نبي الرحمة و الملحمة
بقلم: رشيد كريم
نورٌ سَرى عمَّ الورى¯ غيثٌ روى قلبَ البشَرْ
السَّعدُ جآ بلغَ المدى ¯ ورسولُنا نَبعٌ نهَرْ
بسراجِه وبنهجِه ¯ رحَل الأسى زالَ القَترْ
ونبيُّنا شمسٌ لنا ¯ كيفَ العيونُ بلا بَصرْ
أرواحُنا دِرعٌ له ¯ وشعارُنا الآن يا عمرْ
كلما حلت ذكرى المولد النبوي الشريف، إلا وجدت الخطباء والوعاظ في خطبهم ودروسهم وفي المحافل الجامعة يتحدثون للناس عن نبي الرحمة ﷺ، يتحدثون عن رحمته ﷺ بالضعفاء و الفقراء بل عن رحمته بالحيوانات
رسولنا ﷺ كان لا يجزئ بالسيئة الحسنة ولكن يعفو ويصفح، يبكي للبهيمة المثقلة ولليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ﷺ…وهو كذلك حق لا يُنكر، فالله تعالى قال في وسمه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
في ظل هذا الخطاب صار في تصور الكثيرين كأن رسول الله ﷺ راهب في دير أو درويش في صومعة
لكن
أليس من تمام الفهم وأمانة التبليغ أن نذكّر أيضا بأن رسولنا ﷺ نبي الملحمة؟
ألم يجمع ﷺ في شخصه النبوي بين الرحمة الواسعة والبأس الشديد في وجه العدوان والظلم؟
لقد جاء في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، في الأوسط للطبراني، ومسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، أن النبي ﷺ قال: ﴿ أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة.﴾ فلماذا إذا هذه الغفلة عن التأسي برسول الله ﷺ في وجهه الآخر؛ وجه الثبات والعزيمة والمواجهة؟
- لماذا يسلط الضوء فقط على جانبه العاطفي وتغفل مواقفه البطولية في الجهاد والدفاع عن الدين؟
- أليس من الخلل في التوازن أن تُقدم صفة الرحمة وكأنها بمعزل عن الملحمة؟
- أليس في تغييب الحديث عن “نبي الملحمة” نوع من التخدير النفسي في زمن تتداعى فيه الأمم على جسد هذه الأمة كما تتداعى الأكلة على قصعتها؟
- لماذا لا نتحدث عن شجاعة النبي وعن جهاده وفزعته عن أعراض المسلمين؟
- أليس من المضحك المبكي أن تجد دعاة من على منبر رسول الله ﷺ – في هذه الظروف المؤلمة العصيبة يحدثك عن حديث “يا عمير ما فعل النغير؟”
نحاول في هذا المقال أن نفتح نافذة صغيرة على سيرة الحبيب المصطفى ﷺ، سيرة اجتمعت فيها الرحمة المهداة والعزيمة الصلبة، اللين في موضعه والحزم في موطنه، دمعة القلب وحد السيف، الدعاء في الطائف والثبات في بدر.
حديثنا ليس فقط عن النبي الرحيم الذي بكى لأمته، بل عن النبي القائد، السياسي، العسكري، الذي خطط وبنى، وواجه الجهل والظلم حتى أقام صرح أمة.
وللإضاءة على هذا البُعد المزدوج في شخصية خير الورى، نذكر ببعض من مواقفه الملحمية.
إن الله بعث نبيه بالسيف رحمة للعالمين، قال مولانا رسول الله ﴿ بُعِثتُ بالسيفِ بينَ يدَي الساعةِ حتى يُعبدَ اللهُ وحدَه لا شريكَ له وجُعِلَ رزقِي تحتَ ظلِّ رمحِي وجُعِلَ الذلُّ والصغارُ على مَن خالف أمرِي ومَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم ﴾ رواه عبد الله بن عمر وأخرجه البخاري معلقاً بصيغة التضعيف، وأخرجه موصولاً أحمد باختلاف يسير.
إليكم بعض من صوره الملحمية ﷺ
﴿أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح﴾
ورد في السيرة أن النبي ﷺ قال لأشراف قريش عندما اجتمعوا يتحدثون في أمره، قال لهم كلمته الشهيرة ﴿أتَسمَعونَ يا مَعشَر قُرَيشٍ، أمَا والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لَقد جِئتُكُم بالذَّبحِ!﴾
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال، قيل له، ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته ؟ قال، حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا، ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا.
قال، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال، –﴿ أتسمعون يا معشرَ قريشٍ ! أما والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه؛ لقد جئتُكم بالذَّبحِ﴾. قال: فأخذت القومُ كلمتَه، حتَّى ما منهم رجلٌ إلَّا لكأنَّما على رأسِه طائرٌ واقعٌ، حتَّى إنَّ أشدَّهم فيه وطأةً قبل ذلك يترفَّؤُه بأحسنِ ما يُجيبُ من القولِ؛ حتَّى إنَّه ليقولُ: انصرِفْ يا أبا القاسمِ! انصرِفْ راشدًا؛ فواللهِ ما كنتُ جهولًا! فانصرف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى إذا كان من الغدِ، اجتمعوا في الحِجرِ؛ وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتَّى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه! وبينا هم في ذلك؛ إذ طلع عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحدٍ، وأحاطوا به يقولون له: أنت الَّذي تقولُ كذا وكذا؟ لمَّا كان يبلغُهم منه من عيبِ آلهتِهم ودينِهم، قال: نعم أنا الَّذي أقولُ ذلك، قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم أخذ بمجمَعِ ردائِه، وقام أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللهُ عنه دونه يقولُ – وهو يبكي -: أتقتلون رجلًا أن يقولَ ربِّي اللهَ، ثمَّ انصرفوا عنه. فإنَّ ذلك لأشدُّ ما رأيتُ قريشًا بلغت منه قطُّ.
خلاصة حكم المحدث: حسن – الراوي: عبد الله بن عمرو – المحدث: الألباني – التخريج: أخرجه ابن حبان
الشاهد عندنا في الحديث: أتَسمَعونَ يا مَعشَر قُرَيشٍ، أمَا والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، لَقد جِئتُكُم بالذَّبحِ! أي: بالهَلاكِ والقَتلِ إن لَم تُؤمِنوا، فكَما أنَّه بُعِث صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرَّحمةِ وهدايةِ النَّاسِ، كذلك بُعِث بالقَتلِ لمَن عانَدَ الدَّعوةَ وحارَبَ، فهو نَبيُّ الرَّحمةِ ونَبيُّ المَلحَمةِ، أي: القِتالِ.
- وفي الحَديثِ الشِّدَّةُ والزَّجرُ على مَنِ اشتَدَّت عَداوتُه للدِّينِ.
- وفيه مَعرِفةُ كُفَّارِ قُرَيشٍ بأخلاقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
- وفيه شِدَّةُ مُعاداةِ أهلِ الباطِلِ لأهلِ الحَقِّ.
- وفيه بَيانُ ما تَعَرَّضَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الأذى مِن قَومِه.
- وفيه صَبرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على إيذاءِ قَومِه له.
- وفيه شَجاعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مواجَهةِ كُفَّارِ قُرَيشٍ.
- وفيه فَضلُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنه ودِفاعُه عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
- وفيه استِشهادُ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه لحالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمُؤمِنِ آلِ فِرعَونَ الذي قال أتَقتُلونَ رَجُلًا أن يَقولَ رَبِّي اللَّهُ.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾
قتل المسلمون بقيادة نبي الملحمة ﷺ في غزوة بدر سبعين من المشركين و أسروا سبعين، فاستشار النبي صحابته في شأن الأسرى، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسر الأسرى في بدر قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: ﴿مَا تَرَوْنَ فِي هؤلاءِ الأَسْرَى؟﴾
فكان أول مَن نطق وتكلم مقدمهم وإمامهم الصدِّيق رضي الله عنه وأرضاه، فقال: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام.
ثم استشار النبي صلى الله عليه وسلم الفاروق، فقال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر.
ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عَقِيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان- وذكر نسيبًا له- فأضرب عنقه.
فهوى النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، ولم يهو ما قاله عمر، وقال: «أَنْتُمْ ضُعَفَاءُ فُقَراءُ، فلا يُطْلَقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِفِداءٍ». فقدموا الفدية، فمَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وأطلقهم، ثم أنزل الله تعالى قوله معاتبا نبيه:﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67]. فندم رسول الله ﷺ على ذلك حتى بكى من شدة الندم و تمنى أن لو قتلهم و لم يقبل الفداء.
﴿لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ.﴾
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا عَلَيْهِ النَّاسَ وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ, فَقَدِمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ سَفَرِهِ فَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى طَعَامِهِ فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي آكُلُ طَعَامَكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: اطْعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَفْعَلُ حَتَّى تَقُولَ. فَشَهِدَ بِذَلِكَ فَطَعِمَ مِنْ طَعَامِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: صَبَوْتَ يَا عُقْبَةُ؟ -وَكَانَ خَلِيلَهُ-. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ وَلَكِنْ دَخَلَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَطْعَمَ مِنْ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ؛ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ. فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا حَتَّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ وَتَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ. قَالَ: فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَأَخَذَ رَحِمَ دَابَّةٍ فَأَلْقَاهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا أَلْقَاكَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ».
ومما نقل من أذاه للنبي صلى الله عليه وسلم: ما رواه عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا» رواه البخاري.
ومما نقل من أذاه للنبي صلى الله عليه وسلم: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ» رواه الشيخان واللفظ لمسلم.
وجاء اليوم الموعود لأهل الكفر والاستكبار، والمعارضة والعناد، وعقبة يذكر وعيد النبي صلى الله عليه وسلم له بالقتل، فتملكه الخوف، ولم ينفعه من أغواه، فكانت غزوة بدر، فخاف عقبة وامتنع عن الخروج كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر وَخرج أَصْحَابه أَبى أَن يخرج، وَقَالَ: قد وَعَدَني هَذَا الرجل إِن وجدني خَارِجا من جبال مَكَّة أن يضْرب عنقِي صبرا، فَقَالُوا: لَك جمل أَحْمَر لَا يُدْرك، فَلَو كَانَت الْهَزِيمَة طرت، فَخرج مَعَهم، فَلَمَّا هُزم الْمُشْركُونَ وَحَلَ بِهِ جمله فِي جدد من الأَرْض، فَأُخذ أَسِيرًا، فَضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عُنُقه صبرا» وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَجَعَلَ عُقْبَةُ يَقُولُ: يَا وَيْلَاهُ، عَلَامَ أُقْتَلُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِعَدَاوَتِكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنُّكَ أَفْضَلُ، فَاجْعَلْنِي كَرَجُلٍ مِنْ قَوْمِي إِنْ قَتَلْتَهُمْ قَتَلْتَنِي، وَإِنْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ مَنَنْتَ عَلَيَّ، وَإِنْ أَخَذْتَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ كُنْتُ كَأَحَدِهِمْ، يَا مُحَمَّدُ مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: النَّارُ، يَا عَاصِمُ بْنَ ثَابِتٍ، قَدِّمْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ» رواه البيهقي.
فصدّق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذا المجرم الطاغية حين توعده بالقتل، فأمكنه الله تعالى منه، وكان ذلك من أعلام النبوة. ولم ينفعه أُبيُّ بن خلف حين أغواه، وقتلا جميعا في بدر، وفيهما نزل قول الله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ -الفرقان: 27 – 29-.
غزوة بني قينقاع نصرة لمسلمة نيل من حجابها ومسلم أريق دمه.
روي ابن هشام في سيرته: ” أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها (ما يُجْلب للسوق لبيعه)، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع «.
حينئذ ظهر بجلاء غدرهم وخيانتهم، فنبذ إليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم عهدهم، كما أمره الله تعالى بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ -لأنفال:58-، وسار متوجها إليهم على رأس جيش من المهاجرين والأنصار وحاصرهم، واستمر الحصار خمس عشرة ليلة، فوقع اليهود في حيرة من أمرهم، بعد أن قطع النبي ﷺ عنهم كل مدد، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا.
وأمر بهم النبي ﷺ أن يرحلوا عن المدينة، وتولى أمر إجلائهم عبادة بن الصامت رضي الله عنه ـ، فلحقوا بأذرعات(بلدة بالشام)
وهكذا خرج يهود بني قينقاع من المدينة صاغرين، قد ألقوا سلاحهم، وتركوا أموالهم غنيمة للمسلمين، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة وأشدهم بأساً، ومن ثم لاذت القبائل اليهودية الأخرى بالصمت والهدوء فترة من الزمن، بعد هذا العقاب الرادع ليهود بني قينقاع، وسيطر الرعب على قلوبها..
من غزوة بني قينقاع يظهر لنا مدى عزة وكرامة المسلم، فقد سار رسول الله ﷺ ومعه أصحابه في جيش كامل لينصر امرأة مسلمة نِيل من حجابها، ورجلا أُرِيق دمُه، فالمسلم أخو المسلم كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ﴿المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة﴾– البخاري-.
قال ابن حجر (ولا يسلمه): ” أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبا وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال.. “.
فالمسلمون جميعا أمة واحدة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم.. ﴾ -أبو داود –
لقد كانت غزوة بني قينقاع في جملتها دلالة واضحة على مدى ما في طبيعة اليهود من غدر وخيانة، وأنهم لا تروق لهم الحياة مع من يجاورونهم أو يعاهدونهم إلا بأن يبيتوا لهم شرا، أو يدبروا لهم غدرا، فاليهود هم اليهود، نقضة للعهود حتى مع الأنبياء، وفي كل زمان ومكان حالهم مع المسلمين حقد وحسد، وغدر وإيذاء، ومع ذلك هم أشد ما يكون من الجبن والخوف عند الحروب، فلا يقاتلون إلا إذا كانوا في قلاع حصينة أو قرى محصنة، كما قال الله عنهم: ﴿ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ -الحشر: 14-..
نبي المرحمة يقيم حربا لأجل قتل رجل واحد وتحرش بامرأة واحدة، فماذا يقول حكام الذل والعار وعلماء السلطان ديدان القراء فيما يقع لإخواننا في غزة العزة من تقتيل وإبادة جماعية وتجويع وتهجير، وما تتعرض له أخواتنا من هتك للعرض… حسبنا الله ونعم الوكيل في الصهاينة ومن والاهم من حكام مطبعين وعلماء خانعين راكنين للظالمين.
قصاص النبي بالعرنيين
مما رواه البخاري، ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ، ” قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ “.
ومعنى (سُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) قد جاء بيان معناها في رواية أخرى عند البخاري: ” ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا «.
وسمر النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم على وجه القصاص والعقوبة بالمثل، لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، كما جاء بيان ذلك في صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ” إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ “.
قال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، استشكل بعض العلماء تمثيله صلى الله عليه وسلم بالعُرَنيين ؛ لأنه سمل أعينهم، مع قطع الأيدي والأرجل، مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به…
والتحقيق في الجواب، هو أنه ﷺ فعل بهم ذلك قصاصا، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ إنما سمل أعينهم قصاصا ؛ لأنهم سملوا أعين رعاة اللِّقاح “.انتهى من ” أضواء البيان “.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: “وفيها من الفقه… أنه يفعل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سملوا عين الراعي، سمل أعينهم ” انتهى من زاد المعاد “.
وقال ابن حجر رحمه الله” وفي هذا الحديث من الفوائد… المماثلة في القصاص، وليس ذلك من المثلة المنهي عنها ” انتهى من فتح الباري “
هكذا يعاقب نبي الملحمة الغادرين لأن العفو عن الظالم هو ظلم للمظلوم.
إجلاء بني النضير
في يوم من الأيام خلا اليهود بعضهم إلى بعض وسول لهم الشيطان أعمالهم فتآمروا على قتل الرسول ﷺ فلما جلس النبي ﷺ إلى جنب جدار بيت من بيوتهم وجلس معه أبوبكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه صعد المجرم عمرو بن جحاش على سطح المنزل لينفذ فعلته المشؤومة ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل جبريل الأمين إلى رسول الله ﷺ ليعلمه بما هموا به فأخبره جبريل فنهض النبي ﷺ مسرعاً وتوجه إلى المدينة فلحقه أصحابه وما لبث رسول الله ﷺ أن بعث محمد بن مسلمة إلى يهود بني النضير يقول لهم ﴿ أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشراً فمن وجدته بعد ذلك منكم ضربت عنقه﴾ فلم يجد اليهود مناصاً من الخروج فأقاموا أياماً يتجهزون للرحيل والخروج من المدينة غير أن رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بعث إليهم أن أثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين رجلاً يدخلون معكم حصونكم يدافعون عنكم ويموتون دونكم فانزل الله سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وهناك عادت لليهود ثقتهم وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله رئيس المنافقين فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يقولون له ” إنّا لن نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك”. كان هذا الموقف موقفاً محرجاً بالنسبة للمسلمين لأن جبهة القتال مشتعلة مع المشركين فلا يريدون أن يفتحوا جبهة أخرى مع اليهود. ولكن رسول الله ﷺ حين بلغه جواب حيي بن أخطب كبر وكبر المسلمون معه ثم نهض ﷺ لقتالهم ومناجزتهم فلما وصل إليهم فرض ﷺ عليهم الحصار فالتجأ اليهود إلى حصونهم وكانت نخيلهم وبساتينهم عوناً لهم في ذلك فأمر ﷺ بقطعها وتحريقها وفي ذلك أنزل الله ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.
فلما رأى المنافقون جدية الأمر خانوا حلفائهم اليهود فلم يسوقوا لهم خيراً ولم يدفعوا عنهم شراً. ولم يطل الحصار طويلاً وإنما دام ست ليال فقط حتى قذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا وتهيئوا للاستسلام وإلقاء السلاح فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ “نحن نخرج عن المدينة” فوافق ﷺ على أن يخرجوا منها بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح فوافقوا على ذلك
فقبض رسول الله ﷺ سلاحهم واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم فوجد معهم من السلاح خمسين درعاً وثلاثمائة وأربعين سيفاً فكانت أموالهم وديارهم خالصة لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء
كانت هذه الغزوة – غزوة بني النضير- في شهر ربيع الأول في مثل هذا الشهر من السنة الرابعة للهجرة وأنزل الله في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها
ومن أعظم العبر في هذه الغزوة إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى على تغيير الأحوال وتبديل الحال وتصريف الأمور كيف يشاء سبحانه وتعالى فلا يقف أمام قوته وقدرته شيء فهؤلاء اليهود كان الناس جميعاً حتى المسلمون يظنون أن قوتهم وحصونهم التي يتحصنون بداخلها لن يستطيع أحد أن يخترقها أو يخرجهم منها ولكن الله جل جلاله أتاهم من حيث لم يحسبوا فسلط عليهم جندياً من جنوده وهو الرعب فانهارت معنوياتهم وضعفت نفسياتهم فاستسلموا وخربوا بيوتهم بأيديهم.
فعلى الناس أن يعلموا أن الله الذي أجلى هؤلاء وأزالهم قادر على أن يزيل غيرهم من الكافرين والمتكبرين والظالمين بشرط أن يصلح الناس أحوالهم ويقبلوا على منهج ربهم وينصروا دينه فإذا حققوا ذلك فإن الله سينصرهم وسيهلك عدوهم. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
وفي السورة إشارة إلى أن النصر قريب إذا سلك الناس طريقه.
كما أن في السورة إشارة واضحة إلى أن الهلاك متحقق في الوقوف في وجه الحق وتعذيب أهل الحق أو مطاردتهم أو سجنهم
كما أن من الدروس العظيمة في هذه الغزوة بيان حال المنافقين وكشف العلاقة الوطيدة بينهم وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى حتى أن الله سبحانه وتعالى سماهم إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
فعلاقة المنافقين باليهود علاقة حميمة وصلتهم بهم صلة قوية يعقدون معهم المؤامرات ويتآمرون معهم ضد المسلمين ويوعدونهم بالدفاع عنهم ونصرتهم وحمايتهم من المسلمين ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ هذا هو حال حكامنا اليوم مع اليهود أوفياء وأصدقاء ومع شعوبهم المسلمة خصوم ألداء.
إننا لا ندعو إلى نقض جانب الرحمة، بل إلى استحضار كمال الصورة النبوية التي تجمع بين الرحمة بالحكمة، وبين اللين حين ينفع، والحزم حين يجب.
فالاقتداء بنبينا ﷺ لا يكتمل إلا باستحضار كل أبعاده، لا سيما في هذا الزمن الذي لا يرحم فيه العدوّ
أختم هذا المقال بكلام نفيس للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من كتابه الفريد: المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الخصلة العاشرة، الشعبة الرابعة والسبعون: التأسـي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحـابه في الجهاد، ما كان رسول الله ﷺ واعظ منبر وكفى، ولا أميراً في السلم وحده، ولا قعيدا بطينا. إنما كان المجاهد الكامل. قاد الصفوف، ولبس اللامة والمغفر، وظاهر بين درعين (أي لبس درعا فوق درع)، وحمل آلة الحرب، وقاتل، وجرح، وسقط في الحفرة، وكسرت رباعيته ﷺ. ودخلت حلقتا المغفر في وجنته الشريفة.
إنه ﷺالمثل الكامل. فلكيلا نكون صورا ناقصة، لكي نكمل إيماننا، ليس أمامنا إلا طريق واحد: أن نتوج إيماننا بالجهاد، أن نبدأ بأعلى شعبه لا إله إلا الله، ثم نجمع فيض سائر الروافد الإيمانية البضعة والسبعين، إلى أن يكتمل نهر الإيمان، فتكون خير خاتمة له أن يصب في الشهادة في سبيل الله.
قال رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: ﴿من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق﴾.
قال ابن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ. نرى نحن ويرحم الله أخانا الإمام ابن المبارك أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وأن القعود عنه اليوم كالقعود عنه في كل زمان خذلان للإسلام ونفاق.
وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من لقي الله تعالى بغير أثر من جهاد لقي الله وفي إيمانه ثلمة﴾. وروى أبو داود عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من لم يغز ولم يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة﴾.
نسأل الله الكريم و نتوسل إليه بجاه نبيه نبي الرحمة و الملحمة أن ينصر إخواننا في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس و أن ينزل على أهلنا في غزة و في كل شبر من بلاد المسلمين برد االيقين و أن يديم عليهم ستره الذي لا تخرقه الرماح و لا تهتكه الرياح و كلنا ثقة بموعود الله و بشارة رسوله ﴿ ثم تكون خلافة على منهاج النبوة﴾ بعد عهود العض والجبر و ﴿والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون﴾
وكل عام وأنتم الى محبة الله ورسوله أقرب.