منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من وحي الاستراتيجية النبوية في التغيير:

0

لم يكن الفعل النبوي في زمن التنزيل أو الزمن المبارك شبيها بأي فعل إنساني آخر، وذلك لاستناده أساسا على توجيه الوحي وتسديده سواء في أمور الدين أو الدنيا، فأما أمور الدين فقد تولى الوحي تقعيدها وتفصيلها، وأما أمور الدنيا والتي يستند في فيها للخبرة الشخصية والتجربة الإنسانية وحكمة العصر فيكون مبناها إجمالا على الاجتهاد الذي يفضي للصواب تارة وللخطأ تارة أخرى، لكنها لم تخلو كذلك من التسديد والتقويم والتوجيه الإلهي، كما تشهد بذلك الكثير من وقائع ومشاهد القرآن.
ويأتي الحديث عن الاستراتيجية النبوية في التغيير ضمن هذا السياق المرجعي، فهي فعل رغم طابعه البشري الاجتهادي السنني إلا أن وقوعه في الزمن المبارك أخرجه من مشابهة مجمل التجارب والظواهر التاريخية بالنظر لخصوصية التسديد الوحياني وتنزله المتفرد الذي أضفى قدسية وحرمة على المكان (مكة والمدينة) والزمان (عصر النبوة) والشخوص الفاعلة فيه (النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأطهار).
وقد تميزت الاستراتيجية النبوية في التغيير بعاملين أساسيين:

1-استغلال نمط العلاقات داخل مجتمع القبيلة لخدمة الدعوة الإسلامية؛

ولذلك ظل عليه الصلاة والسلام في حمى بني هاشم ثم في جوار مطعم بن عدي وهم مشركون إلى أن حان موعد الهجرة ليعيد بناء نمط العلاقات داخل مجتمع المدينة (يثرب) عبر الوثيقة.

2- كان النموذج السياسي لتحول القبيلة إلى إمارة سياسية حديثة؛

يقضي بالدخول في حِمى إحدى الامبراطوريات الكبرى (الساسانية أو البزنطية) على طريقة الغساسنة والمناذرة، لكن الذي حصل هو السعي لبناء الاستراتيجية السياسية المستقلة من خلال بناء الذات اقتصاديا وعسكريا وثقافيا، فكانت النتيجة أنه في سرعة قياسية صعد النموذج الحضاري الإسلامي وتمكن من استيعاب الامبراطوريات الكبرى استيعابا كاملا، لكن المسلمين للأسف لم يستطيعوا هضمها جيدا، فلما حصل الانكسار التاريخي وقعوا في أتون النموذج الامبراطوري فتحولت خلافة النبوة من نموذج إسلامي تاريخي رفيع وأصيل تجسدت فيه قيم الخير والإيمان والعدالة والمحبة، إلى نموذج ملفق يجمع بين بقايا أخلاق القبيلة والعصبية الجاهلية ونهم الامبراطوريات التوسعية دون أن تضمحل قي الكثير من قيم العمران والتحضر الإسلامي التي حافظت على صمودها وحضورها وسط هذه التناقضات السياسية والتاريخية.
لذلك فإن حكمة التاريخ ودروسه النافعة تقضي بأنه لا صعود للنموذج الحضاري الإسلامي المعاصر بدون استلهام العبرة من إخفاقات التاريخ وأخطاء السلف، والاستثمار الفاعل لحكمة العصر ولمزايا قيم المواطنة، وقيم التضامن الإسلامي، والإيمان بضرورة الاستقلال التام عن كل الأقطاب الدولية شرقا وغربا في بناء النموذج الحضاري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.