منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة المنبر؛ الحلقة الأخيرة

رسالة المنبر؛ الحلقة الأخيرة/ د. محمد سعيد بكر

0

رسالة المنبر / الحلقة الأخيرة

د. محمد سعيد بكر

 

في مجرد معرفة تفاصيل الحلقة الأخيرة لأي حكاية أو مسلسل أو رواية ما يبعث الطمأنينة والسكينة في النفس .. فكيف بمن يكرمه الله بطول العمر فيشاهد تلك الحلقة بعينيه.

إننا على موعد قريب مع الحلقة الأخيرة من حكاية الحياة التي نعيش .. فبعثة النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة .. قال صلى الله عليه وسلم: “بُعثت أنا والساعة كهاتين” متفق عليه .. والأمر وشيك وأعجل مما نؤمل .. والله المستعان.

يثق المؤمنون بوعد الله ووعيده فيستشرفون الحلقة الأخيرة .. والنهاية الحتمية للخير والشر وللحق والباطل .. كيف لا وهم يقرأون قول الله تعالى:

  • “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا” (النور: 55).
  • ” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ” (الأنفال: 36).

إننا لا ندري كيف لعاقل أن يرتاح وتسكن نفسه إن مارس العدوان والاستبداد، أو النفاق والمداهنة، أو الكذب والغش، أو المعصية والفجور .. وهو يعلم أن الحلقة الأخيرة لذلك كله تحكي المذلة والهوان والخسران والدمار في الدنيا والآخرة؟! .. قال تعالى في بيان الحلقة الأخيرة للمعرضين عن ذكره فضلاً عن المتجاوزين لحدودهم: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ” (طه؛ 124).

إن الأمل بالحلقة الأخير ذات المشاهد الجميلة هو الذي يحدو العقلاء ليبذلوا جهوداً مضنية فيصبرون ويصابرون ويرابطون على ثغور القيم النبيلة .. كيف لا وهم يلمسون بركة النعمة ويعلمون عن تمام النعيم لكل مخلص صادق يخالف هواه ابتغاء مرضاة الله، قال تعالى: “كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ” (الحاقة: 24).

يزين أهل الباطل لاتباعهم أنهم سيمنحونهم السعادة والأمن .. فيركن أصحاب النفوس الضعيفة لمثل تلك الوعود المعسولة .. إذ بالحلقة الأخيرة تكشف عن تخلي هؤلاء الكبراء عن أتابعهم .. قال تعالى:” وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ” (إبراهيم: 21).

إن تدبرنا لأحداث الحلقة الأخيرة ومآلات الأمور لكل سلوك نسلكه أكبر معين على الاستقامة .. فلا ظلم ولا قهر ولا غفلة .. وحتى لو ضعفت نفوسنا فإننا لا نلبث إلا ونستدرك ونتوب قبل فوات الأوان .. وإلا فإنه لن ينفعك ندمك إذا زلت قدمك.

إنني أدعو العقلاء من الأمراء والعلماء والمسؤولين وعموم النخب والمؤثرين إلى تصور الحلقة الأخيرة واستقراء المستقبل لأمة ضيعت مكانتها ولوطن استشرى فيه ما يأتي من عناوين الشؤم .. فالمكتوب يُقرأ من عنوانه .. ومن عناوين ومعالم الشؤم وأسباب النهايات الحزينة والمقلقة في بلادنا ما يأتي:

  • تحييد الشريعة الإسلامية والاحتكام للأهواء.
  • تحييد الأقوياء الأمناء واستعمال مسلوبي الإرادة ومهزوزي الإدارة.
  • استيراد البرامج والمناهج والأنظمة واللوائح الفاسدة.
  • منح التراخيص لبنوك الربا والملاهي الليلية والخمارات والمواقع الإباحية.
  • كبت المنابر وخنق الدعاة ومحاسبة المصلحين.
  • مد الأيادي للأعداء والتطبيع مع الغاصبين.
  • استهداف هوية الأمة، ومسخ فطرة الأجيال، وتفكيك الأسرة، وإضعاف نقاط القوة الباقية.
  • التضييق على أبواب الرزق الحلال وخنق الاستثمار .. وفتح أبواب الرزق الحرام والمشبوه.

فهل يُتصور لوطن هذه حالة أن تكون الحلقة الأخيرة فيه طيبة مباركة أو سعيدة مطمئنة آمنة؟! .. والله تعالى يقول: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ” (إبراهيم: 28) .. نعوذ بالله من الخذلان.

لقد أخبرنا الله تعالى وحكى لنا رسوله صلى الله عليه وسلم عن الحلقة الأخيرة لأعداء الله اليهود .. ومع ذلك فإنك تجد من أبناء جلدتنا من يتمسك بهم ويلهث لإرضائهم ولن يرضوا!! .. ومن ذلك قوله تعالى:” .. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” (الإسراء: 7) .. وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ ، فيقتلُهم المسلمون ، حتى يختبيءَ اليهوديُّ من وراءِ الحجرِ و الشجرِ ، فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ : يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ هذا يهوديٌّ خلفي ، فتعالَ فاقْتلْه . إلا الغَرْقَدَ ، فإنه من شجرِ اليهود” رواه البخاري .. فأي غباء يغشى هؤلاء وهم يعلمون نتيجة حلفائهم وأسيادهم ثم يصرون على المسارعة فيهم واحتضانهم؟!.

إن تعايشنا مع قصص أنبياء الله لحظة بلحظة دون سابق علمنا بالحلقة الأخيرة لكل نبي مع قومه ليشعرنا بالضيق والأسى على حال أقوام جاءهم أشرف الناس مذكرين مشفقين فما كان منهم إلا الصد والرد .. حتى إذا اكتمل المشهد بتوبة من تاب وهلاك المعتدين سكنت نفوسنا واطمأنت وهي ترى الحلقة الأخيرة وما فيها من مشاهد عظمة الله وقدرته ولطفه ورحمته .. وصدق الله: “فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (العنكبوت: 40).

إننا باستقرائنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد في كل مرة حلقات صعبة وثقيلة ومعقدة .. ولكن معية الله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم وأخذ الحبيب بالأسباب المتاحة مع صبر وثبات الأصحاب الكرام من حوله كل ذلك جعل الحلقات الأخيرة جميلة ومباركة .. ومن ذلك:

  • كانت الحلقة الأخيرة لمشاهد ملاحقة قريش للمسلمين في مكة تأسيس نواة ومركز للدعوة في الحبشة وبناء دولة للمسلمين في المدينة.
  • كانت الحلقة الأخيرة لأتعاب الهجرة الى المدينة العودة المظفرة إلى مكة بعد فتحها سلماً.
  • كانت الحلقة الأخيرة للدماء التي سألت في الغزوات والسرايا نصر وغنيمة أو شهادة ونعيم مقيم.
  • لخصت سورة النصر الحلقة الأخيرة للبعثة النبوية وما نتج عنها من فتح للبلاد وقلوب العباد .. قال تعالى: “إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣).
  • إننا أحوج ما نكون إلى إعادة عنصر التشويق والتفاعل العميق عند قراءتنا لتاريخنا وسيرة حبيب قلوبنا صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك إلا بتتبع حلقاتها وكأننا لا نعرف الحلقة الأخيرة منها .. بل ونتخيل أنفسنا من بين أولئك الكرام الذين بايعوه في دار الأرقم أو بايعوه بيعة العقبة أو بايعوه بيعة الرضوان أو شهدوا لذة ومتعة الحلقة الأخيرة معه في حجة الوداع.

إن في مشهد وفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم ما يحكي الحلقة الأخيرة من بعثته لاسيما وقد انقطع الوحي من السماء .. لكن هذا المشهد لا يحكي الحلقة الأخيرة من رسالته؛ فقد حمل الراية عدول ثقات جمعوا الأمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفتحوا المشرق والمغرب، ودانت لهم الدنيا .. فما وُلدت هذه الأمة لتموت .. بل ولدت لتبعث الروح وتحيي بما معها من رسالة موات الناس أجمعين.

إن في كتاب الله ما يحكي الحلقة الأخيرة للبشرية في هذه الحياة الدنيا .. مما يزهدنا فيها ويعلق قلوبنا بدار النعيم المقيم .. وصدق الله: “مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ” (يس: 51).

لقد هدانا الله عند كل مصاب جلل أن نتذكر الحلقة الأخيرة لتهدأ تلك النفوس وتسكن .. فما هي تلك الحلقة يا ترى .. إنها مشتقة من قوله تعالى:” الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ” (البقرة: 157).

وختاماً

إننا نوجه رسالة لكل متربص حاقد .. ولكل عميل خائن .. ولكل منافق مطبل .. أن اتقوا الله فيمن تحتكم وحولكم .. وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا .. فلو أن المُلك والجاه والوظيفة والدنيا دامت لغيركم ما وصلت إليكم .. فقد ساد مَن قبلكم ثم بادوا، وملكوا ثم هلكوا .. ولكم أن تتابعوا الحلقة الأخيرة من حكاية فرعون اللعين وقد أغرقه الله هو وحراسه في اليم .. وقارون حين خسف الله به وبداره الأرض “كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ” (الدخان: 29).

  • وإن لكل إنسان حلقة أخيرة تنهي تفاصيل حياته .. إن خيراً فخير وإلا فالفضيحة الفضيحة .. نسأل الله عفوه وستره .. وقد شهدنا الحلقة الأخيرة لبعض الطيبين من أهلنا وأحبابنا وعلمائنا ومجاهدينا .. فنسأل الله أن يكتب أجرهم وأن يدخلهم جنات النعيم .. كما نسأله أن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاه فيه.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.