فيما يجب على الأنام من معرفة حق صحابته وعلو مقامهم (21)منحة المولى
د. نبيلة الوزاني الثهامي
منحة المولى (21)
فيما يجب على الأنام من معرفة حق صحابته وعلو مقامهم
د. نبيلة الوزاني الثهامي
وَمِنْ تَوْقِيرِهِ، وَبِرِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيرُ أَصْحَابِهِ، وَبِرُّهُمْ، وَمَعْرِفَةُ حَقِّهِمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَحُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَمُعَادَاةُ مَنْ عَادَاهُمْ، وَالْإِضْرَابُ عَنْ أَخْبَارِ الْمُؤَرِّخِينَ، وَجَهَلَةِ الرُّوَاةِ، وَضُلَّالِ الشِّيعَةِ، وَالْمُبْتَدِعِينَ الْقَادِحَةِ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَأَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ- فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ- أَحْسَنُ التَّأْوِيلَاتِ، وَيُخَرَّجَ لَهُمْ أَصْوَبُ الْمَخَارِجِ، إِذْ هُمْ أَهْلُ ذَلِكَ، وَلَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ ……-1
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا»-2
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾-3
وَقَالَ عز من قائل: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾-4
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ -5
وَقَالَ تعالى: ﴿ من المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ -6
وقد اختلف العلماء في تعريف الصحابي فقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ:
(كُلُّ مَن صَحِبَه سَنةً أو شَهرًا أو يَومًا أو ساعةً ورَآهُ فهوَ مِن أصحابِه، لهُ مِنَ الصُّحبةِ عَلى قَدْرِ ما صَحِبَهـ) .-7
وقال البُخاريُّ: (مَن صَحِبَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو رَآهُ مِنَ المُسْلِمينَ فهوَ مِن أصحابِهـ)-8 .
وزاد ابنُ حَجَرٍ: (أصَحُّ ما وقَفْتُ عليه مِن ذلك أنَّ الصَّحابيَّ: مَن لَقِيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُؤْمِنًا به، ومات عَلى الإسلامِ؛ فيَدخُلُ فيمَن لَقِيَه مَن طالَت مُجالَسَتُهُ لهُ أو قَصُرَت، ومَن روى عنه أو لم يَرْوِ، ومَن غزا مَعَه أو لم يَغْزُ، ومَن رَآه رُؤيةً ولَو لم يُجالِسْه، ومَن لم يَرَه لِعارِضٍ كالعَمَى )-9 .
وقد وردت الأحاديث النبوية الصحيحة في ذكر فضل الصحابة وعلو قدرهم
فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- عن النبي – ﷺ – قال: ” خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته”. -10
وعن واثلة بن الأسقع الليثي عن النبي – ﷺ – قال: ” لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رأى من رآني، وصاحب من صاحب من صاحبني”. -11
وورد الكثير من أقوال السلف في فضل الصحابة، قال عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه-:( إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد – ﷺ – خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد – ﷺ -، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء). -12
وعنه أيضا –رضي الله عنه- قال:( من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد – ﷺ -، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). -13
حب الصحابة عقيدة و دين
إن من عقيدة أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله – ﷺ -، وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم، والاحتجاج بإجماعهم، والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم؛ لما شرفهم الله به من صحبة رسوله – ﷺ -، والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم، وتقديم حب الله ورسوله – ﷺ – على ذلك كله،
وحبهم –رضي الله عنهم- دين يدان به، وقربى يتقرب بها إلى الله تعالى، إذ هو من أولى معاني الحب في الله، وموالاة أهل الإيمان التي أمر الله عز وجل بها، وقد دلت النصوص الكثيرة على وجوب محبتهم وحرمة بغضهم، فعن أنس –رضي الله عنه- عن النبي – ﷺ – قال:” آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار”. -14
وعن عبدالله بن مغفل –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول:” الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه”. -15
قال الطحاوي –رحمه الله-:( ونحب أصحاب رسول الله – ﷺ -، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). -16
وقد توعد الله الذين يؤذون المؤمنين بقوله: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)-17
وقال – ﷺ- : ” لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه”. -18
إن منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الصحابة –رضي الله عنهم- محبتهم بالقلب، والثناء عليهم باللسان، والاعتقاد بأنهم خلفاء النبي – ﷺ – بعد موته في الأمة، في العلم والعمل والدعوة، والأمر والنهي، والجهاد والأخلاق، والتلقي عنهم والتأسي بهم، والترحم عليهم، والاستغفار والدعاء لهم تحقيقا لقوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) .
ووجوب اتباع هديهم وسلوك سبيلهم استجابة لقوله تعالى: ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) -19
وقال عز من قائل: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) . -20
الإحالات:
1- كتاب الشفا؛ القاضي عياض ، ص 258
2- أخرجه الطبراني 10 / 243 والبيهقي في القضاء والقدر 444
3- سوره الفتح ؛ الآية 29
4- سورة التوبة ؛ الآية 100
5- سورة الفتح ؛ الآية 18
6- سورة الأحزاب ؛ الآية 23
7- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ؛ لأبي القاسم الطبري ج 1 ص 176
8- صحيح البخاري 4 / 373
9- الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 158
10- جامع العلوم والحكم ؛ ابن رجب ج 2 ص 477
11- صحيح المسند ؛ الوادعي رقم 1196
12- أخرجه أحمد 3600 واللفظ له ، والطبراني ج 9 ص 118
13- شرح العقيدة الطحاوية ؛ بن أبي العز ج 2 ص 545
14- صحيح البخاري 3784 ؛ ومسلم 74 باختلاف يسير .
15- أخرجه الترمذي 3862 ؛ وأحمد 20568 في فضائل الصحابة ؛ وابن حبان في صحيحه ص 725 والبيهقي في شعب الايمان ج 2 ص 657 ، حسن لغيره .
16- شرح العقيدة الطحاوية ج 20 ص 6
17- سوؤة الأحزاب ؛ الآية 58
18- أخرجه مسلم 2540 ؛ وابن ماجة 161 ؛ والنسائي في السنن الكبرى 8271
19- سورة النساء ؛ الآية 115