الهدي النبوي في التعامل مع الأعداء.
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبي الهُدى؛ سيدنا محمد، وعلى ءاله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع أعدائه بحذر وحزم، وكان عليه السلام وفيا للعهود والمواثيق؛ فهو رسول الله وكفى.
أولا: وفاء النبي صلى الله عليه وسلم مع أعدائه.
من النماذج المشرقة لوفاء النبي صلى الله عليه وسلم مع أعدائه وأعداء دين الإسلام، نسجل ما يلي:
– لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وضع ميثاقاً في غاية الدقة، فألف بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين وجيرانهم من طوائف اليهود وربط بينهم فأصبحوا به كتله واحدة يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء.
– في معركة بدر الكبرى وعندما أسر المسلمون سبعين رجلا من المشركين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “استوصوا بالأسارى خيرا”، ليعلمهم ويُعلمنا التعامل مع أعداء محاربين.
– عندما أتى عمير بن وهب المدينة بعد معركة بدر متفقاً مع صفوان بن أمية على أن يتكفل صفوان بدينه وعياله وأن يقتل هو الرسول صلى الله عليه وسلم. فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي من عند الله. فكيف تعامل معه الرسول قربه إليه وقال: أدن يا عمير وأخبره بخبره فأسلم عمير مباشرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان بينه وبين قوم عهد فلا يُحلَّن عقداً، ولا يشُدنه حتى أمدُهُ، أو يَنْبِذ إليهم على سواء).
– لما فكّر فضالة بن عمير بن الملوح في قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره فسكن قلب فضالة، فأسلم وحسن إسلامه.
– لما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خارجين إلى بدر، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم”.
– معاملته صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش بعد الفتح، قال لهم: “يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟” قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، فعفا عنهم بعد أن أمكنه الله تعالى منهم، فضرب بذلك المثل في تعامله – صلى الله عليه وسلم
– من أعظم المواقف موقف الرسول مع أهل الطائف حيث قال لملك الجبال لعل الله ان يخرج من اصلابهم من يقول لا اله الا الله.
– بعد الانتهاء من كتابة وثيقة صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه وهو في قيوده هارباً من المشركين في مكة، فقام إليه أبوه سهيل، فضربه في وجهه، وقال: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، وذلك حسب العهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أَأُرَدّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “إنا عقدنا بيننا وبين القوم عهداً، وإنا لا نغدر بهم”، ثم طمأنه وبشره النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: “يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجاً ومخرجا”)[1].
ثانيا: أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في حماية الإسلام والدعوة.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغدر ولو مع الأعداء، لكنه أجاز الخدعة في الحرب، فقال عليه السلام: “الحرب خدعة”[2]. ومن الخديعة في الحرب مفاجأة العدو وأخذه على غِرَّة قبل أن يستعد للقتال، وما شابه ذلك من الحيل،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث بسرايا كثيرة فيوصيهم بالسير ليلاً والاستخفاء نهاراً حتى يباغتوا عدوهم، والخدعة في الحرب لا تكون بنقض عهود أو مواثيق، قال النووي: “اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل”. فالغدر ونقض العهود ليس من أبواب الحيلة والخداع الجائز في الحروب.
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حليمًا مع خصومه، مع فطنتـه لما يُحـاك ضده، مما لا يرضي من القول والعمل، لذلك شرع الإسلام الجهاد لحماية منجزات الدعوة، ووقايتها من مؤامرات ومكائد الأعداء، وجعل الجهاد رأس سنام الإسلام، كما جعله ماضيا إلى يوم القيامة، لدرء الفتن، والتصدي لمخططات أعداء الإسلام، ودفع الاعتداء على المسلمين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : الجهاد ماض إلى يوم القيامة”[3]. ويصد به؛ الجهاد بكل أنواعه، لأن الاتداء على هـذا الدين مستمر إلى يوم القيامة وبكل وسائل العصر، ولأن التدافع بين الحق والباطل من سنن الحياة.
ثالثا: حزم النبي صلى الله عليه وسلم مع أعدائه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب على يد من يغدر أو ينقض العهد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال أبو عزة يوم بدر: يا رسول الله! أنت أعرف الناس بفاقتي وعيالي، وإني ذو بنات، قال : فرقَّ له ومنَّ عليه وعفا عنه ، وخرج إلى مكة بلا فداء، فلما أتى مكة هجا النبي صلى الله عليه وسلم، وحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُسر يوم أحدٍ، وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بضرب عنقه، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: “لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين“)[4].
لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ولكنه اتخذ موقف الحزم والحكمة، وبيّن لهم أنه لا يمكن أن يُخدع مرتين، ويمثل هذا الصرامة والحزم في موضعهما.
وفي غزوة الفتح نموذج آخر، قال محمد بن جبير بن مطعم: (لما ولى أبو سفيان راجعا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة جهزينا وأخفي أمرك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم خذ على قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم بغتة ويقال قال اللهم خذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلا بغتة ولا يسمعون بي إلا فجأة قالوا: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيما بهم فيقول لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه[5]، إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه أو ناحية مكة. قالوا: فدخل أبو بكر على عائشة وهي تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم تعمل قمحا سويقا ودقيقا وتمرا، فدخل عليها أبو بكر فقال يا عائشة أهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو؟ قالت ما أدري. قال إن كان رسول الله هم بسفر فآذنينا نتهيأ له، قالت ما أدري، لعله يريد بني سليم لعله يريد ثقيفا، لعله يريد هوازن فاستعجمت عليه حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو بكر: يا رسول الله أردت سفرا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال أفأتجهز؟ قال نعم. قال أبو بكر: وأين تريد يا رسول الله؟ قال قريشا، وأخف ذلك يا أبا بكر، وأمر عليه السلام بالجهاز، قال أوَ ليس بيننا وبينهم مدة؟ قال: “إنهم غدروا ونقضوا العهد فأنا غازيهم“، وقال لأبي بكر: “اطو ما ذكرت لك”، فأصبح بعضهم يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام وبعضهم يظن هوازن، وبعضهم يظن ثقيفا.
خاتمة:
لا بد أن يقتدي المسلمون برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلق الوفاء، والعفو والتأني في اتخاذ القرار، وفي الحزم مع الأعداء في موضعه، وأن يُدركوا في كل زمان مهمتهم ورسالتهم، فيأخذوا حذرهم، وأن يعدوا ما استطاعوا من القوة والاحتياطات والحذر لعصرهم وزمانهم.
ولله الأمر من قبل ومن بعد، والحمد لله رب العالمين.
[1] – رواه الإمام أحمد في مسنده.
[2] – رواه الإمام البخاري في صحيحه.
[3] – رواه الإمام الطبراني في الأوسط.
[4] – رواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى.
[5] – كانت الأنقاب مسلمة حينئذ.