رمضان والطهر القلبي
رمضان والطهر القلبي/ الدكتورة صوفية علوي مدغري
رمضان والطهر القلبي
بقلم: الدكتورة صوفية علوي مدغري
توطئة:
من أفضل نعم الواهب الكريم على عبده هو أن يمنّ عليه بقلب طاهر تقي نقي، هذا القلب السليم الصافي هو أسمى طريق لنيل المنزلة العظمى في جنة عدن بجوار من طهرت قلوبهم من الأنبياء والأتقياء والأصفياء من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله جل وعلا:” يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”[1].
فالأعمال لا تنفع مهما كثرت إلا إذا انبعثت من قلب سليم طاهر، لأن القلب مكمن الداء وموضع الدواء، فإن سلم وصحّ سيكون بمثابة مركز الاشعاع، والعنصر الحاسم في معادلة صلاح الفرد وانبعاث أمة بكاملها. وموسم الخيرات فرصة ثمينة للاعتناء بهذا القلب ومعاودة رأب صدعه، لذلك فعلاقة شهر رمضان بالقلب أنه بمثابة الآنية التي توضع فيها الأعمال، وهو منحة من الله عز وجل تستوجب الاقبال الكلي للنجاة والفوز والاستعداد الكامل لاستقبال شهر فاضل ومفضل، وذلك على مراحل ثلاث:
قبل رمضان
تمهيدا للدخول في عبادة جليلة هي ركن أساسي من أركان الدين كركن الصيام المعظم في شهر كامل دون نقص أو خلل لزم التأهب والتجهز مسبقا، فالأعمال قبل رمضان وخاصة الصيام هي بمنزلة السنن الرواتب قبل الفرائض كما رجح ابن رجب وغيره. فأعمال العباد تعرض في معرض سنوي قبل رمضان، علاوة على المعرض اليومي والمعرض الأسبوعي. فالكثير من الناس يعظم الشهر الكريم بحب وإجلال غافلا لما يسبقه في شهر شعبان كما قال رسول الله صلى الله عيه وسلم:” ذلك شهر يغفل عنه الناس”[2]، خاصة وأن العبادة في وقت الغفلة أكثر مشقة على النفوس.
ومحل نظر الله عز وجل هو قلوب عباده وأعمالهم، وليس جسومهم وأموالهم لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالك”[3]. فلا يقبل ولا يفضل إلا القلب الطاهر الصافي الموحد للواحد الأحد لا شريك معه، فلا مكان ولاوجود إلا للعظيم الجليل الذي لا كريم إلا هو ولا معطي إلا هو سبحانه.
هذا القلب الذي تعلق بالله عز وجل، وخلا من البشر والتعلق بهم، وارتبط ارتباطا عموديا بالله جلت قدرته صاحب المنن والأفضال المادية من مال ونفقة ولباس ومسكن، والمعنوية من صفاء وانشراحة وتفويض ورضا. لذلك لن يكون التعلق إلا به سبحانه، فلا يعبد أحد غيره، ولا يحمد أحد سواه، ولا يجل أحد دونه سبحانه.
قلب طاهر يمسح كلّ النكث التي تكدر صفوه، وتحول دون بياضه ونقائه؛ فلا يكره إلا لله، ولا يحب إلا لله. فالطهر القلبي قبل رمضان دعوة نورانية لمداواة القلوب من الشرك، ومسح أثر المعاصي والغفلة والاستهانة بمحاب الله ومراضيه عز وجل، ونبذ الركون إلى ما سواه عجبا وكبرا وتسخطا، وغضّ البصر عن أرزاق العباد دون التعلق بعاطيها وصاحبها جلت قدرته، فقد روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” إذا دخل شعبان فطهروا أنفسكم، وأحسنوا نيتكم فيه”[4].
إذن فالطهر القلبي يلزمه دربة ومران على الأعمال الفضيلة، وتربية على محاسن الأخلاق حتى لا نضيع أجر كل يوم ووقت ولحظة في رمضان إلا فيما يرضى الله عز وجل ” صلاح التيار القلبي الايماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المؤمنين، وصلاح القلوب يكون بالتربية، والتربية أصول وقواعد في كتاب الله وسنة رسوله”[5].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ألا وإن في القلب مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”[6]، فصلاح الأعمال مرتهنة بصلاح قلب العباد وليس هناك انفصال بين صلاح القلب وأعمال الظاهر، والقلب إذا صفا وطهر انتقل إلى جمع الفضائل؛ من علم نافع، وذكر متواصل، واستبصار لما خفي عن باقي الخلق فرحا بالهبات الربانية والعطايا النورانية قال ابن القيم: ” القلب في غفلة، فإذا انتبه شمّر وانتفض”[7].
في رمضان
وشهر رمضان فرصة عظيمة ينبغي اغتنامه أكثر من الشهور الأخرى، فإذا كان الشهر الفضيل ركن العبودية الواجبة على كل مسلم موحد، فأول منازل العبودية لله وحده هي:
اليقظة أولا: يقظة القلب واستفاقته من ركام الغفلات ومستنقع الشهوات، ينهض ويعزم الاقبال على مولاه عز وجل، فاليقظة كما ورد على لسان ابن القيم هي:” انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين”[8]، واليقظة توبة وإقلاع عن المعاصي التي تمرض القلوب وتصيبها بالضعف والوهن والقسوة.
ذكر الله ثانيها: فمن أجلّ ما يعين على طهارة القلب وصلاحه هو ذكر الله عز وجل بالاستغفار، والصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، والإكثار من الكلمة الطيبة ” لا إله إلا الله”. قال عز وجل:” إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم”[9].
قراءة القرآن الكريم وتدبره ثالثها: شفاء القلوب ونورانيتها يستدعي وردا يوميا للقرآن قال عز من قائل:” قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء”[10]، وختمه مرات ومرات كما دأب على ذلك السلف الصالح من أهل الله وخاصته، حيث كان الإمام الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، وكان الإمام مالك يترك أصحاب الحديث في شهر رمضان، يأتمرون بمأموره وينتهون عن المنهي عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، وميم حرف”[11].
البعد عن العجب رابعها: القلب الطاهر هو البعيد كل البعد عن العجب بنفسه، ففي رمضان ربما يزهو الانسان بنفسه لكثرة الطاعات؛ فيحصيها ويألف تعدادها، حتى يصاب بآفة العجب الذي هو من أسباب هلاك المرء ووهنه كما جاء عن حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم:” ثلاث مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه”[12].
صحبة الأخيار خامسها: الصحبة الصالحة تحملك وتحمل عنك، وتقيك شر نفسك وهواك، وتعينك على مداواة قلبك وبرئه، تغرف من مجالستهم وتتقوى بصحبتهم على الطاعة والاقبال على ذكره وشكره وحسن عبادته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”[13].
بعد رمضان
أما بعد انقضاء الشهر الفضيل فينبغي التركيز على أمور ثلاث، ليبقى القلب في طهر سنوي لا يشوبه عارض يضعفه وهي:
الادخار: فالثمار التي جنيت في الشهر الكريم لابد وأن تذخر لينتفع بها وتدوم سكينة المرء واطمئنان قلبه، لا يشغله شاغل سوى ذكر الله وطلب قربه ورضاه عز وجل.
العناية: فالمطلوب هو أن نحافظ ونعتني بما ألفناه ودربنا عليه في شهر رمضان المعظم مستحضرين نفحاته ونورانيته كلما انقض علينا هوس الدنيا وزخرفها الفاني.
الترصد: ترصد مواسم الخير وترقبه بعد رمضان؛ بدء من ليلة العيد، والست من شوال، والعشر من ذي الحجة وما يتبعها من مواسم فاضلات تجبر الكسر وتجب الخلل.
وفي الأخير فإن أصل الأعمال عمل القلوب أما الجوارح فهي نتاج لها، لذلك فإن العناية بها أولى وأسبق كما قال الإمام عبد السلام ياسين:” المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل”[14].
والحمد لله رب العالمين
[1] ـ سورة الشعراء، الآيتين: 88، 89.
[2] ـ روى أبو داود والنسائي وابن خزيمة من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شعر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.
[3] ـ رواه مسلم.
[4] ـ مكاشفة القلوب في معاملة حضرة علام الغيوب للإمام أبي حامد الغزالي، حقق أصوله وخرّج آياته وأحاديثه خادم السنة الشيخ يوسف الحاج أحمد، ص: 401.
[5] ـ الاحسان للإمام عبد السلام ياسين 1، ص: 24.
[6] ـ رواه البخاري وسلم.
[7] ـ مدارج السالكين لابن القيم الجوزية، هذبه عبد المنعم صالح العلي العربي. ط 1991م. ص: 24.
[8] ـ مدارج السالكين، ص: 101.
[9] ـ سورة الأنفال: الآيات: 2.3.4.
[10] ـ سورة فصلت، الآية: 44.
[11] ـ أخرجه الترمذي برقم: 2910.
[12] ـ رواه الطبراني في المعجم الوسيط عن عبد الله بن عمر برقم: 5754.
[13] ـ رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
[14] ـ الإحسان 1، ص: 24.