منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب:”المرجعية والمنهج: دراسة نظرية تطبيقية” إشكال العلاقة بين المنهج والرؤية الفكرية للدكتور أحمد مرزاق

الدكتور الطيب بن المختار الوزاني

0

إشكال العلاقة بين المنهج والرؤية الفكرية

قراءة في كتاب

 “المرجعية والمنهج: دراسة نظرية تطبيقية”  للدكتور أحمد مرزاق

الدكتور الطيب بن المختار الوزاني

 

توطئة

صدر عن المجلة العربية (جدة- المملكة العربية السعودية) ضمن سلسلة كتابها الشهري عدد 210 سنة 2014م كتاب «المرجعية والمنهج: دراسة نظرية تطبيقية» للدكتور أحمد مرزاق (وجدة- المغرب)، من الحجم المتوسط في 125 صفحة.

والكتاب -رغم صغر حجمه- يثير إشكالات معرفية معقدة خاصة إشكال العلاقة بين المنهج والرؤية الفكرية والخلفية المعرفية التي تحكمه مستثمرا رصيداً معرفياً من القراءات الموسعة في الفكر الفلسفي والنقدي العربي والغربي، لينتهي إلى صعوبة الفصل بين المنهج والرؤية المعرفية المنتجة له، مبينا ذلك من خلال دراسة تطبيقية على المنهج التاريخي والمنهج التفكيكي؛ حيث بين عدم انفصال أي منهما عن المرجعيات التي تحكمه، تلك المرجعيات التي غفل عنها الناقد والمفكر العربي وهو يلجأ إلى هذه المناهج لإعمالها في دراسة تاريخه وحاضره، وتحليل تراثه ومحاولة حل مشكلات واقعه، ظانًّا أنها مناهج علمية موضوعية وأدوات إجرائية محايدة .

وقد جاء الكتاب في مقدمة ومدخل وتمهيد ثم ثلاثة فصول فخاتمة؛

فالفصل الأول حمل عنوان المرجعية رؤية معرفية.

والفصل الثاني تناول “المنهج بين اللغة والمفهوم”

أما الفصل الثالث فجاء بعنوان:: المرجعية والمنهج أية علاقة؟

أولا- جوانب من أهمية الكتاب:

رغم صغر حجم الكتاب إلا أنه –في تقديري الشخصي- كتاب مفيد في بابه، عميق في تناول مسائل أبوابه، شائق في أسلوبه، لائق في إحياء السؤال عن المنهج وفتح مسالكه ودروبه، رائق في تعريةِ خطاب المركزية الغربية الفلسفي والمنهجي، وكشف مزالقه وعيوبه، واستفزازٍ للمفكر العربي للشروع في تنقيحه وتهذيبه، وحثِّه على إبداع منهج أصيل وترغيبه، وحرِيٌّ بطالب العلم الاطلاع بنفسه على مسائله، والوقوف على دعاواه ودلائله، وتبيُّن فوائده وفضائله.

وتدليلا على أهمية الكتاب، أسوق مقتطفات على سبيل التمثيل والانتخاب وليس الاستقصاء والاستيعاب:

– يقول المؤلف في المقدمة: “يتطلب الحديث عن المنهج فتح ملفات تطول تراثاً بأكمله، تراثاً مما يسمى النهضة العربية إلى حدود الوقت الراهن، لكي نسأل ونلح في السؤال عن المناهج القارئة والمفككة للتراث وللواقع. فنحن قد نكون دخلنا في طريق مسدود منذ اللحظة التي أقصي فيها سؤال المنهج وعلاقته، الوصل أو الفصل بالمرجعية؛ إذ كان الأولى أن ننقب في مجموعة قضايا:

أولها وأهمها قضية المفهوم وهي من أخطر القضايا وأعوصها… (ص. 7)

وثاني هذه القضايا قضية تداخل الحقول المعرفية. فهذا التداخل يفرض على كل قارئ الإلمام بالسياقات المختلفة للعلوم ليلاحظ الوشائج والعلاقات التي تقيمها هذه العلوم فيما بينها”. (ص.8)

– مشكلة ضعف العناية بمسألة المنهج في الفكر العربي الحديث: “وإشارة بسيطة وعابرة إلى المشاريع العربية توضح أن السؤال حول المنهج والمرجعية دخل في عداد المسكوت عنه، أو اللامفكَّر فيه، مما حدا ببعض المفكرين العرب إلى القول: ” يكاد يذهب بنا القول إلى التأكيد: إنه لم تعرف الثقافة العربية الحديثة منهجا نقديا اكتسب شرعيته المنهجية إلا وكان قد تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالموجهات والإجراءات التي اتصفت بها (المركزية الغربية) في حقل البحث الأدبي ونقده”، بل في جل الحقول المعرفية”. (ص. 20)

ثانيا- في بيان إشكالات الكتاب:

انطلق المؤلف في كتابه من إبراز الإشكال المعرفي الذي دفعه إلى البحث في المسألة المنهجية وعلاقتها بالمرجعية. وهي خطوة منهجية في البحث العلمي والكتابة المعرفية الجادة؛ لأنه من غير الوقوف على الإشكال وإبراز تمفصلاته تكون الكتابة من غير قصد، يقول الباحث في هذا السياق: “في حدود اطلاعي المتواضع، لم أقف على دراسة مستفيضة في الموضوع، تستقصي كل الجوانب بل تثير الأسئلة من قبيل:

– كيف يتشكل المنهج في حقل من حقول المعرفية الإنسانية؟

– كيف تحضر أو تتعالق الأنساق الكبرى للثقافة أو الحضارة بالمنهج كآلية للتفكير والاستنباط والتصنيف؟

– ما الخطورة –إن كانت هناك خطورة- الناتجة عن نقله إلى حقل آخر، أو استجلابه إلى مجال حضاري آخر، بل هل هناك إمكانية لهذا الاستجلاب؟

– ما علاقة المفاهيم والمصطلحات بمجالها الحضاري؟

– هل يكفي هذا السجل من المفردات: التبييء، وإجرائية المنهج والمفهوم، وكونيتهما حتى نبرر الأخذ بمناهج متعددة نقارب بها التراث والأدب والمجتمع بل الحضارة العربية الإسلامية؟

– هل يكفي أن نقول إن هذا المنهج أو ذاك تشكل داخل سياق غربي، أو تحكمه خلفية معينة، أو هو منهج لهذا الحقل دون ذاك، لنبرر كذلك الرفض المطلق؟” (ص. 25- 26)

هذه الإشكالات الكبرى التي بينها الكاتب في بدايات الكتاب هي التي شكلت البوصلة التي قادته إلى سبر أغوار القضية، وجعلته كل مرة يثير إشكالا جزئيا في ثنايا البحث يتخذه مطية لتفريع الإشكال والتوسع في البحث تحليلا واستشهادا وحجاجا وترجيحا.

ثالثا- قضايا الكتاب:

إشكالية العلاقة بين المرجعية والمنهج تتعدى النقد الأدبي إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية؛

– يقول في هذا السياق: “رغم أن موضوع البحث هو التنقيب في العلاقة بين المرجعية ومناهج النقد الأدبي، إلا أننا لم نقصر المنهج على النقد الأدبي؛ لأن إشكالية المنهج في الدراسات الأدبية عامة والنقد الأدبي خاصة فرع من إشكالية أشمل هي إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية”. (ص. 27).

– “وأهل النقد الأدبي حين يربطون النقد الأدبي بالعلوم الاجتماعية أو الإنسانية ينطلقون في الغالب من فهم خاطئ للعلوم الإنسانية؛ فهم يعتقدون أن العلوم الإنسانية قد حققت علميَّتَها وأصبحت قائمة الذات”. (ص. 27)

– “إذا كان النقد الأدبي بلا منهج، إنما يستعير أو يستوحي من الحقول المجاورة والمغايرة لطبيعته، وكانت العلوم الإنسانية من بين ما يميزها اليوم أن “علميتها لا زالت موضع نقد خارجي وداخلي على السواء”، فإن إغفال تحديد المجال المعرفي الذي تنتمي إليه المنهج الذي سنتحدث عن علاقته بالمرجعية، أمر مقصود ومبَرَّرٌ”. (ص. 33)

– دور حركة التاريخ في تشكل المرجعية:

يقول في شأن مركزية التاريخ في تشكيل المرجعية: “إن المرجعية تتشكل داخل التاريخ، وهي أشبه ما تكون بكرة ثلج تحمل نواتها داخلها، وتتدحرج من قمة الجبل، فتضاف إليها عبر مسيرتها عناصر تساهم من جهتها في إثرائها وإغنائها، وتحاول هي- أي المرجعية أو النواة- من جهتها تذويب وهضم هذه العناصر“. (ص. 39)

– مكونات المرجعية الغربية  وثوابتها:

أ- يقول في شأن مكونات المرجعية الغربية: “يرى مجموعة من الدارسين أن المرجعية التاريخية للفكر الفلسفي والديني الغربي هي نتاج ثلاث مكونات، هي:

1- الفلسفة اليونانية.

2- التراث الروماني.

3- المسيحية. (ص. 44)

ويضيف إلى ذلك عناصر أخرى أضافها مفكرون آخرون، هي “المكون اليهود في الفكر الغربي الحديث” حسب المسيري، (ص. 45) و”البيئة الأوربية نفسها” حسب حسن حنفي. (ص. 46)

– يقول في ثوابت المركزية الغربية الحديثة: “لنحدد بعض ثوابت هذه المرجعية، هذه الثوابت منها ما هو قديم تشكل داخل فضاء أثينا، وساهم في بلورته وإنضاجه السياق التاريخي، وبعض الانعطافات الكبرى، ومنها ما تم استجلابه من الخارج ولكن بعد نزع حوافه”. (ص. 49)، ويذكر من هذه الثوابت بالاستناد إلى مفكرين غربيين وغير غربيين ما يلي:

– ثابت قانون الصراع بين الأقطاب (الله ≠ الإنسان) (الطبيعة ≠ الإنسان).

– ثابت مؤسسة العلم: حيث انتظم العلم في شكل مؤسسة تدير شؤونه، وهي التي تولت ترجمة التراث اليوناني والإغريقي وتأسيس الجامعات بطراز جديد، وظهور طبقة من فلاسفة اللاهوت وإسهامهم في إدخال فلسفة الطبيعة واستخدامها في مناهج الجامعات الجديدة، وإضافة إلى قيادة مؤسسة العلم للصراع مع المؤسسة الدينية الكنسية الذي انتهى لصالح العلم، وسيادة الفلسفة الوضعية التي أدخلت قوانين العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية وأوجبت دراسة موضوعات الإنسان والمجتمع مثل دراسة الطبيعة. (ص. 51-52)

– صعوبة تعريف المنهج في الفكر الحديث والمعاصر: يقول المؤلف: “يجد الباحث صعوبة كبيرة في ضبط مفهوم المنهج في التداول الحديث والمعاصر، فإذا كان الأصل في التسميات أن يوضع للمدلول الواحد دال واحد، وذلك حسب القاعدة المعروفة: لكل مفهوم مصطلح ولكل مصطلح مفهوم، في المجال العلمي خاصة، فإنه كثيرا ما تنتهك هذه القاعدة ويدلى “بمصطلحين أو أكثر لمتصور واحد”، أو العكس، رغم أن المناطقة منعوا الحد بالمشترك تفاديا للغموض والاضطراب الدلالي”. (ص. 59)

– يقول في دلالات لفظة المنهج: “ما يلاحظ رغم مرور الزمان أن مفردة المنهج حين تطلق في التداول الحديث يراد بها معان كثيرة:

1- فهي قد تعني فلسفة معينة كامنة، (مثل المنهج المادي الجدلي الذي هو الفلسفة الماركسية). (ص. 59- 60)

2- العقل الذي تشكل وتكوَّن عبر صيرورة تاريخية حتى أصبح مع الزمن “سلطة” يفرض نفسه في كل مجالات المعرفة”. (ص. 61)

3- كما قد تعني مجرد الطريقة أو الخطة التي غالبا ما يغيب فيها الحديث عن البعد المعرفي رغم حضوره..”

4 وأخيرا… الباب الذي يتألف منه مؤلف ما “؛ (مثل صنيع حازم القرطاجني في كتابه منهج البلغاء). (ص. 61)

– إلى أي حد يمكن تحقيق العلمية في النقد الأدبي والعلوم الإنسانية؟:

 يقول منتقِداً مَنْ يرى أن النقد الأدبي يمكن أن يصير علما إذا استعان بمنهج العلوم الإنسانية: “يذهب الناقد عز الدين إسماعيل إلى أن النقد الأدبي خاصة، والدراسات الأدبية عامة، لم يصبح بعد علما، ويوم يصبح علما “فإنه سينتمي بالضرورة إلى مجموعة العلوم التي تُسمى العلومُ الإنسانيةُ”، والغريب في الأمر أن هذا الكلام قيل عام 1983م، والكلام حول أزمة العلوم الإنسانية بدأ مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبلغ الأوج في الستينيات مع الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي نفى أن يكون علم النفس وعلم الاجتماع والدراسات الأدبية والتاريخ علوما إنسانية، واشترط عليها إذا أرادت أن تكون إنسانية أن تتبنى المنهج البنيوي”. (ص. 68).

– مفارقات بين المفكر الغربي والمثقف العربي:

 يقول مستغربا المفارقة بين المثقف العربي والغربي حيث ناقش المثقف الغربي إشكالية علمية العلوم الإنسانية والنقد الأدبي بحرية في حين سلمها المثقف العربي: “… وهذ أمر لافت للانتباه، كيف نجد هذا الوعي داخل الفضاء الغربي، فيضع الأمور في إطارها ويناقشها المناقشة التي تستحقها ويغيب هذا الوعي داخل فضائنا”. (ص. 72)

– ويبدي نفس الاستغراب بين المثقف الغربي وهو يحترم أرضية المفهوم التي نشأ فيها ولا يستعيره لحقل آخر إلا بحذر مع المثقف العربي الذي يؤمن بالمفاهيم الرحالة مع حذرٍ في توظيفها ولو اختلف مجالها، فيقول في هذا السياق: “يتم الحديث في الغرب عن (المفهوم الرحالة) = (le concept nomade) الذي ينتقل من حقل معرفي إلى آخر، داخل النسق المعرفي الغربي الواحد، ولكن بكل حذر وحيطة؛ لأن الباحث هناك واعٍ بأن المفهوم له تاريخ، وأنه (يتعدد تبعا لتعدد حقول المعرفة، وتبعا للأثر التاريخي الذي يتطور في ضوئه الحقل)، ويأتي الباحث العربي ليقول ب( المفهوم الرحالة)، وب(الاستعارة)، و(التبييء)، و(كونية المفهوم)، و(إجرائيته)، دون أن يبذل جهدا في تفكيك الأمر”. (ص. 90)

– غموض مفهوم المنهج في الدراسات والنقد الأدبيين:

يقول المؤلف: “الملاحظ إذن أن الدراسات الأدبية عامة والنقد الأدبي خاصة لا تنضبط لمعايير واضحة في تسمية الأشياء، فتختلط(المدرسة) ب(التيار)، ب(الفلسفة) ب(المنهج)، ب(النظرية)، ب(المذهب)… لهذه الأسباب، الخلط في التسمية، وعدم وضوح الحقل المعرفي موضوعا ومنهجا ومفاهيم سنضطر إلى توسيع دلالة المنهج فيصبح أكثر من خطوات معدودة يمكن لأي واحد اتباعها فيشمل مجموعة من المقولات ك(المدرسة)، و(التيار)، و(المقاربة)، و(المنهج)، و(النظرية)، و(المذهب)، و(المنظور)”. (ص. 79)

– وظيفة المرجعية في تشكيل المنهج:

بعد كل هذا الذي سبق بيانه في تحديد مفهوم المرجعية ومكوناتها وثوابتها، وتحديد مفهوم المنهج وإشكالاته ينتقل الباحث إلى السؤال المركزي ألا وهو: المرجعية والمنهج أية علاقة؟

ولكي يجيب عن الإشكال يبين أولا العلاقة الكلية بينهما، وكيف يتشكل المنهج من رحم المرجعية الثقافية والحضارية للأمة فيقول: “…كل ثقافة بمعناها الشامل الذي يحتوي كل ما ينتجه الإنسان أو كل ما يخرجه من دائرة الطبيعة البكر ليدخله إلى نسقه الثقافي، يكمن خلفها نموذج” (ص. 83)، وهذا النموذج وظيفته أنه:

1- يحدد مصادر معينة للمعرفة، فيثبت مصادر ويغَيِّب أو يقصي أخرى؛ فيؤسس ثابته الذي يؤول إليه في تحريره للمعرفة وتحصيلها، هذا الثابت يتراوح في الفكر الغربي بين الحس والعقل… أو يتراوح بين الداخل والخارج (العالم الخارجي الواقعي)… وعبر هذا الثابت تتم قراءة كل ظاهرة إنسانية وتُرَدُّ إليه، ولا يمكن تفسيرها خارجه”. (ص. 83 -84)

2- يقيم علاقات معينة بين هذه المصادر، فتكون الغلبة لمصدر دون آخر، فيسود وتُحالُ إليه كل المعرفة. (ص. 84)

3- ويحدد طرائق نقد هذه المصادر والمعرفة المتولدة عنها (= المجال الإبستمولوجي).

4- وأخيرا يضع المناهج التي توصل إلى هذه المعرفة ويحددها فيقصي كل المحاولات التي تروم اعتبار ذاتها منهجا للمعرفة فتظل هذه المحاولات تَتَقَرَّب من الثابت علها تحصل على رضاه، وهذا ما نجده حاضرا في الدراسات الأدبية وقبلها العلوم الإنسانية التي حاولت ولا زالت تحاول أن تتشبه بالعلوم الدقيقة لتكتسب صفة العلمية والموضوعية، أو تتمرد عليها باحثة عن أفق آخر لكنها لا تخرج عن المسير فتقلب النموذج، بل تظل حبيسة الفعل ورَدِّ الفعل”. (ص. 85)

– صعوبة الفصل بين المنهج ومرجعيته الفكرية:

يقول المؤلف مستشهدا بقول الدكتور سعد عبد الرحمن البازعي: “القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات، أو بعد إدخال تعديلات طفيفة.. هو نوع من الوهم الذي سرعان ما يتكشف تحت التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج”. (ص. 11)

– وفي موطن آخر من الكتاب يتساءل: لماذا يقر منير شفيق أن لا أحد (يدخل موضوعه وعقله صفحة بيضاء، أو يحمل فقط تلك المبادئ العامة والتقنيات الخاصة)؟

ويجيب قائلا: لأنه في الواقع، (لا منهج مجردا من مقولاته ونماذجه)، ولأن المنهج يتشكل “في أحشاء النماذج التي يعالجها، ويكتسي باللحم من خلال الموضوعات التي يولدها” وأن الباحث يدخل موضوعه وهو يحمل أيضا، مجموعة كبيرة من القضايا والأفكار” حول الدين والتاريخ والمجتمع والآخر واللغة”. (ص. 91).

– في الجانب التطبيقي تناول الباحث منهجين هما المنهج التاريخي والمنهج البنيوي وأخضعهما للفرضية السابقة وهي فرضية عدم انفصال المنهج عن المرجعية التي ولد في أحضانها واصطبغ بروحها.

ففي المنهج التاريخي بين الخلفيات والمرجعيات التي تحكمت في المنهج التاريخي رغم دعوى إجرائيته، وأهم هذه الخلفيات: المناخ العام للقرن التاسع عشر وعصر التنوير؛ ولذلك حكمت المنهج التاريخي مقولات ومفاهيم مثل: مفهوم الواقعية الذي هو مساو لمفهوم الحس والخارج مقابل الرومانسية والخيال، والموضوعية في مقابل الذاتية، مما يعني خضوع التاريخ لمؤسسة العلم وقوانينها وأسسها (ص. 101)، وتشييء الإنسان وظواهره ومساواتها مع مختلف الكائنات الطبيعية (الداروينية) (= البعد المادي الوحيد للإنسان).

وفي المنهج التفكيكي يبين حضور المرجعية فيه في العناصر الآتية: ارتبط ظهور المنهج التفكيكي بالقرن العشرين، ويظهر تأثره بمرجعية مؤسسة العلم حيث انتهى عصر الحتميات، وظهور النسبية، وانتقل العلم من المادة إلى اللامادة،(ص. 107 وما بعدها) والطريف في الأمر هو أن الباحث يربط المنهج التفكيكي عند دريدا(الفيلسوف الفرنسي ذي الأصل اليهودي من الجزائر) بمرجعيته الدينية اليهودية خاصة يهود القبالة هذه المرجعية كان لها تأثير في المنهج التفكيكي: “فعبارة (شهوة القراءة) و(لذة النص)، مقولة من إحدى مدارس التفسير في العهد القديم، حيث يشبه التوراة بمضاجعة الأنثى، وتشبه لذة القراءة باللذة الجنسية”، كما يقول عبد الوهاب المسيري (ص. 113- 114)، ومما يزيد الأمر تأكيدا في نظر الكاتب أن أعلام التفكيكية كلهم يهود يقول في هذا الصدد : “ليس من باب الصدفة أن تجتمع كل هذه الأسماء : إدموند جابيس(يهودي من أصل مصري) وهارولد بلوم وجاك ديريدا تحت عنوان واحد اسمه التفكيك” (ص. 114)، كما يدعم هذه العلاقة من خلال عدد من الدارسين الغربيين الذين أثاروا مسألة العلاقة بين المنهج التفكيكي والمرجعية اليهودية.

رابعا- ملحوظات ختامية:

– إن قيمة المؤلفات لا تكمن دوما في حجمها الضخم بالضرورة، فليس الكم دليلا على أهمية الكتاب كما يحرص الكثير، لكن أهميةَ الكتاب دوما وجودةَ الإبداع عموما في نوعيته ودقته وكثافة المعنى وإصابة المعنى بأقل لفظ ومبنى، وأحسب أن كتاب الباحث أحمد مرزاق قد حقق هذه المزية، وحاز شرف هذه الفضيلة.

– أن حاجة الفكر العربي والإسلامي المعاصر إلى تداول إشكالات المرجعية والمنهج لها موجباتها الشرعية والعقلية والتداولية والحضارية، لأن استقامة المنهج من استقامة الرؤية، وما دام المفكر العربي يستعير أدوات منهجية ومرجعياته الفكرية من الفكر الغربي فستبقى الأمة محرومة من استثمار ثرواتها علما بأن “الثروة الحقيقية في الأمم إنما ثروة المناهج” على حد تعبير نيتشه، ولذلك تعد معضلة المنهج المعضلة الكبرى والأولى؛ يقول الدكتور الشاهد البوشيخي: عن مشكلة المنهج إنها «مشكلة أمتنا الأولى، ولن يتم إقلاعنا العلمي ولا الحضاري إلا بعد الاهتداء في المنهج للتي هي أقوم».

– أن الكتاب حاول بيان وجوه التعالق بين المنهجية والمرجعية ومعضلات الفصل والوصل بينهما، مع التنبيه إلى ما غفل الدارسون العرب عنه.

والكتاب، وإن لم يقدم حلولا دقيقة، فيكفيه حظا أنه أثار الإشكال وبين ما يمكن أن يترتب عن الغفلة عنه من الشر والوبال، وما يلحق العقل العربي من الاختلال والاحتلال. والكتاب لا يقدم أجوبة بقدر ما يثير السؤال تلو السؤال، حتى إن الخاتمة جعلها سؤالا “لأن السؤال هو الذي يفتح آفاقا للبحث، ويضيء أماكن مظلمة، ويدفع إلى التنقيب في كل فكرة بالحفر في جذورها وأصولها والتواءاتها” (ص. 117).

– وختاما فالكتاب يصح الاحتذاء بروحه المنهجية في البحث لحسن تصويره المسائل، ودقته في تقرير الحجج والدلائل، ووضوح تصوره للإشكالات، وإتقانه لنظم الكلام فيما للمُؤَالِفين (= الموافقين) والمخالفين من المقالات، وحسن إدراكه للموضوع رغم تشعب المجالات، وقدرته على الإيجاز رغم اتساع النطاقات، وتكثيف المعاني على تباعد التخصصات، رغم أن أسلوبه كان أحيانا يخطئ الفصاحة في مواطن محدودة، ويبعد عن البلاغة في أماكن معدودة، لكن ذلك لم يكن ليُؤَثِّر في عُلُوِّ كعبه في فضائل ومزايا مشهودة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.