النية – السحور – الإفطار خطأ أو سهوا أو عمدا (1) فقهيات رمضـــــــــان
د. محمد جعواني
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذه إجابات عن أهم الأسئلة التي تثار في شهر رمضان المبارك.
1- النية: ما المقصود بالنية؟ وما حكمها؟ وماذا ينوي الصائم؟ ومتى؟
تعريفها: النية لغة هي العزم والقصد والإرادة. واصطلاحا: انبعاث القلب وتوجهه نحو ما يرى فيه جلب نفع أو دفع ضر في الحال أو المآل.
ودليل النية قول الله تعالى: “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء”[البينة،5] وقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” [رواه البخاري]
حكمها: النية شرط لصحة العمل وقبوله. والنية يراد بها أمران: الأول: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، وهذا ما يُعنى به فقه الأحكام، والثاني: تمييز المراد والمعبود، بتحقيق الإخلاص وإرادة وجه الله تعالى بالعبادة، وهذا يعنى به فقه السلوك. ولا غنى للمؤمن عن الفقهين معا.
نية الصائم ووقتها: “القصد الأصلي” في كل العبادات هو تحقيق الامتثال والطاعة لله تعالى، وعليه ينوي الصائم بصيامه امتثال أمر الله سبحانه “كتب عليكم الصيام” والاستجابة له، ولا يضر أن يستحضر الصائم “القصد التبعي” من تخلٍّ عن الرذائل وتحلٍّ بالفضائل، وتعالج وتطبيب للبدن، واقتصاد وتقلل في المعيشة…ونحو ذلك.
والنية محلها القلب، وتكفي نية واحدة في أول ليلة من الشهر، لأن رمضان من الواجب المضيق (ما حدد له الشرع وقتا لا يسع غيره)، ويستحب تجديدها كل ليلة. ومن أفطر لعذر وجب عليه تجديد النية لما بقي من أيام.
والأصل في النية أن تكون مقارنة لبداية العبادة، لكن رُخِّص في الصيام إيقاع النية قبل بداية الصيام، فمحلها من بعد الغروب إلى قبيل الفجر.
2- السحور: ما هو السحور؟ وما حكمه وفضله؟ وما هو وقته.
تعريفه: السُّحُور-بضَمِّ السِّينِ- المصدَرُ والفِعلُ نَفسُه، أي: أكلُ طَعامِ السَّحَرِ. والسَّحورُ -بِفَتحِ السِّينِ- اسمُ ما يُتَسَحَّرُ به من طعام وشراب.
حكمه وفضله:
هو سنة مرغب فيها، ويحصل ولو بشربة ماء. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً “السَّحور بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم ماء”[رواه أحمد]. ومن فضائله:
تحصيل البركة: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “تسحّروا فإن في السَّحور بركة”[متفق عليه] وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، حيث قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السَّحور في رمضان، فقال:”هلمّ إلى الغداء المبارك”[رواه أبو داود والنسائي].
تقوية الصائم وإعانته على التحمل: فهو آخر ما يتناوله الصائم قبيل الفجر، ويمنحه طاقة وقوة.
مخالفة أهل الكتاب: عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلَة السَّحَر”[رواه مسلم]
اغتنام وقت مبارك: فالسحر وقت مشهود، وهو زمن التجلي والعطاء، والقيام والإخبات، ووقت الاستغفار والدعاء، وشهود صلاة الصبح.
وقته: يبدأ من منتصف الليل الآخر إلى طلوع الفجر الصادق. ومن السنة تأخير السحور، قال تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر”[البقرة:187] وعن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: تَسَحَّرْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة: قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان وَالسَّحُورِ؟ قال: قدر خمسين آية. وهذا الحديث هو “واقعة عين” فيها إخبار بما وقع تلك الليلة، ولا يؤخذ منها توقيت الإمساك الواجب، لأن الشرع حدد زمن الصيام من “طلوع الفجر” إلى “غروب الشمس” وهما زمنان معروفان بدقة في واقعنا، ولذلك مبرر الاحتياط لم يعد وجيها.
ومع ذلك يستحب التوقف عن الأكل والشرب قبيل الأذان لتطهير الفم والاستغفار والاستعداد لصلاة الصبح، وعند سماع الأذان يجب الإمساك فورا.
أما الأكل والشرب بعد الأذان بدعوى عدم حلول “الفجر الصادق” فذلك جراءة قبيحة واعتداء على حرمات الشرع.
3- الإفطار في رمضان: ما حكم من أفطر في رمضان خطأ أو سهوا أو عمدا؟
الأصل في المؤمن الاحتياط للعبادة، وأداؤها على أكمل وجه وأتم صورة…ومن ذلك الصيام.
لكن وقوع الخطأ والسهو من الصائم وارد، فذلك من عوارض البشرية. وما سمي الإنسان إنسانا إلا لكثرة نسيانه، كما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما: “إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إليه فنسي”. وهو يشير إلى قوله تعالى: ” ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما”[طه، 115]
وقد ميّز الفقهاء بين الخطأ والسهو في التعريف، وفي ما يترتب عن كل منهما من أحكام.
تعريف الخطأ: الخطأ هو الغلَط، وهو مجانبة الصواب، ومعناه: أن يرتكب الإنسان ما يلام عليه من غير قصد، حيث كان يقصد بفعله شيئاً فوقع فعلُه على غير ما قصده.
صوره: من صور الخطأ الإفطار قبل الغروب ظنا وقوعه، أو الإفطار لخطأ المؤذن وتأذينه قبل الوقت، أو التسحر بعد طلوع الفجر ظنا عدم طلوعه…
حكمه: قال الجمهور على المخطئ الإتمام مع القضاء ولا إثم عليه. وقال ابن حزم قال بصحة صومه ولم ير قضاء عليه، ورجحه د. القرضاوي وابن عثيمين رحم الله الجميع.
تعريف النسيان: النسيان والسهو ضد الذكر والحضور، ومعناه ذهول القلب وغفلته عن شيء معلوم.” واذكر ربك إذا نسيت”[الكهف، 24]
صوره: الأكل أو الشرب سهوا، خصوصا من المرأة في المطبخ أو في بداية الصيام.
حكمه: قال الجمهور يتم الناسي صومه ولا إثم عليه ولا قضاء في جميع أنواع الصيام. واستدلوا بما يلي:
قال الله تعالى “ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا”[البقرة، 286] وقال الله في جوابها: قد فعلت. [رواه مسلم.] وقوله تعالى: “وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما”[الأحزاب، 5] وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه”[حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: “من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه” [متفق عليه].
وقال المالكية: يتم صومه وعليه القضاء. (وبعضهم ميز بين الفرض والتطوع) واستدلوا بأن ركن وحقيقته التي هي الإمساك قد انتفت وزالت بالفطر، والضدان لا يجتمعان. ولأن السهو يرفع الإثم ولا يرفع الحكم، كمن صلى بغير وضوء نسيانا يعيد أبدا…
لكن ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة ” [رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. صححه الحاكم وابن حجر] وصحح الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “الله أطعمك وسقاك، ولا قضاء عليك”. وقال ابن العربي وأبو العباس القرطبي -وهما مالكيان- إذا صحت هذه الزيادة تكون نصا في محل النزاع ويجب القول بها. [المسالك لابن العربي 4/223 المفهم للقرطبي110/8]
الإفطار عمدا: المفطر عمدا في رمضان إذا كان غير مستحل للفطر، فحكمه القضاء والكفارة وهي صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، أو عتق رقبة. (واحدة من الثلاث على التخيير). وهذا الحكم في من أفطر بالجماع باتفاق. ومن أفطر بغير الجماع فعليه التوبة مع القضاء فقط عند الجمهور بخلاف المالكية الذين أوجبوا عليه الكفارة مع القضاء. (شروط الكفارة: تعمد انتهاك حرمة رمضان، التأول البعيد، عدم الجهل بحرمة الفعل، عدم النسيان، عدم الإكراه).
وأما المفطر عمدا مع الاستحلال فقد ارتكب جرما عظيما، وأنكر معلوما من الدين بالضرورة.
وبقي العمد في غير الفريضة، ففيه القضاء عند المالكية والحنفية، ولا شيء فيه عند الشافعية والحنابلة.