مُتعة الدّعاء مع الآخر
بقلم: عبد الهادي المهادي
أن يدعوَ الإنسان في أجلّ أوقاته، حين يكون ساجدا بين يدي خالقه، لوالديْه أمرٌ مفهوم ومعروف، فإن تجاوزَ فلأحد أفراد عائلته القريبة دون البعيدة، أمّا أن يُخليَ قلبه ويصفّي سريرته ويتوجّه بالتّضرّع والرّجاء لصالح أحد أصدقائه في الحيّ أو زملائه في العمل أو ما شابه، فإنّ الأمر يحتاج إلى أن نفهمَ “الخلفية” و”المعنى” اللّذين يستند إليهما هذا الفعل، لأنّه يتجاوزُ “نوع العلاقات” السائدة اليوم داخل مجتمعاتنا.
في بعض “الأوساط” يشاع بين المنتسبين إليها أن يَطلب أحدهم من الآخر إفرادَه بالدّعاء، خاصة في سجوده، وبالأخص ليلا في قيامه، ولكنّ عامة النّاس يُصابون بما يُشبه المفاجأة إن حصل معهم ذلك، لا يستوعبون الأمر ولا يفهمونه، لأنّ “العلاقات” الاجتماعية” فاسدة بيننا، وقائمة أساسا على المصالح الدّنيوية، والقليل من ينتبه لوجود “مصلحة أخروية” قد تجمعهم بين معارفهم.
لماذا كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ والصالحون، وأهل التربية، يطلبون من بعضهم البعض الدّعاء في ظهر الغيب؟ ولماذا كانوا يستجيبون لهذا الطلب حسب ما نقرؤه في السير وكتب التراجم والمناقب؟
يكفي أن أشير هنا إلى أنّه في الدّعاء مع الآخر “فائدة نفسية تربوية شخصية” متعلّقة بالدّاعي؛ فهو لا شكّ سيحسّ براحة، ومتعة، ورهافة، وجمال. سيحسّ بقربٍ من ذلك المدعوّ له وحبّ اتُّجاهه. سيعذره في أخطائه، وسيتعاطف معه في سقطاته، وسيرجو له خير الدّنيا والآخرة، وهذا من جملة “أعمال القلوب” التي تُصفّي السّرائر ويُبعد عنها أشواك الغلّ والأنانية والاستعلاء والحسد.
مثل هذه الأمور لا تُفهم بـ”العقل” و”النّظر” بل بأمر واحد ووحيد: التجريب.
عن أم الدرداء رضي الله عنها مرفوعاً: « دعوة المرء المسلم لأخيه بظَهْرِ الغيب مستجابة، عند رأسه مَلَك مُوَكَّلٌ كلما دعا لأخيه بخير قال الملك المُوَكَّلُ به: آمين، ولك بمِثْلٍ».[صحيح] – [رواه مسلم]