الحيض والنفاس والجنابة، المعاصي، الأعذار المبيحة للفطر (2) فقهيات رمضـــــــــان
د. محمد جعواني
الحيض والنفاس والجنابة، المعاصي، الأعذار المبيحة للفطر (2) فقهيات رمضـــــــــان
د. محمد جعواني
النية – السحور – الإفطار خطأ أو سهوا أو عمدا (1) فقهيات رمضـــــــــان
1- الصيام ودم الحيض والجنابة: حكم تناول الأدوية لمنع الحيض؟ وما حكم من طهرت قبيل الفجر؟ أو من حاضت نهارا؟ وما حُكْم صيام من أصبح على جنابة؟ ومن تعذر عليه الغسل؟
الحيض: دم طبيعيٌّ، يُرخِيه رَحِم البالغة، في أوقات معينة. أقله دفقة واحدة، وأكثره خمسة عشر يوما.
النفاس: دم يُرخِيه الرَّحم بسبب الولادة، معها، أو بعدها. لا حدّ لأقلّه، وأكثره شهران (مرجعه العرف)
ومعلوم أن من شروط وجوب وصحة الصوم الطهارة والنقاء من دمي الحيض والنفاس، فالمرأة الحائض أو النفساء لا يجب عليها الصوم ولا يصح منها، ويجب عليها قضاء أيام فطرها بعد انقضاء رمضان. لقوله صلى الله عليه وسلم: “أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم”. [رواه البخاري].
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. [متفق عليه].
فمن طهرت قبل الفجر وجب عليها نية الصيام ولو لم تغتسل، طبعا يجب عليها الاغتسال للحفاظ على صلاة الصبح في وقتها. والطهر له علامتان: الجفوف أو القصة (ماء أبيض كالجير) وهي أبلغ.
وإذا شكت في الطهر هل كان قبل الفجر أم بعده فعليها نية الصوم وصيام يومها ثم تقضيه احتياطا.
أما من حاضت في نهار رمضان في أي جزء منه ولو قبيل الغروب بلحظات فقد فسد صومها، وعليها قضاء ذلك اليوم.
تناول الأدوية لمنع الحيض: تناول المرأة الأدوية لمنع الحيض لا مانع منه من حيث المبدأ إذا لم يلحق بها الضرر، لكن الواقع أن هذه الأدوية لها آثار سلبية على انتظام عادة المرأة، وقد تسبب لها اضطرابا هرمونيا أو ما شابه، وعليه فالأولى أن تترك المرأة الأمور تسير وفق الطبيعة التي قدرها الله عز وجل على بنات حواء، فتفطر أيام حيضها وتصوم أيام طهرها، وينبغي أن تعلم أن الله الحيض حجامة طبيعية شهرية، وأن الله سبحانه لا يكلفها فوق طاقتها ولن يحرمها بسبب فطرها للحيض، وأنه سيثيبها ثوابا كاملا وتنال من بركات شهر الصيام وأسراره حظا وافرا.
تكرر نزول الحيض: معلوم أن المعتادة التي لها عادة منتظمة إذا استمر بها الحيض أكثر من عادتها، فإذا استطاعت تمييزه (اللون والرائحة والسُّمك) عن الاستحاضة فيكون حسنا وتعمل بما استيقنته. وإذا عجزت عن التمييز فتستظهر بثلاثة أيام (عادتها زائد ثلاثة أيام) ثم تصير مستحاضة.
وإذا تقطعت أيام حيضتها تلفق بينها (المُلَفِّقَة) وتلغي ما بينها من طهر إلى أن تستوفي عادتها، فإن استمر تستظهر بثلاثة أيام ثم تصير مستحاضة إن تمادى بها الدم.
والأصل في إلغاء الدم الزائد وعدم اعتباره قاعدة “إذا تجاوز الشيء حدَّه تجاوز الشرع حُكمَه”، كالحال في سلس البول والريح وما شابه ذلك.
الإصباح على الجنابة، والاحتلام نهارا: يجوز للصائم الإصباح على الجنابة من جماع أو احتلام، لأن الشارع أباح المعاشرة في جميع أجزاء الليل “أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم”[البقرة، 187] لكن يطلب من المؤمن المسارعة إلى الاغتسال للمحافظة على صلاة الصبح، فإن كان له عذر يمنعه من الاغتسال فليتمم إلى أن يزول عذره ثم يغتسل.
وأما الاحتلام نهارا فلا يفسد الصوم، والذي يفسده هو تعمد إنزال المني أو المذي بلذة.
4- الصيام وفعل المعاصي: حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان بل ربما صام ولم يصل؟ وهل ترك الحجاب يفسد الصوم؟ وحكم ارتكاب بعض الآثام زمن الصيام؟
إن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، والمؤمن الحق هو الذي يتقي ربه حق التقوى في كل الأحوال، في السراء والضراء، في السر والعلانية، فيحرص على إتيان الأوامر واجتناب النواهي.
وإذا وفقه الله لطاعة وقربة يحافظ عليها من الإحباط. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ” [محمد،33]ولا معنى للتفريق بين العبادات، والانتقاء منها والتخير إلا الهوى واتباع النفس الأمارة بالسوء. فترى شخصا يحرص على عبادة الصيام ويضيع عبادة الصلاة، أو يحرص على الصلاة ويزهد في الزكاة…” أفتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”[البقرة،85] وجاءت الشريعة لإخراج الإنسان عن داعية الهوى ليكونوا عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا، كما يقول الإمام الشاطبي.
“قد جاءكم المطهر” شهر مغفرة الذنوب والزلات، شهر تحصيل التقوى” لعلكم تتقون”، مدرسة تهذيب النفوس وتزكيتها، وتعويدها فضيلة الإرادة والعزيمة ومخالفة شهوات النفس وغرائزها، ومراقبة الباري سبحانه في الخلوات والجلوات، وغير ذلك من المكرمات التي تسنح في هذا الشهر الفضيل.
ومن ثم فإن الإصرار على المعصية زمن الصوم تناقض مرفوض، وعلامة تيه وحرمان. وكم من صائم لم ينل من صومه إلا الجوع والعطش، ولم يحصل من القيام إلا السهر والنصب.
قال صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” [رواه البخاري] وقال عليه الصلاة والسلام: “رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر”[رواه النسائي وابن خزيمة في الصحيح والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري] وقد ذهب بعض فقهاء الصحابة والتابعين والظاهرية إلى أن الصوم يبطل بالمعصية، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المعصية تنقص من أجر الصائم ولا تبطل الصوم.
وعليه نهمس في أذن الصائم أن هلمّ إلى توبة نصوح في هذا الشهر الفضيل، صلحا مع الغفور الرحيم، وإقلاعا عن الغفلة والعصيان، واجعل من هذا الزمن المبارك انطلاقة في طريق الرشاد والهدى، وبداية في بناء تدين سليم إسلاما وإيمانا وإحسانا، ترقيا في الدرجات والمقامات، وسلوكا مع السالكين، صحبة وخُلّة، محبة وكينونة مع الأهل الصدق والوفا “اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”[التوبة،119]، “من ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله”، و”المرء مع من أحب” و”المرء على دين خليله”.
قال تعالى: ” وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا” [الفرقان، 27-29] وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح
واشغل أوقاتك في ما ينفع من ذكر أو مذاكرة، ولا تضعها في “القيل والقال” واللهو والتيهان، واحفظ قلبك وجوارحك مما يغضب الرحمن ويبعد عن نيل الرضوان.
5-الأعذار المبيحة للإفطار: ما هي الأعذار المبيحة للإفطار شرعا؟ وهل يباح الإفطار في رمضان بداعي الامتحانات أو المشاركة في الإقصائيات الرياضية أو بحجة العمل؟ وماذا يباح وماذا يترتب عند الإفطار لعذر شرعي؟
معلوم مقرر أن الله لا يكلف نفسا إلا “وسعها” ولا يكلفها إلا “ما آتاها”، وأن “الحرج مرفوع”، وأن “المشقة تجلب التيسير”، و”أن الأمر إذا ضاق اتسع”…وعليه فيجوز لأصحاب الأعذار أن يفطروا ولا حرج عليهم، والأعذار الشرعية كالتالي:
– المرض: بإجماع العلماء، لقوله تعالى: “فمَنْ شَهِدَ مِنكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”[البقرة،185]، فمن أمره طبيب مسلم بوجوب الإفطار فقد وجب عليه الإفطار ويأثم إن صام، ويتحمل الضرر إن وقع له. وإن كان المرض يرجى شفاؤه فينتظر المريض إلى أن يشفى بإذن الله ويقضي الأيام التي أفطرها. وإن كان المرض مزمنا فلا قضاء عليه، ويستحب له إخراج فدية (إطعام مسكين) عن كل يوم.
– السفر: لقوله تعالى: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”[البقرة،184] ويشترط فيه أن يكون مما تُقْصَر الصلاة فيه (أزيد من ثمانين كيلومتر)، ولا ينوي صاحبه الإقامة.
وزاد المالكية أن يشرع في السفر قبل الفجر. والمسافر مطالب بقضاء ما أفطره.
– فقد العقل: والعقل مناط التكليف، فإذا غاب العقل ارتفع التكليف. قال صلى الله عليه وسلم: “رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل” رواه أبو داود. وكما قال ابن عاشر رحمه الله:
وكل تكليف بشرط العقل مع البـــــــلوغ بدم أو حمـــــــــــــل
وفقد العقل يكون لمرض (الزهايمر)، أو جنون، أو إغماء، أو سكر (بحلال)، ولفاقد العقل أحكام:
فمن فقد عقله زمن النية (قبل الفجر) ثم أفاق بعد الفجر فلا صيام له، وعليه القضاء. ومن نوى الصيام وصام ثم فقد عقله بعد الفجر، فإن استمر فقده للعقل أقل من نصف اليوم فلا قضاء عليه، وإن استمر أكثر من ذلك يقضي يومه.
– الحمل والرضاعة: اتفق الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ لَهُمَا أَنْ تُفْطِرَا فِي رَمَضَانَ، بِشَرْطِ أَنْ تَخَافَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ عَلَى وَلَدِهِمَا الْمَرَضَ أَوْ زِيَادَتَهُ، أَوْ الضَّرَرَ أَوْ الْهَلَاكَ. فهما من مشمولات “المرض” بجامع “الضرر”. وتقضي الحامل والمرضع أيام فطرهما وتزيد المرضع مع القضاء فدية عن كل يوم.
– الحيض والنفاس: فالحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم ولا يصح منهما، وتقضيان أيام فطرهما.
– الشَّيْخُوخَةُ وَالْهَرَمُ: لقوله تعالى: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مساكِينٍ”[البقرة، 184] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِين”. [صحيح البخاري] فالشَّيْخُ الكبير الهرم، والْعَجُوزُ الْمُسِنَّةُ إذا لم يستطيعا الصيام أو استطاعا الصوم بمشقة وعنت كبيرين يجوز لهما الفطر ويستحب لهما إخراج فدية عن كل يوم.
– الاضطرار: لقوله تعالى: “وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ”[النساء:29]. ولقوله تعالى: “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا”[البقرة:286] فمَنْ أَرْهَقَهُ جُوعٌ مُفْرِطٌ، أَوْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، أو عمل شاق جاز له أن يُفْطِرُ ويأكل بقدر ما تندفع به ضرورته ويمسك بقية اليوم وَيَقْضِيه، ولا يفطر ابتداء، بل يصوم وإذا اضطر يفطر.
ومثله الْغَازِي (المجاهد) يَخَافُ الضَّعْفَ عَنْ الْقِتَالِ بِالصَّوْمِ وَلَيْسَ مُسَافِرًا فلَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ الْحَرْبِ، ويقضي يومه. وأيضا من تعين في حقه إنقاذ مشرف على الهلاك، واضطر إلى الفطر، فيفطر ويقضي.
– الإكراه: وهو حَمْلُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِ أَوْ تَرْكِ مَا لا يَرْضَاهُ بِالْوَعِيدِ والتهديد.
ومن أفطر لعذر شرعي جاز له إتمام فطره وفعل ما يبيحه الفطر ولو زال عذره، كالمريض يُشفى، والحائض تطهر…
ولا يجوز الفطر لأجل الامتحانات أو المباريات لأن المشقة فيها معتادة ولا تعتبر من مبيحات الفطر. وعلى الجهات المعنية مراعاة ظرف الصيام وبرمجة تلك الامتحانات والمباريات في أوقات مناسبة.