هذه المآسي، وبتنا لا نتأثر بصور القتل والدم السيال التي نراها يوميا، فجعل الله من ريان ذي الفطرة السليمة رسالة عالمية لنكنس ونحفر في أدران هذا الران لننقذ الفِطَر السليمة التي ترى بالحب والإيمان والخير لكل العالمين.
  • إن تغيير القلوب التي هي مناط التكليف في الإنسان قد لا يحتاج لأجيال، كما يدعي علماء الاجتماع وأصحاب النظريات السوسيولوجية، وإنما قد يقع هذا التغيير فقط استجابة لأحداث قد تكون طبيعية في السير العام العادي للحياة، لأن كلمةَ “كن” الفاعلة هي القادرة على ذلك، فواجب على الإنسان المصلح الفاعلية والسببية دون الاعتداد بهما في جلب التغيير بل عليه أن يستمد نبات البذرة واستواءها من الله تعالى.. ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) التوبة الآية 25
  • إن البئر مرحلة من مراحل الظلم التي يعيشها الإنسان وتعيشها الشعوب، في سنة التدافع مع الفساد والإفساد النابع من شهوات الإنسان الفاتكة، فيوسف عليه السلام وبشهوة إخوته في الاستئثار بحب أبيهم لهم بدلا عنه، ألقوه في البئر فَتْكًا به، إلا أن الذي أعقب هذا الخروج ارتفاع واستوطان ليوسف في أغلى قصور الانتصار، وحتما ريان يمثل شعبا وأمة أسقطتها في بئر التفقير والتجهيل والإفساد، شهواتُ الأشر والبطر والاستعلاء الفرعوني، التي تحاول أن تُبقيَ هذا السقوط مؤبدا، وينسون أن ريان خرج ميتا، لكنه أدى الوظيفة التي أناطه الله بها، فالإشارة ليست مقصودة في ذات ريان، بل بما أفرزته هذه الذات، مثله كمثل غلام أصحاب الأخدود، إذ كان التغيير بسبب موته لا بسبب حياته، فالخروج من بئر الضيق يُحتم على القلوب الصافية أن تلتئم على الإخراج اِلْتِآمَها على إخراج ريان، دونما نظر إلى اختلاف جنس أو رتبة أو حظوة.. ترتشف صلابة الهدف واقتحام المعوقات وتلاؤم الإرادات..
  • طرحت قضية ريان مسألة مخططات الأولويات عند الدولة، ففي اللحظة التي تتنافس على استشراف المستقبل بالعلم والاستثمار في الإنسان تجنح الدول الأمنية المتخلفة الى الاستثمار في إفساد الشباب عن طريق الخطاب الغرائزي، والتفقير الممنهج، وترميز التفاهة إن على مستوى الفن الممسوخ أو عن طريق غَوْلِ كرة القدم…، فدولة بكَلِّها وكَلْكَلها لا تملك مشروعا للمخاطر  ولا آلات للإنقاذ، ولا مشروعا استراتيجيا للكوارث، ولا تنفق على التعليم إلا لترسيخ التعليم الأمني وتبعيته للعقلية الانقيادية، بينما تغدق الملايير  على مخططات المسخ والتفسخ، ماذا لو كنا نملك العتاد المتطور؟، أكانت تضيع منا هذه النفس البريئة؟!!، ما كنا لنجتر خمسة أيام من معاناة الفقيد جروحا وجوعا وبردا، وقد رأينا دولا أنقذت نفوس مواطنيها في أقل من يوم وقد تعرضوا لأَضعاف ما تعرض له ريان..
  • ثم عندما تنتفي المساواة بين أبناء الوطن في الحقوق، يقع الشرخ في حب هذا الوطن، ماذا لو كان ريان ابن عِلّية القوم، وموجود بمناطق “المغرب النافع”، أكان التعامل معه سيكون على نفس الوتيرة؟؟!! كنا سنرى التسارع المحموم والتهافت المضطرد للإنقاذ كما وقع من ذي قبل مع أجانب لا ينتمون لهذا الوطن، وإن كان علينا لزاما إنقاذ الأرواح البريئة كيفما كان حالها أو خليفتها أو بَيْأَتُها، ولا أدري كيف هي آلات حفر الذهب والفضة والفوسفاط الباهظة الثمن التي لا نسمع عنها إلا في الأحلام كما الذهب ذاته والفضة والفوسفاط، أكان يُعجزها عمق عشرين مترا وهي التي تغوص إلى سبع أراضين؟!!!
  • إن الانبعاث الجديد الذي ألهمه ريان في قلوب المكلومين من أبناء الأمة اثار هبة لا يمكن قياس قوتها على الاتساق والمساق، فَحَج النشامى وهرول المسعفون وذرفت العيون، واستنوقت الأعناق وشخصت الأبصار ورفعت الأكف مُولَعة بالانعتاق من رقبة الأسر الجُبِّي، وهي لا تملك إلا بَكارة الفطرة، وحصافة الذهن، وإحساسا بالارتباط الوثيق بعروة الحب التي أضفاها الإسلام على القلوب، وإنها بذلك لتسقي ثمرة استيقاظ الأمة التي كسر  الإفسادُ والظلمُ نواتَها عبر سنين الإدخان والإذعان سواء على يد أعدائها أو على يد أبنائها..
  • رحم الله ريان بما ألْهَم، ورحم الله ريان بما عَلَّم، ورحم الله ريان بما أَفْهَم، ورحم الله ريان بما أَسْهَم، ورحم الله ريان بما رصَّع على الجدران: ( وأن هذه أمتكم أمة واحدة)..

[1] –  متفق عليه واللفظ لمسلم كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.