منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صحبة نبوية وبيعة

صحبة نبوية وبيعة/توفيق بلعياشي

0

صحبة نبوية وبيعة

بقلم: توفيق بلعياشي

 نستفتح فهمنا من سورة “الفتح” المباركة، مستبشرين ومتبركين بها. لو تتبعنا الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدناها مختلفة عن التي عرفها أئمتنا الصوفية في زواياهم، حيث يُشترط لزوم الشيخ وخدمته وشروط أخرى مع القيام بحدود الشرع. هاته الأخيرة والصدق فيها كانت هي فحوى العهد الذي يختم بصفقة اليد المبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أولى بيعات العقبة، لكن شرط الجهاد كان محور البيعة التي تلت. كانت مقتضيات البيعة الأولى هي ما يبايع النساء عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم لا استصغارا لشأن النساء ولكن لاختلاف صنف الجهاد المنوط بالرجل والمرأة. ليست وظيفة المؤمنة الأساسية هي الجهاد بالسيف، إلا إن اقتضت الأحوال ذلك.

أما في ما يتعلق الأمر ببيعة الرضوان، فإن صلبها هو المبايعة على القتال في سبيل الله. وهي ليست حكرا على سياق نزول الآية، بل هي أمانة في عنق كل مؤمن إلى قيام الساعة.

  لا يَطردُ أي مبايِع من الصف إلا كذبُه ونفاقه ونكثه وخيانته لعهده وميثاقه.

قال عز من قائل:

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)سورة الفتح (8ـ9ـ10).

في الآية الأولى حدد الله سبحانه وتعالى وظيفة الحبيب صلى الله عليه وسلم وخلفائه بأنها الشهادة لله بين الناس والبشارة والإنذار، وهذا هو لب القيام لله بالقسظ، ووظيفة المؤمنين تعزيره ” أي تعظموه وتفخموه، قاله الحسن والكلبي، والتعزير: التعظيم والتوقير. وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه.” تفسير القرطبي.

وعلى قول قتادة، فإن التعزير فوق كونه تعظيما لقدر الحبيب صلى الله عليه وسلم، فهو سلوك عملي ألا وهو النصرة والمنع، وقد كانت نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، نصرة للدين، لا فرق بين الإثنين. في ما بعده لا يكون التعزير والتوقير إلى لمن كانت خطواته على خطى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيكون قائما لله بالقسط، شهادة لله بين الناس وشهادة وإنذار. وبهذا فنصرته نصرة لدين الله سبحانه وتعالى

نصرة وتعظيم نابع من تعزير وتوقير ومحبة ثم تسبيح وذكر لله. سياق الآية الكريمة الجهادي يؤكد معنى النصرة ” وقال ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف[…]. والهاء فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم. وهنا وقف تام، ثم تبتدئ {وَتُسَبِّحُوهُ} أي تسبحوا الله {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي عشيا.نفس المصدر.

المبايعة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والصحب كانت عين البيعة لله، وهي عهد معه سبحانه بنصرة دينه والدعوة إليه وجهاد الظالمين في سبيله.

 ففي بيعة الرضوان، بايع الصحابة على القتال حتى الموت، أو على عدم الفرار حسب أقوال الصحابة وهما نفس الشيء إذ لا ينتهي اللقاء إلا بإحدى الحسنين: الاستشهاد في سبيل الله أو النصر والفتح.

كانت خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمور شخصية أمرا محبوبا لدى جميع الصحابة، لكن لم ترد نصوص أو تشجيعات من الحبيب الكريم على ذلك مع العلم بأن هاته الخدمة لشخصه الكريم من أعظم القربات عند الله سبحانه وتعالى. والأولى أن سبب ذلك أن لا تصير هذه الخدمة سببا لاستغلال الناس.

كانت البيعة عهدا لتحرير البشر لا لاستخدامهم في الأغراض الشخصية باسم التعزير والتوقير. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل ثوبه ويخصف نعله ويكون في حاجته وحاجة أهله!

 وكانت خدمة الشيخ المصحوب في الزاوية، من التعزير والتوقير الذي رفع الله عز وجل به المريدين الصادقين متى صحبوا شيخا كاملا. نفس الخدمة كانت استعبادا للمريدين متى حصلوا في قبضة متمشيخ لما يصل إلى ربه بعد، ولما تمت نفسه، فيستخدم الناس لإِرَبه، والأمر أسوأ إن كان الشيخ مدلسا شيطانيا يمده إبليس بحبل منه.

علم صلى الله عليه سلم الصحب الأكارم أن التعزير ما هو إذلال واستعباد للناس، وقضاء حاجيات على حسابهم وتوظيفهم في المآرب الشخصية، بل هو تعبيد العباد لرب العباد، واستخدامهم في أداء الشهادة لله والبشارة والإنذار.

خدمة الجماعة والدعوة وقضاء حاجيات الناس هو عين ما يفترض أن تكون عليه الخدمة لتعود كما كانت زمن الحبيب صلى الله عليه وسلم.

السكينة و زيادة الإيمان

رافقت صحبةَ وجهادَ ” تعزروه وتوفروه” ذكر ” وتسبحوه بكرة وأصيلا”، بيعة وصحبة جهادية يُطلب فيها وجه الله بالقتال ونصرة الله ورسوله كما يطلب رضاه وحبه بالذكر الدائم للواحد الأحد تقدست أسماؤه.

 ذكر يتعلمه المؤمنون في مجالسهم ورباطاتهم. الذكر يعني تحرك اللسان والقلب، ويعنى عدم النسيان ويعني الشرف. وإنما يشرف العبد بأن يرافق خلجات قلبه، ذكر أسماء ربه بلا نسيان. في المجالس تَشَّرَّب القلوب حب الذكر والأنس بربها من قلوب أصبح الذكر قوتها. تكون للمؤمن خلوات مع ربه في يومه يذكره، فيثبت الإيمان ويشتد. إذا جاء الهول، لا تطيق أن تذكر الله إلا القلوب التي لا تفتر عن ذلك حال أمنها.

 وكما تغشى السكينة والرحمة مجالس الذكر التي تحبها الملائكة، فإن الذاكرين الله عندما يحمى الوطيس لهم الحظ الأوفر من تلكم السكينة والطمأنينة وزيادة الإيمان. إنها لا تغشاهم فقط، بل تقذف في قلوبهم قذفا؛ هذا ما توحي به ظلال الآية الكريمة:

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا الفتح (4).

لا إله إلا الله، في قلوبهم، في أحشائها وأعماقها لا على سطحها، وهو أبلغ ما تغشاهم.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير السكينة:

 “{السكينة}: السكون والطمأنينة. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في “البقرة“.

وصريح الآية أن الله عز وجل ينزلها ليزيد بها المؤمنين إيمانا؛ بل ضاعف سبحانه فضله بأن زادهم إيمانا فوق إيمانهم.  السياق الجهادي للسورة وامتحان المؤمنين في جهاد أنفسهم في صلح الحديبية بحيث ابتلاهم الله ليس بعدو من خارج أنفسهم، بل في تعزيرهم وطاعتهم لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم يضع أصبعنا على أن الجهاد ولو بدا لعدو خارجي، إلا إنه كان مزدوجا إذ لا بد من الانتصار أولا على الوسوسة الشيطانية والنفسية المخذلة المتخاذلة كي يقدر المؤمن على الخروج من مألوف بيته ومعاشه وأقرانه لمواجهة الكفار والمنافقين في لقاء قد تكون نهايته الموت.  ما ينجح الكل في ذلك، ومن الناس مخلفون، أعراب يعتذرون بأن تشغلهم أموالهم وأهلوهم عن الجهاد.

بدت شروط صلح الحديبية مجحفة ظالمة، حتى كاد الصحب رضي الله عنهم يعصون أمره الكريم صلى الله عليه وسلم بحلق رؤوسهم ونحر هديهم.  بانتصارهم على أنفسهم جاءتهم   الوعود التي لا تكذب من الله بفتوح على الأعداء، وفتوح في النفس معبر عنها بالسكينة المتكررة في السورة الكريمة، وبإحلال رضى الله على المبايعين الصادقين.

في آخر السورة، يخبرنا الله عز وجل أنه أنزل سكينة أخرى على الذين بايعوا تحت الشجرة على القتال حتى الموت أو النصر،  قال سبحانه في نفس السورة:

 “ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) سورة الفتح.

لا فائدة من بيعة يعلم الله أن القلب أوثقها قبل اللسان، وقبل صفقة اليد.  ثم جدد الحق لنا إظهار حقيقة أن الفتح الإحساني فتح زيادة الإيمان والترقي في درجات القرب من الحنان المنان جل شأنه تكون أكثر ما تكون في مواطن الجهاد للذاكرين الصادقين في تعزيرهم وتوقيرهم للصحبة المباركة. قال سبحانه دائما في نفس السورة:

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)سورة الفتح.

السكينة تنزل وما كان غمض على المؤمنين من أمر رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه والمؤمنون يحجون يفسر بأن الله لم يعد المؤمنين بالحج تلك السنة. ثم وعد من الحق لنا نحن أجيال الخلافة بأن الله مظهر دينه على الدين كله؛ ومن أصدق من الله قيلا! فهم ابن عباس رضي الله عنها أن “أخرى لم تقدروا عليها” هي ما يعد الله عز وجل به هاته الأمة من فتوح إلى يوم القيامة في حين رأى آخرون أنها فتح خيبر ورأي حبر الأمة أفقه وأعم وأنسب.

ومع السكينة ربط على قلوب المجاهدين وتثبيت في مقام الإيقان والتوحيد الخالص بأن “أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا“. كَلِمَةُ التَّقْوَى هي الإخلاص أو كلمة التوحيد كما قال المفسرون. فلا فتح لمن لم يصحب ويذكر ويصدق. التعزير والتوقير تعظيما ونصرة للمصحوب للحبيب صلى الله عليه وسلم أو لوراثه، شرطهما وباعثهما التسبيح بكرة وأصيلا. من غفل عن الذكر ضعف إيمانه وتلاشى صدقه وإخلاصه فهو أحرى أن يصبح من الذين لا يقاتلون في سبيل الله، بل ليبقال  شجاع، أو لنصرة عصبة وبذلك بكون من الثلاثة الأوائل الذين تسعر عليهم النار كما في حديث صحيح لأبي هريرة رضي الله عنه، هذا يبعد قلبه عن المصحوب أو لا يصحب أصلا وقد يطيش عند اللقاء و ندر أن يثبت ويشفع له صدقه، وإن فاته فتح من رأى من رأى أصحاب رسول الله كما سنرى قريبا.

لم يكن الفتح الذي سميت به السورة فتحا في الآفاق فقط. كان فتحا إحسانيا تزكو به الأرواح وتطمئن الأنفس بما أنزل الله من خيراتٍ، السكينةُ والرضى وإلزام كلمة التقوى والجنود المنزلة من السماء عناوينها.  فُتِحَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فتحٌ خاص لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه:

 “إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)الفتح.

قال الحبيب صلى الله عليه وسلم لما أنزلت، أنها أحب إليه من الدنيا وما فيها، وأحب إليه من حمْر النعم، وقال له الصحب الأكارم أن هنيئا مريئا له صلى الله عليه وسلم.

فَتَحْنَا لَكَ ” نضيف على ما قال الولي المرشد رحمه الله أن “الفتح ل” وردت في القرآن بمعنين و “فتح على” كذلك.

“الفتح ل” خاصة بالفتح في الآفاق لجند الله وللفتح الإحساني في سلوك العبد إلى ربه عندما يكرمه عز وجل ببلوغ المراد. إنه فتح لباب القرب والرضى للعبد المجاهد لنفسه أو للجماعة المجاهدة.  و “فتح ل” متعلق بالآفاق نجدها في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

يأتي على الناس زمان يغزو فيه فِئَامٌ من الناس(جماعات( فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم”. رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

“الفتح على” قد يكون فتحا ظلمانيا كما يفتح الله سبحانه أبواب كل شيء على الكافرين.

 وأخبرنا الله عز وجل أن أهل القرى لو آمنوا واتقوا لفتح عليهم بركات من السماء والأرض. كل فتح لا يوصل عبدا أو جماعة أو أمة إلى الله العلي العظيم هو فتحٌ دونٌ، فتح دنيوي بخيره وشره لا تراوح بركته حدود معاش العباد!

نجمل إذن أن الفتح “ل”، هو فتح هداية وإيمان على الفرد أو على جماعة من الناس.

أما القتح على فقد يكون فتح نكاية من الله على أمة أو فرد بمدهم بالأسباب الدنوية إن كانوا غافلين عن ذكر الله، وقد يكون فتح أسباب الدنيا فتح إكرام وفضل من الله على المؤمنين المتقين.

أنزلت السكينات تَتْرَى على المؤمنين. وختم عز وجل السورة الكريمة بوصفٍ لهاته الجماعة السالكة سلوكا جهاديا:

 ” مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًاالفتح (29).

خذ “وَالَّذِينَ مَعَهُ” صحبة في الله و”أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” جماعة مجاهدة في سبيل الله متحابة فيه و “تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ” رجال متقربون لله الوهاب بالفرض والنفل.

ثم هاك أخي ما يبين لك أن ما أحب الله به الأولين هو ما يحب به ويفتح للآخرين:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)سورة المائدة.

وإليك أخي دليل الفتح الجهادي الإحساني من حديث الولي المشهور الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله تعالى: من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إلي من أداء ما افترضت عليه. ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني أعطيته، وإن استعاذ بي أعذته. وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المومن، يكره الموت وأنا أكره مَساءته.

لا أدري كيف لا ينتبه المهتبلون بهذا الحديث ـ وحق لهم ـ أنه ابتدأ بالإشارة إلى الجهاد (من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب) واختتم بذلك (، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.) يبطش الولي في سبيل الله وتمشي رجله بالإصلاح وللدعوة إليه سبحانه، وإلى مواطن الردى في قياما بالقسط، شهادة لله بين الناس ودعوة إليه.

ينسى الصوفية الأكارم المعظمون لزهد وورع سيدنا أويسا القرني الذي بشر به الحبيب صلى الله عليه وسلم، أنه مات، على أصح الأقوال، شهيدا في موقعة صفين مجاهدا في صف الحق، صف سيدنا علي كرم الله وجهه.

درجة عالية وقمة سامقة! تبشرنا الآية الكريمة أن الله لا يؤتيها للعبد فقط، بل أيضا للجماعة السالكة سلوكا جهاديا. شرط “فإذا أحببته” توفر في قول الحق عز وجل” بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ “؛ كما يحب سبحانه الفرد المجاهد المتقرب، يحب جماعة الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون!

هكذا يكون الله سبحانه سمع وبصر الجماعة المجاهدة ويدها التي تبطش بها رجلها التي تمشي بها… يكون لها ذلك على لسان ويد ولي أو أولياء في قيادتها، أو في عامة جندها من الأخفياء الذين لا يعرفهم إلا الله، تقربوا للكريم الوهاب جل شأنه بالمفروض عليهم وبالنفل، صحبوا من صحب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.