منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رمضان وتحرير القلب من الشاشة

الدكتور أحمد الزقاقي

0

رمضان وتحرير القلب من الشاشة
الدكتور أحمد الزقاقي

أمام انتشار ثقافة التفاهة والاهتمام بالأشكال والمظاهر أمور كثيرة تهدد صحة صيام المسلم ،لاسيما على شبكات التواصل الاجتماعي عندما تغيب الضوابط الأخلاقية رغم صيام الجوارح، فكيف يمكن تحويل الحضور الرقمي في رمضان إلى “صيامٍ مُعينٍ على التقوى” لا مُفسدٍ للأجر أو مُنقِصٍ له.
1. إن للأنترنت لاسيما شبكات التواصل الاجتماعي سلبيات وإيجابيات، ومزايا ورزايا، وإذا كانت آفاتها لا تُبطل الصوم في الأعم الأغلب، فإنها قد تُحبط الأجر أو تنقصه، ففي مجالسها الافتراضية تحضر الغيبة والنميمة والكذب والبهتان والسبّ، والتشفي والتشهير والتحقير والتنمر فضلا عن تضييع الواجبات والتكاسل عن أداء فرائض الصلوات في أوقاتها.
2. إن التعامل بضوابط مع الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي يرمي إلى اجتاب مفسدات الصيام وتحقيق التقوى وتحصيل النفع للنفس وللغير، من هنا يمكن الحديث عن “الصيام الرقمي” كالتزام تعبدي لضبط النظر والقول والمشاركة والوقت في الفضاء الرقمي على نحو يجعل منه “وسيلة” لا “موطن إقامة” .
3. من مشمولات الصيام الرقمي صوم اللسان الرقمي بالابتعاد عن السب والشتم والسخرية والجدال العقيم وتتبع العورات وتسقط الأخطاء، ومن مشمولاته أيضا القيام بواجب الستر بعدم تداول زلات الناس ونشر الخصومات والتعيير بالذنوب والمعاصي.
4. أما صوم النظر فيقتضي لتقليل التشتت تنظيف وتنظيم “البيئة البصرية” وتنزيهها عما يشينها ويشوش الرؤية أو يثير الشهوة، أو يغذي الحقد، أو يدمن التفاهة، أو يحرّك المقارنات والاحتقار.
5. ولقد أبدع الدكتور طه عبد الرحمن أيما إبداع في تعديد آفات النظر غير المنضبط ضمن بيانه للتحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، فالنظر السائب يتنقل صاحبه بين أربع آفات هي: التفرج والتلصص والتجسس والتكشف.
6. التفرج: من خلال التوسط بالصور، إذا يجعل المتفرج الصور واسطة لتحديد علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم، ويلبس أشكال تعامله مع الآخرين لباس الصورة ناقلا إلى هذه الأشكال فيحب المظاهر ويحب الجاه، ويريد أن يتصل بصره بالصورة كما تتصل يده بما تتناوله، ويورث الإدمان على الصور سوء تأثير في القدرات الحسية والنفسية والفكرية للمتفرج، فيتلقف الصور ويتخلي عن الوعي النقدي ويكتفي بالتقبل الانفعالي العاطفي، ويصاب بالتبلد وعقم الخيال، ويتضرر المتفرج جسميا بتعطيل الحركة الضرورية للجوارح والأعضاء،وتتقلص استفادتة من إمكانات بصره في فسح المجال المتاح له.
7. التلصص: عندما بلتذ المتفرج بالنظر إلى الصورة يقع في التلصص، وهو إما تلصص جزئي عندما يشتهي المتفرج أن ينظر إلى الصور لا بشهوة النظر فحسب بل أيضا بشهوة الجنس أي بشهوة النظر المفضي إلى المتعة الجنسية، فيخرج المتفرج من وصف النظر إلى وصف المتلصص، والمتلصص هو المتفرج الذي يستغني عن شهوة الفرج بالنظر إلى الصور،أما التلصص الكلي فيفيد الدكتور طه أن المتفرج المتلصص بسبب الصور الإباحية لا يقف عند حاسة النظر لديه بل لا يلبث أن يلحق أيضا حواسه الأخرى فتجده يتسمع ويتلمس ويتشمم ويتذوق،
8. التجسس: وهي آفة نفسية تصيب الناظر المعاصر الذي يستخبر عن الأشياء المصورة مستمتعا بهذا الاستخبار، وهو إما أن يتجسس على غيره أو يتجسس على نفسه فيساق ليكون عدو نفسه فيقدم معلومات مجانية.
9. التكشف: إذا كان التفرج آفة نفسية تصيب الناظر فإن التكشف آفة نفسية تصيب المنظور إليه الذي يبدي كل شيء من خاص حياته جسميا كان أم نفسيا، كأنه يقول إذا نظر الآخرون إلي فإذا أنا موجود، فيتولد لدية طغيان في حب ذاته، لذلك يتعلق المتكشف بصورته.
10. وختاما: إن رمضان كما يمثل فرصة للترقي في مدراج الإيمان، والاتصاف بصفات عباد الرحمان، فهو أيضا فرصة للتعافي من الإدمان الرقمي الذي يلحق الأضرار الفادحة بالإرادة والجسد والذاكرة، ويقوي نوازع الأنانية، ويضعف حس الحياء، ويشوش على السكينة الداخلية، ويزاحم النيات التعبدية، ويذهب بالخشوع.
والنتيجة: لا صيام
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر”
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.