شهر رمضان و الليلة المباركة
شهر رمضان و الليلة المباركة/ زهير شمشوب
شهر رمضان و الليلة المباركة
زهير شمشوب
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على المصطفى الامين و على آله و صحبه أجمعين، آمين.
من فضل ربنا بنا تعالى توسيعه في حقنا فرص التوبة و الانابة و تخصيصه، رأفة بنا، محطات للتوبة و الرجوع إليه جل و علا، على طول النهار و على مدار الاسبوع و الشهر و السنة، و شهر رمضان أحد أعظم هذه المحطات إذ تغفر فيه الذنوب المتقدمة فيمحها، عن أبي هرير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) حديث متفق عليه، و هو فرصة كبرى استأثر الله بتقدير أجرها و جزاءها دونا عن سائر أعمال العباد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوف فإنه لي و أنا أجزي به) متفق عليه.
و قد خص هذا الشهر بالفضائل دونا عن باقي الشهور، و لعل أكبرها و أعظمها نزول القرآن فيه إلى بيت العزة في السماء الدنيا قال تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان” سور البقرى آية 185، و قضى ربنا أن يكون ذلك في ليلة مباركة سماه الباري جل و علا بـ “ليلة القدر” قال تعالى: “إنا أنزلناه في ليلة القدر” سور القدر آية 1 و هي ليلة شهد سبحانه و تعالى أنها مباركة خير من ألف شهر، خصها بتنزل المائكة و الروح فيها لمهمة أساسها الرحمة بالعباد.
للإمام عبد القادر الجيلاني في كتاب الغنية قولا حكيما في تفسير قوله تعالى: (تنزل الملائكة و الروح فيها) إذ يقول: و الروح جبريل عليه السلام و معه سبعون ألف ملك و هو أمير عليهم يتجدنون في ليلتهم تلك للسلام، فيسلم جبريل على من كان قاعدا، والملائكة تسلم على من كان نائما، و الباري سبحانه و تعالى يسلم على عباده من كان قائما كما جاز أن يسلم الله عز و جل على عباده المومنين من أهل الجنة في الجنة يقول“سلام قولا من رب رحيم” سورة ياسين 58، فجاز أن يسلم على عباده الابرار في الدنيا الذين سبقت لهم منه الحسنى و العناية و السعادة في الأزل، الفانين في الخلف الباقين بالرب المطمئنين إلى الحق فلا يبقى في ليلة القدر بقعة إلا و عليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمومنين و المومنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة أو بيت نار أو بيت وثن أو بعض أماكنهم التي يطرحون فيها الخبث، فلا يزالون يدعون ليلتهم تلك للمومنين و المومنات.
و أما جبريل عليه السلام فلا يدع أحدا من المومنين و المومنات إلا يسلم عليه و يصافحه و يقول: “إن كنت في الطاعة فسلام عليك بالقبول و الإحسان و إن كنت في المعصية فسلام عليك بالغفران، و إن كنت في النوم فسلام عليك بالرضوان و إن كنت في القبر فسلام عليك بالروح و الريحان، فهو قوله عز و جل (من كل أمر سلام) و قيل: إن الملائكة تسلم على أهل الطاعات و لا تسلم على أهل العصيان، فمنهم الظلمة ليس لهم نصيب من سلام الملائكة، و آكل الحرام و قاطع الرحم و النمام و آكل أموال اليتامى، فهؤلاء ليس لهم نصيب في سلام الملائكة.
فأي مصيبة أعظم من هذه المصيبة؟ يمضي شهر أوله رحمة و أوسطه مغفرة و آخره عنق من النار، و لا يكون لنا حظ في سلام ملائكة رب العصاة و الأبرار، فشهر رمضان شهر الصفا و شهر الوفا و شهر الذاكرين و شهر الصابرين و شهر الصادقين، نسأل الله أن يؤثر في إصلاح قلوبنا حتى نكون ممن تناله الرحمة و الرأفة، فكم من صائم لا يصوم بعده أبدا، و كم من قائم لا يقوم بعده أبدا.
و صل اللهم و سلم على سيدنا محمد و على آله وصحبه و الحمد لله رب العاليمن.