رمضان المطهر
أهل علينا الشهر الكريم، والمؤمن الحصيف هو من يستغل أوقاته بكل جد ونشاط منتقلا من عبادة إلى أخرى، مستشعرا لحظات الشهر الفضيل. فمن صيام محتسبا إلى قيام بخشوع إلى تلاوة بتدبر واستماع لصوت حسن إلى صدقة بإخلاص إلى صلة بأدب. ولكيلا يذهب بعيدا عن مائدة رمضان “القرآن الكريم” ندعوه إلى التجول قراءةً في عرصات وحدائق الذكر الحكيم.
نحاول في هذه السلسلة الإجابة عن مجموعة تساؤلات تخص القراءة من قبيل: ما معنى فعل القراءة؟ ما أهمية القراءة؟ ماذا أقرأ في رمضان؟ كيف أقرأ؟
وقفة مع الجذر “ق-ر-أ”
ق-ر-أ: قرأت الكتاب وأقرأته وأقرأته غيري وهو من قرأت الكتاب وفلان قارئ وقرّاء: ناسك عابد وهو من القرّاء.
وقال جرير: يا أيها القارئ المرخي عمامته هذا زمانك إني قد مضى زمني وقد تقرّأ فلان: تنسّك.
وما قرأت هذه الناقة سلاً قط: ما ضمت أي ما حملت ولداً[1].
وقَرَأْتُ الشيءَ قُرْآناً: جَمَعْتُه وضَمَمْتُ بعضَه إِلى بعض[2].
«اقرأ» إيذان بمحو الأمية وبداية عصر العلم: «اقرأ» كانت الكلمة الأولى في الخطاب الإلهي الأخير الموجه إلى الإنسان، بها بدأت الرسالة وبها ختمت النبوة. أي كلمة سحرية هذه التي بها انقطعت الصلة بين السماء والأرض؟[3] .
أقوال عن القراءة
استهوت القراءة الكثير وأغرم بها الكثير من العلماء، حتى صار الكتاب أنيسهم ومحدثهم في خلوات الليل وجلوات النهار، في السفر والحضر، قربهم وبجنبهم، لا زينة على الرفوف، وهو الزاد إذ لم تكن المؤونة أكثر من ماء وتمر. وهنا نحدثكم عن تجربة قارئ هاو للكتب، من كتاب تاريخ القراءة” ألبرتو مانويل، يقول:
في المشهد الأول: كان كل كتاب أقرأه عالما قائما بذاته ألجأ إليه[4].
في المشهد الثاني: ولذا فإن القراءة على الرجل المكفوف المسن كانت تجربة غريبة[5].
في المشهد الثالث: إلا أن الدوق ليبري لم يكن خادما أمينا للعلم وحسب، بل كان عبدا عاشقا للكتب[6].
حتى أنك تقرأ في التاريخ غيرة النساء من الكتب، من شدة إقبال العلماء عليها و تفرغهم للقراءة و التأليف، و هو أشد على النساء من الضرائر، فيروى عن الزبير بن بكار: كان يقول: قالت ابنة لأختي لأهلنا: خالي خيرُ رجل لأهله، لا يتخذ ضَرَّة، ولا يشتري جارية، قال: تقول المرأة: والله لَهذه الكتبُ أشد عليَّ مِن ثلاث ضرائر[7].ومحمد بن شهاب الزهري قالت له امرأتُه يومًا: والله لَهذه الكتبُ أشد عليَّ مِن ثلاث ضرائر[8].وقال الأديب إبراهيم عبدالقادر المازني:كانت زوجتي تقول آخر أيام حياتها – رحمها الله -: ليس لي ضَرَّة سوى هذه الكتب[9].
ويقول سالم عدنان: أن تقرأ يعني أن تجد الصديق الذي لن يخونك أبداً: سأل أحد أبناء الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس أباه قائلاً: إذا سألني الناس عن مهنتك فماذا أقول لهم؟ فقال: يا بني قل لهم إن أبي دائم التجوال ليلقى الأدباء والعلماء والمفكرين، من كل عصر وجنس ودين، يصغي إلى الأحياء منهم والأموات. إنه لا يعبأ بحدود جغرافية ولا فترات زمانية[10].
القرآن سيد الكتب
نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، يقول الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[11]. وكان صلى الله عليه وسلم يتدارس فيه القرآن مع الملك الأمين جبريل عليه السلام مرة كل رمضان، قال البخاري في صحيحه (1902) : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ . لذلك كان عليه مدار قراءة المؤمن في رمضان. ونشير إلى أن أول ما نزل من القرآن كلمة “اقرأ” وهو فعل أمر يفيد الإلزام، وللعلماء وقفات مع كتاب الله في رمضان أمثال الإمام الشافعي والإمام البخاري وغيرهم كثير، وسيرتهم مع القرآن لا تخفى على أحد حتى أنك تستغرب تعاملهم الرائع مع الكتاب الحكيم، قال ابن كثير في فضائل القرآن: ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن فى شهر رمضان لأنه ابتدئ بنزوله ولهذا كان جبريل يعارض به رسول الله فى كل سنة فى شهر رمضان.
كتب التفسير
وذلك بغية الوقوف على معاني الآيات والسور ومعرفة أسباب النزول تيسيرا للفهم والتدبر، فكل آية هي مفتاح لباب من أبواب العلم، وكل سورة هي كل يجمع معاني عدة، والآي يفسر بعضه بعضا، فقراءة التفاسير توسع مدارك العبد وتبين له الأحكام الواردة في القرآن الكريم أمرا ونهيا فيعرف الحلال والحارم، خصوصا التفاسير المعتمدة:
تفسير ابن كثير: وهو كتاب جامع لا يستغني عنه قارئ، جمع فيه رحمه الله كل ما وصل إليه بعد جمع الروايات، فيقول في مقدمة تفسيره: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر فإنه كان آية في التفسير كما قال محمد بن إسحاق حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد، قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها[12].
أحكام القرآن للقرطبي: وهو كتاب للأحكام ضروري لمعرفة أحكام الصيام وغيرها من العبادات، جاء في مقدمته: وبعد ، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ، الذي استقل بالسنة والفرض ، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض ، رأيت أن أشتغل به مدى عمري ، وأستفرغ فيه منتي ; بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا ، يتضمن نكتا من التفسير واللغات ، والإعراب والقراءات ; والرد على أهل الزيغ والضلالات ، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات ; جامعا بين معانيهما ، ومبينا ما أشكل منهما ; بأقاويل السلف ، ومن تبعهم من الخلف . وعملته تذكرة لنفسي، وذخيرة ليوم رمسي، وعملا صالحا بعد موتي[13].
تفسير سيد قطب: وهو كتاب تفسير بلغة رصينة وأدب فريد يحلق بك في سماء المعاني، لتستظل في ظلال الآيات، ينقلك من عالم المادة لتجوب عالم الروح، بلغته البليغة، فيقول رحمه الله تعالى: الحياة (في ظلال القرآن) نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه[14].
كتب مفردات القرآن
وهي كتب تسعى إلى الوقوف على المستشكل من المفردات وتصنف كلمات القرآن حسب المعاني والحقول الدلالية لجعلها سهلة الفهم وقريبة من الأذهان.
مفردات القرآن للراغب الاصبهاني: وهو كتاب مرتب ترتيبا ألفبائيا لمفردات القرآن الكريم، مبتدئ بـالأب: “الوالد، ويسمى كل من كان سببا في إيجاد شيء أو صلاحه أو ظهوره أبا”[15].
كتب أدب القرآن
وهي كتب تعتمد البحث عن الصور البيانية والبلاغية في القرآن الكريم؛ يقول سيد قطب في مقدمة كتابه “التصوير الفني في القرآن الكريم”: لقد كان القرآن جميلا في نفسي، نعم، ولكن جماله كان أجزاء وتفاريق. أما اليوم فهو عندي جملة واحدة، تقوم على قاعدة خاصة فيها من التناسق العجيب)[16]، ومنها كتب قصص القرآن وهي كتب تحكي قصص القرآن، وتبين العبر منها بأسلوب سلس جذاب، وقد استخدم القرآن-في أغراضه الدينية البحتة-كل أنواع القصة: القصة التاريخية الواقعية المقصودة بأماكنها وأشخاصها وحوادثها. والقصة الواقعية التي تعرض نموذجا لحالة بشرية، فيستوي أن تكون بأشخاصها الواقعيين أو بأي شخص يتمثل فيه ذلك النموذج. والقصة المضروبة للتمثيل، والتي لا تمثل واقعة بذاتها، ولكنها يمكن أن تقع في أي لحظة وأي عصر من العصور”[17].
كتب الإعجاز القرآني
وهي كتب تبحث عن مختلف أنواع الإعجاز في القرآن الكريم، والقرآن الكريم معجز من وجوه متعددة من حيث فصاحته وبلاغته ونظمه وتراكيبه وأساليبه[18]…”بالإضافة إلى أنواع جديدة من الإعجاز ظهرت مع تطور العلوم وهو الأمر الذي لا ينبغي أن نسايره بأن نقول بأن القرآن تحدث عن كذا وكذا وقد سبقنا الأمم في اكتشاف الخلية أو معرفة كروية الأرض… يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: القرآن كلام الله عز وجل تقمص لسانا بشريا. فإعجازه ذاتي، إعجازه من مصدره الإلهي، إعجازه من كون الفطرة البشرية عرفت فيه سطوة الألوهية وتعرفها، ما عدا من طبع الله على قلوبهم فأصمهم وأعمى أبصارهم”[19].
وفي الختام
وبذلك نعيش مع القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم لننال أجر “لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف”، ومع قصصه نستخرج منها العبرة لنحيى في صف المستضعفين من أمثال موسى عليه السلام وقومه ضد المستكبرين أمثال فرعون… إلى إشارة لطيفة تسدد السلوك وتقومه وتضعه على الجادة، إلى معنى مجازي لنقف عند اللغة العربية ومعانيها، إلى إعجاز يشد الأذهان، وبذلك نتعلق بالحبل المتين، الذي من تشبث به نجا ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.
[1] الزمخشري، أساس البلاغة.
[2] ابن منظور، لسان العرب.
[3] سالم عدنان، القراءة أولا.
[4] تاريخ القراءة، ص: 23.
[5] المرجع نفسه، ص: 32.
[6] المرجع نفسه، ص: 268.
[7] تاريخ بغداد (8/ 471، رقم: 4585).
[8] وفيات الأعيان (4/ 32، رقم: 563).
[9] المازني، كتاب سبيل الحياة. ص63.
[10] سالم عدنان، القراءة أولا.
[11] سورة البقرة، الآية 185.
[12] تفسير ابن كثير ،ج 1 ص5.
[13] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 1 ص 23.
[14] سيد قطب، في ظلال القرآن، ص 10.
[15] الراغب الاصبهاني، مفردات القرآن الكريم.
[16] سيد قطب، التصوير الفني في القرآن الكريم، دار الشروق، ص: 10.
[17] محمد قطب، منهج الفن الإسلامي، ص 157.
[18] محمد حسين سلامة، الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، دار الافاق العربية، ص: 1.
[19] عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية.