نتاج النور النبوي
بقلم: الأستاذ فضل حميدان
أكتبُ، وأجعلُ، بينَ القلمِ والقلبِ، صورةً منْ ذاكَ النّورِ النبويِّ الذي شرّف الأرضَ، ورَفَعها،وخطّ لسكانِها طريقاً إلى الجنّةِ العامرةِ، من بعدِ ما أُخرجوا منها، بما جاءَ بهِ منْ معاني الإنسانيةِ السّاميّةِ، والخصائصِ التي أَحالتْ حربَ النّفس مع أختِها النّفس، في همّ الدّنيا و مفاتِنها، إلى تكاملِ الحبِّ بينَ جموعِ الإنسانيّةِ، ولتصنعَ، منْ ثَمَّ، آفاقَ العالمِ الخالدِ، بسماتِ الحياةِ السعيدةِ، لكلِّ بني البشرِ !
أقرأ تلكَ الولادةَ التي غيّرتْ مجرى التّاريخِ، فجعلتْ للنّاسِ لغةً جديدةً، وروابطَ جديدةً، ثمَّ أتأمّلُ كيف تركتْ هذهِ الانعطافةُ أصحابَ محمدٍ الرّسول، صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، يتصلونَ بـ [نبيِّهم، ثمَّ بعضِهم ببعضٍ، لا كما يتصلُ إنسانٌ بإنسانٍ، بل كما تتصلُ الأمواجُ بقوة المدِّ، ثمَّ كمَا يمدُّ بعضُها بعضاً في قوة واحدةٍ ] على تعبيرِ أميرِ البيانِ الرّافعيّ.
ولم تكنْ فلسفةُ محبّتهم هذهِ بمنقطعةٍ عنْ ذاكَ الكمالِ النّفسي فيهم، هذا الكمالِ الآتي منْ انعكاسِ الكمالِ النّبويّ في نفوسِهم، في حضورِهِ وغيابِهِ، في ضمائرِهم وعلانيّتهم ؛ فقد [ حقَّقوا في كمالِهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم وجودَهم النَّفسيَّ؛ فكانوا، من زخارفِ الحياةِ وباطلِها، في موضعِ الحقيقةِ الذي يُرَى فيهِ الشَّيءُ لا شَيءَ ].
وبهذا فقد كانَ أصحابُ النبيِّ المصطفى [أكبرَ علماءِ الأخلاقِ على الأرضِ، لا مِنْ كُتُبٍ ولا عِلْمٍ ولا فَلسفةٍ، بلْ من قلبِ نَبيّهِم وحدَهُ ] كما يبينُ أبو السّامي.
فهذا النّورُ الذي أفاءَ على الأرضِ، قلّبَ التربةَ منْ عمقِها، وراعى التّربيةَ منْ جذورها، فسقّاها بماءِ القلبِ، ورعاها بدفءِ الحبِّ الصّادقِ، والأبوةِ الحانيةِ، فخرجتْ أجيالٌ ترى حياتَها في فنائِها، وعزّ وجودِها في سعادةِ منْ حولِها، وكرامَتها في نصرةِ رسالةِ نبيّيها !
خرجتْ بهذهِ الرّسالةِ العزيزةِ نماذجُ إنسانيّةٌ ترى الدّنيا، بمفاتِنها، سبيلاً لجنّةٍ أرقى وأسمى، فما الهمُّ يأتيهِ مهاجماً، إلا رآهُ صفحةً من خيرٍ، تسوقُهُ إلى فتحٍ، فلا تلمحُ وهناً فيهم ولا خوراً، ولا تخاذلاً، قد كانوا مثالَ [المسلمِ يَضربُ بالسَّيفِ في سبيلِ اللهِ , فتقعُ ضرباتُ السُّيوفِ على جسمِهِ فتمزّقُهُ ؛ فما يَحسُّها إلا كأنَّها قُبُلُ أصدقاءٍ مِنَ المَلائكةِ يلقونَهُ ويعانقونَه ! ].
وقد كان الواحدُ فيهم [ يُبْتَلى فِي نفسِهِ ومالِهِ، فلا يَشعُرُ فِي ذلكَ أنَّهُ المرزَأُ المُبْتَلى يُعرفُ فيهِ الحُزنُ والانكسارُ، بل تظهرُ فيهِ الإنسانيّةُ المنتصرةُ كمَا يَظهرُ التّاريخُ الظّافرُ في بطلِهِ العَظيمِ، أُصيبَ في كلِّ موضعٍ من جسمِهِ بجراحٍ، فهيَ جِراحٌ وتشويهٌ وألمٌ، وهِيَ شهادةُ النَّصرُ! ] على بيانِ الرّافعيِّ رحمَهُ اللهُ تعالى.
وما تلكَ الصّورُ العاليةُ التي تتالتْ، في مشاهدِ الحبِّ،والتّقدّمِ، والعظمةِ، والخلودِ، في حياةِ الأمّةِ المحمديّةِ إلا نتاج هذا النّورِ الذي حلَّ على بني البشر، في شخصِ الحبيبِ المصطفى، وما حالُ التّردّي الذي تعيشُهُ هذهِ الأمّةُ، هذهِ السّنوات، إلا لعدمِ قدرتِها على استقبالِ ذرّاتِ هذا النّورِ، وتحليلها، وتفكيكِ رموزِ قوّتِها واستعلائِها، وحلّ أسرارِ بقائِها وأثرِها الدّائمينِ الباقيينِ إلى قيامِ السّاعةِ !
ولعلّ كلمة أديبِ الشّامِ الطنطاوي في خاتمةِ مقالتِهِ ( في ذكرى المولدِ ) تكونُ أمنيةً، تجدُ أسبابَ تحقيقها في أمّتنا التي تئنُّ ألماً، وتستصرخُ، فيها الأمّةُ، نجباءَها ومخلصيها من أبنائها، لتعودَ معالمُ النورِ كما كانتْ في سابقٍ منْ أيّامِ البهاءِ والهمّةِ والإنجازِ، يقول الشيخُ العلامةُ
[وإنّي لأرجو منَ اللهِ.. أنْ يكونَ يومُ ذكرى المولدِ النبويِّ، من هذا العامِ، فاتحةَ عهدٍ جديدٍ في تاريخِ الإسلامِ، كما كانَ يومُ المولدِ الشّريفِ فاتحةَ عهدٍ جديدٍ في تاريخِ العالمِ ].
حَواشي:
مقالة ( حقيقةُ المسلم ) كتبها أمير البيان أبو السامي مصطفى صادق الرافعي لجماعة الكشاف المسلم ببيروت في ذكرى المولد النبوي، وهي في كتابِهِ ( وحي القلمِ – الجزء 2/12).
مقالةُ ( في ذكرى المولد ) كتبها أديب الشّام العلامة علي الطّنطاوي، كتابه: نور وهداية -247