منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صور من رحمته صلى الله عليه وسلم بأهل الكتاب ـ اليهود أنموذجا ـ

الدكتور مصطفى العلام

0

صور من رحمته صلى الله عليه وسلم بأهل الكتاب

ـ اليهود أنموذجا ـ

الدكتور مصطفى العلام

مقدمة:

تحل بنا في هذه الأيام ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مناسبة عظيمة لتجديد عرى المحبة والاتباع له، والتذكير بشمائله وصور رحمته بالخلق أجمعين، ومنهم أهل الكتاب والمخالفين، وخاصة اليهود أعداء الإسلام والمسلمين .

فكيف كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم رحيما باليهود على الرغم من عدائهم له وللإسلام والمسلمين؟ وهل في رحمته صلى الله عليه وسلم تعارض واضح مع ما سنه من عقاب الظالمين والمعتدين؟ وكيف يتعامل المسلم مع يهود هذا الزمان ومنهم صهاينة اغتصبوا أرض فلسطين وقتلوا وشردوا الفلسطينيين؟

1ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة للعالمين

بعث الحق سبحانه وتعالى محمدا ﷺ رسولا بشيرا ونذيرا، وسراجا منيرا، ورحمة للعالمين  أجمعين، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعٰلَمِينَ﴾ الأنبياء:107، وقد عمت رحمته المؤيدين والمخالفين، والموالين والمعادين، والمؤمنين والكافرين، وأهل الكتاب أجمعين.  وفي تفسيره لهذه الآية’ الأنبياء 107′ يقول القاضي عياض: «قال أبو بكر محمد بن طاهر: زين الله تعالى محمدًا ﷺ بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب». . [1]

وقال السمرقندي في تفسيرها: «يعني: ما بعثناك يا محمد إلاَّ رحمة للعالمين يعني: نعمة للجن والإنس ويقال للعالمين أي: لجميع الخلق لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق، وكان رحمة للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة، ورحمة للمنافقين حيث أمِنوا القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب.» . [2]

أما ابن ‘عاشور’ فيرى أن النبي صلى الله عليه وسلم صار وجوده كله رحمة مع سائر أكوانه، بالقول «فطر على خلق الرحمة في جميع أحوال معاملته لأمته واتحد بالرحمة وانحصر فيها، فصار وجوده رحمةً وسائر أكوانه رحمة.»  [3] .ومن تم حضرت هذه الرحمة في سرائه وفي ضرائه، وفي سلمه وفي حربه، ودعا أصحابه وأمته إلى التحلي بالرحمة وحضهم عليها، وحذرهم من القسوة والعنف.

وتأكيدا لما جاء في كتاب الله يصف رسول الله ﷺ نفسه بقوله: «أنا نبي الرحمة»  [4]، وقوله: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة».  [5] . وعن أبي هريرة قال:«قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال «إني لم أبعث لعانا. وإنما بعثت رحمة». [6].

ولقد حث النبي ﷺ على الرحمة بالناس كلهم، فقال ﷺ: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس».  [7].  وقال ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم» [8] ، وقال: «وإنما يرحم الله عز وجل من عباده الرحماء»  [9] . وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». [10]. ولما قيل له ادع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة». [11]

وهذا من رحمته ﷺ بالمخالفين ، لأنه كان يحب دخول الناس في الإسلام، فلا يعجل بالدعاء عليهم  ويرجو توبتهم وإذعانهم للحق.

2ـ موقف اليهود من نبي الرحمة ورسالته

بداية لابد من بيان حال من شملتهم رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود، رغم طبيعتهم التي أشارت إليها آيات القرآن العظيم وأحاديث سيد المرسلين، والتي اتسمت بالخبث والسوء والعداوة والكيد والقتل، ولتتجلى لنا عظمة رحمة رسول الله ﷺ باليهود الغاصبين. نرجع إلى كتاب ربنا العليم الخبير بما يسرون وما يعلنون ـ الذي شهد الله فيه على اليهود بكفرهم بآياته، ونقضهم لعهودهم، وقتلهم لأنبيائه، وكذبهم على أوليائه، وتحريفهم الكلام عن مواضعه، وخيانتهم لأماناتهم:

ـ قال تعالى فيهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء:155 – 156.

ـ و قال عز وجل أيضا:  ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَالمائدة: 13.

ـ وفي موضع آخر قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِالبقرة: 109. وهو إخبار من الحق سبحانه وتعالى أن اليهود  يتمنون كفر المؤمنين وردتهم عن دين الإسلام حقدا وحسدا من عند أنفسهم، بعدما عرفوا بأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق.

ـ قال عز من قائل :﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا المائدة:82.

وهي آية محكمة بين فيها الحق سبحانه وتعالى أن اليهود والذين أشركوا أشد عداوة للمؤمنين،يقول ابن عطية رحمه الله في تفسير هذه الآية: «وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله؛ وهكذا هو الأمر حتى الآن؛ وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم؛ ودربوا العتو والمعاصي؛ ومردوا على استشعار اللعنة؛ وضرب الذلة والمسكنة؛ فهم قد لحجت عداوتهم؛ وكثر حسدهم؛ فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين». وقال السعدي في بيانها أيضا: «فهؤلاء الطائفتان ـ اليهود والمشركون ـ على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا». [12]

ورغم كل هذا المكر والكيد وشدة العداوة شملتهم رحمة رسول الله ﷺ وعمهم فضله، كيف لا وهو الرحمة المهداة للعالمين من الرحمن الرحيم.

2ـ من رحمته صلى الله عليه وسلم باليهود

إن المتتبع لأحداث السيرة النبوية ليجد قصصا تدل كلها على معاني الرحمة باليهود، على الرغم من طباعهم التي وصفتها آيات القرآن العظيم وأحاديث سيد المرسلين، ومنها:

ـ إسلام الغلام اليهودي وإنقاذه من النار: كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار». [13].

ـ  حرص الرسول على إسلام عبد الله بن سلام:  وذلك «… لما جاء نبي الله ﷺ – إلى المدينة -جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد عَلِمَت يهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم، وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا فيّ ما ليس فيّ. فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا. وأني جئتكم بحق، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه. قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار. قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأَعْلَمُنا وابن أَعْلَمِنا. قال: أفرأيتم إنْ أَسْلَمَ. قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم. قال أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم. قال: يا ابن سلام اخرج عليهم. فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فو الله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله ﷺ». [14] .

ـ الدعاء لهم بالهداية: ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَعَاطَسُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ،فَكَانَ يَقُولُ:«يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» [15]

ـ عيادة مرضى اليهود والقيام لجنازتهم: ومن رحمته ﷺ باليهود أنه كان يعود مرضاهم، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ – فمرض، فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ – وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار».. [16]

وقد كان رسول الله ﷺ يقوم للجنازة حتى تتوارى مهما كان دين الميت، فقد روى جابر بن عبد الله قال: «مرَّ بنا جنازة، فقام لها النبي ﷺ وقمنا. فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي. قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا» [17] .

وروي أنه مرَّت به ﷺ جنازة فقام لها واقفاً، فقيل له: «يا رسول الله! إنها جنازة يهودي». فقال: «أليست نفساً».  [18].

ـ اعترافه بحقوق اليهود ووجودهم بالمدينة المنورة: وقد نصت على ذلك وثيقة المدينة ،وهي معاهدة بين المؤمنين فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين يهود المدينة من جهة أخرى، ومما جاء فيها مما يخص اليهود: أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا مَن ظَلَمَ وأَثَم، فإنه لا يوتِغ – أي يُهلك – إلا نفسه وأهل بيته. وأن لكل يهود المدينة مثل ما ليهود بني عوف، وأن بطانة يهود كأنفسهم. وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وأن بينهم النصح والنصيحة، والبِرَّ دون الإثم.

وأن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البرّ المحض من أهل هذه الصحيفة. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيف.»[19]

ـ صور عفو ورفق الرسول صلى الله عليه وسلم باليهود: ومن صور ذلك :

ـ مع المرأة اليهودية صاحبة هدية الشاة المسمومة: أنه كان ﷺ قبل هدية امرأة يهودية أهدت إليه شاة مسمومة فأكل منها، ولم يأمر بقتلها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنهَا، فَجيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ – قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ – قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا ؟ قَالَ: لَا». [20] .وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري أن ذلك كان بعلم من اليهود وأنهم اعترفوا بذلك، ومع ذلك لم يأمر ﷺ بالانتقام لنفسه لا منهم ولا منها. لكنه قتلها بعد ذلك قصاصا لموت الصحابي بشر بن البراء رضي الله عنه، الذي كان معه ﷺ وكان أكل أيضا من الشاة المسمومة.

ـ مع اليهودي الذي سحر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ومن صور رحمته كذلك باليهود أنه لما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، وعافاه الله من السحر، لم ينتقم منه ولا أمر بقتله. «ومَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ وَلَا رَآهُ فِي وَجهِهِ قَط». [21].

ـ مع الرهط من اليهود أصحاب قول “السام عليكم” : تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّام عَلَيْكُمْ. قالت عائشة: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللعْنَةُ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَهْلاً يَا عائشة؛ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْق فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» وفي رواية: «وَإيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» [22].والسام: الموت. وقد ترك عتابهم لأنه يعلم مكرهم وخداعهم وكذبهم، ولو فعل لادعوا أنهم قالوا: السلام عليكم. ولا يحكم عليهم بعلمه وشهادة زوجه عائشة رضي الله عنها. وأنه لا يرغب في عداوتهم، ويقصد بذلك سيادة خلق العفو والصفح والحلم في المجتمع، وعدم مقابلة السيئة بمثلها.

ـ مع زيد بن سعنة وكان من أحبار اليهود: قال زيد بن سعنة: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرتُ إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فكنت أتلطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله.

قال: فخرج رسول الله ﷺ من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، وكنت أخبرتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابهم شدة وقحط من الغيث، وأنا أخشى – يا رسول الله – أن يخرجوا من الإسلام طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا، فإن رأيت أن تُرسل إليهم من يُغيثهم به فعلت. قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى رجلٍ جانبه -أراه عمر- فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله.

قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه، فقلت له: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: «لاَ يَا يَهُودِيُّ، وَلَكِنِّي أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا أُسَمِّي حَائِطَ بني فُلانٍ،» قلت: نعم. فبايَعَنِي ﷺ فأطلقت هِمْيَاني، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا. قال: فأعطاها الرجل وقال: «اعْجِلْ عَلَيهِمْ وَأَغِثْهُمْ بِهَا».

قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، ونفر من أصحابه، فلما صلَّى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني -يا محمد- حقي؟ فو الله إنكم -يا بني عبد المطلب- قوم مطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم!!

قال: ونظرتُ إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره وقال: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل به ما أرى؟! فو الذي بعثه بالحق، لولا ما أحاذر فَوْتَه لضربت بسيفي هذا عنقك. ورسول الله ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: «يَا عُمَرُ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا؛ أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ». قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رُعْتُكَ. فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحبر؟ قلت: نعم، الحبر. قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ﷺ ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتُها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأُشهدك -يا عمر- أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي -فإني أكثرها مالاً- صدقة على أمة محمد ﷺ. فقال عمر: أو على بعضهم؛ فإنك لا تسعهم كلهم. قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله».  [23].

3ـ هل هذه الرحمة تقتضي السكوت على اليهود الظالمين المعتدين؟ أم تقتضي معاقبتهم بما يستحقون لحماية الدين ورحمة المظلومين؟

يظن بعض الناس، أن هناك تعارضا وتناقضا، في الجمع بين الرحمة والعقاب. وجوابا على ذلك يقول الرازي في دفع شبهة كونه صلى الله عليه وسلم رحمة ومجيئه بالسيف: «فإن قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟ قلنا: الجواب من وجوه: أحدها : إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة. وقال:﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَـاٰرَكاً﴾ق: 9 ، ثم قد يكون سبباً للفساد.

وثانيها: أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة.» . [24]  .

وقد كان ﷺ لا يغضب ولا ينتقم لنفسه، لكنه يغضب ويعاقب إذا انتهكت حرمات الله، ومثال ذلك :

مع يهود بني قينقاع : حين عاقب أولئك اليهود من بني قينقاع الذين اعتدوا على امرأة مسلمة في السوق وهي عند صائغ، واحتالوا عليها ليكشفوا عورتها [25] نكاية بالمسلمين وتشفيا فيهم. وهددوا النبي ﷺ بالقتال، فقالوا: «يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس».  [26]. فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة وأراح المؤمنين منهم.

مع يهود بني النضير: ونفس العقاب أنزله ببني النضير لما تكررت محاولاتهم لقتل النبي ﷺ، وحضوا قريش على غزو المدينة، ودلوهم على العورة، أمر النبي ﷺ بإجلائهم من المدينة.  [27]

مع يهود بني قريظة:  وأما يهود بني قريظة فقد قتل النبي ﷺ مقاتليهم لما غدروا به يوم الأحزاب، وتحالفوا مع قريش والعرب ضد المسلمين، وخانوا العهود معهم. و أيضا لما اشتد أذى كعب بن الأشرف اليهودي للمسلمين، وخاض في أعراضهم، وشبب بنسائهم في شعره، وذهب إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين أمر النبي ﷺ بقتله.

خاتمــة:

وختام القول أن رحمته  ﷺ  شملت الخلق أجمعين، ومنهم اليهود من أهل الكتاب، وكل ذلك لم يمنعه صلى الله عليه وسلم من عقاب اليهود المعتدين حين تنتهك حرمات الدين .

وحاجتنا اليوم إلى فقه هذا الخلق العظيم ،خلق الرحمة بالمخالفين ومنهم اليهود المعتدين، اقتداء في ذلك كله بسيد الخلق الرحمة المهداة رسول الله ﷺ. لكن مع التمييز في تعاملنا مع اليهود في زماننا، بين المسالم منهم والمحارب، وبين المحايد منهم والمظاهر، وبين الغاصب للبلاد المذل للعباد والمعاهد الموفي بالعهد، وبين اليهود والصهاينة، وبين الظالم المعتدي والبريء المسالم، وبين من يستحق الرحمة والبر منهم ومن يستحق القتال والجلاء من بلاد المسلمين، كالصهاينة الغاصبين لبلاد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ـ فك الله أسره ـ آمين والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

[1] كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 1 / 56

[2] انظر تفسير بحر العلوم للمؤلف في تفسير الآية الكريمة

[3] انظر التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور في تفسيره الآية 107 من سورة الأنبياء ،بتصرف طفيف

[4] رواه مسلم

[5] أخرجه الحاكم أبو عبد الله وقال: «صحيح على شرطهما»، ووافقه الإمام الذهبي ورواه البزّار والطبراني في الصغير و الأوسط

[6] رواه مسلم

رواه مسلم [7]

[8] متفق عليه

[9] أخرجه السيوطي وحسنه الألباني.‌ انظر حديث رقم‌:‌ 2381 في صحيح الجامع

[10] أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، تفرد به سفيان

[11] سبق تخريجه

[12] انظر تفسير: تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن لعبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره لنفس الآية

[13] رواه البخاري

[14]  رواه البخاري

[15] أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني

[16]  سبق توثيقه

[17]  رواه البخاري

[18]  رواه البخاري ومسلم

[19] بسيوني، محمود شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة، 2003

[20]  رواه البخاري ومسلم

[21] سنن النسائي، وصححه الألباني عن زيد بن أرقم

[22] رواه البخاري ومسلم

[23] ابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: روى ابن ماجه منه طرفًا، ورواه الطبراني، ورجاله ثقات

[24]  التفسير الكبير للرازي في تفسير الآية: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾

[25] نقله ابن حجر في  فتح الباري  وحسَّنه «7 / 332، وقال الشيخ الألباني: إسناده مرسل معلق

[26] سنن أبي داود والسنن الكبرى للبيهقي وجامع البيانل ابن جرير الطبري

[27] انظر المغازي  للواقدي «1 / 363 – 370» و  سيرة ابن هشام  «3 / 682

[28] القصة وردت في صحيحي البخاري ومسلم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.