منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غنمي أَوَّلاً (قصة قصيرة)

غنمي أَوَّلاً (قصة قصيرة)/ لحسن شعيب 

0

غنمي أَوَّلاً (قصة قصيرة)

 بقلم: لحسن شعيب 

تغادرُ قطعان الأغنام زرائبها قبل طلوع الشمس، وتنتظم في صفوفٍ، يتقدم كُلاًّ منها كلبُ حراسة، ويمشي خلفها رعاتُها يقودونها للمنتجعات المحيطة، وحين ترسل الشمس أولى أشعتها على حقول أيت هاني[1]، تكون الأغنام قد بلغت مراعيَها، والرعاة يُعدون فطورهم استعدادا لبداية يوم جديد بهمةٍ ونشاط.

وكان عَلِيٌّ أفضل الرعاة هناك، كان رَبْعَةً، وذا شعر أسود حريري، يظهرُ جزءٌ من ناصيته تحت عمامة زرقاء يَلُفُّها مرات على رأسه، وكان عَلَى جبينه جهة اليمين أثرُ شجَّةٍ قديمةٍ، سببُها ضربةُ حافرٍ لبغلةٍ في لحظة هياج. وكان يحمل جِرابا يضع فيه زاد يومه، وعصاً يهُش بها على غنمه، وناياً من قصب أصفر طويل. وكان علِيٌّ إذا مشى أسرع، وإذا عزف على نايه أبدع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب بعصاه أوجع، وإذا أطْعم أشبع، إذْ كان كلما حل به أضياف يعمد إلى شاة أو معزة يذبحها ويقدمها طَيِّبَةً بها نفسه قِرى لأضيافه، وكان قطيعه ينمو ويزيد. وكان راعيا مخلصا محبوبا كريما شجاعا، ورغم أنه كان أُمِّياً لم يَلِجِ المدرسة يوما، فإنه كان حكيما، عَلَّمَهُ الرعيُ حكمةً لا تُعَلِّمها المدرسة، ولأنه كان ينطق بعبارات لا تتسع لها حُويصلة الناس حوله، فقد كانوا ينادونه بالمجذوب.

كانت أغنام علي في تزايدٍ، وكان الكلأُ وافرا، كما كانت الحقولُ مصدرا آخر لعلف الماشية، ففيها مساحات مزروعة فَصَّةً وبرسيما، وأخرى مزروعةٌ قمحا، يُفصل عنه التبن بعد كل عملية دَرْسٍ؛ ولكن دوام الحال من المحال، فقد مرت على المنطقة سنوات من القحط، جَفَّ فِيهِنَّ الضرع ويبس الزرع، وارتفعت أثمان علف الماشية، وكان على الرعاة قطع مسافات مضاعفة بحثا عن مراعٍ جديدة، لكنهم يعودون خالِيِي الوفاض، وكانتِ الأغنامُ تغدو وتروح خماصا، ولا تجد غير الصُّبار والشِّيح ونباتات أخرى قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع.

وذات يوم، وبينما كان عَلِيٌّ في طريقه لاكتشاف مراعٍ جديدة، مَرَّ بجانب مقبرة قد تَهَدَّم جزءٌ من سورها؛ وقف واستوقف غنيماته هُنيهةً يستكشف المكان، وكأنه يراه لأول مرة، وقف أمام الباب الخشبي للمقبرة، ونظر من شقوقه الطويلة إلى الداخل، فرأى بين القبور وحواليها عُشباً كثيرا ووفيرا، وصار يُجيل نظره على نعاجه النحيلة مرة، وأخرى على الكلأ الوفير داخل المقبرة، وسأل نفسه: “لِمَ لا أُدْخِل غنمي إلى المقبرة، فهي جائعة وبحاجة إلى كلأ، لكن لا يصح دوس القبور، فللأموات حرمة… صحيحٌ، لكن للأحياء حرمة أيضا، والأموات الذين ربما لم يتبق شيء من أجسادهم ليسوا بأحوجَ لهذه الأعشاب الطفيلية النابتة على مراقدهم أكثر من غنمي… هل أتسلل ليلا وأجمع من تلك الحشائش؟ ألن تهاجمني العفاريت والأرواح الشريرة؟

واصل سيره أميالا مع أغنامه لا يرى غير جبالٍ صمَّاءَ مخيفةٍ لا أثر للحياة فيها، ثم عاد إلى بيته، وجفاه النوم ليلتها. كان كل تفكيره في المقبرة وما فيها من خيرات، ووَمَضَتْ في ذهنه فكرة باتت تلح عليه طول الليل، وفي الصباح خرج باكرا وقصد المقبرة، توقف هناك وقَرَّرَ أن يجد طريقة للرعي داخلها، لم يكن الجزء المهدم من السور يسمح بدخول الأغنام، فذهب جهة الباب وبقي ينظر من خلال شقوقه الكثيرة، هَزَّ الباب هزا ودفعه فانفتح، دخل مع غنمه وكلبه، ثم أغلق الباب من الداخل، وصار ينظر إلى الخارج من خلال ثقب قُفْلِ الباب الخشبي الكبير، وكان يخشى أن يموتَ أحدٌ، فيأتي الحفارُ فيُكشَف أمرُه.

لم يمت أحد، لكن ثُغاء الأغنام السعيدة ببعض الكلأ فضح الأمر، وسرعان ما وصلت الأخبار إلى مقدم الدوار ثم إلى القيادة.. لم تتوسط الشمسُ كبد السماء بعدُ، ولم يمض على المأدبة الفاخرة لأغنام عَلِيٍّ أكثرُ من ساعتين ونصف حتى توقفت سيارةٌ رباعية الدفع عند باب المقبرة، ونزل منها خليفة القايد واثنان من مرافقيه، دفعا الباب ودخلا، وكم كانت دهشتهما عظيمة! الخبر كان صحيحا: أغنام علي في كل مكان ترعى بين القبور، وكلبه باسط ذراعيه ونصف عينه مغمضة، بينما كان الراعي جالسا بعيدا قليلا عن القبور يحتسي شايا ويقضم من خبز “أفدير”[2].

فُتح البابُ، ودخل المخزنيان يدفعان عَلِيّاً، كان القائد منهمكا في توقيع بضعة أوراق؛ رفع رأسه، وقال:

– أنت ثانيةً؟ ألا تعرف حرمةً لأحد؟

– بلى أعرف أعرف؛

– لماذا اقتحمت المقبرة إذا؟

– لم أقتحمها، وجدتُ بابها مفتوحا، فدخلتُ وأدخلتُ غنمي، ثم إنها ليست ملكا خاصا لأحد؛

– لكن ذلك لا يجوز قانونا ولا شرعا؛

– وهل يجوزُ أن تموت أغنامي جوعا، بينما الكلأ وفيرٌ في المقبرة؟

– لا أدري هل أنت غَبِيٌّ أم تتغابى؟

– ههه، شيء من هذين..

– أتعرف ما ينتظرك هذه المرة؟

– وماذا ينتظرنا معا غيرُ الموت؟ مات نصف قطيعي جوعا، وتريدُ أن يموت النصف الثاني، بينما أحاول أنا إنقاذه… ثم إننا سنموت جميعا، أنا وأنت والخليفة حْمُّو والمخازنية أيضا. هل هناك أفظع من الموت؟

– الأموات في قبورهم يستريحون، وأنت أقلقت راحتهم..

– وهل أخبروك بذلك؟ هل نصَّبوك محاميا عنهم؟ ثم قل لي ماذا يضيرُ ميتا أن أكلت نعجةٌ أو خروف عشبا نما على قبره؟ أليس الأحياء أولى بالعناية والاهتمام من الأموات؟ يجب أن تُطْعِم الجياع قبل أن يقتُلهم الجوع، أما إن أهملْتهم حتى ماتوا، فما يصنعون بقصعة كسكس تُطْعِمُها المُعَزِّين؟ الكلأُ حَقٌّ للأحياء لا للأموات، وأنت عَيَّنُوك قائدا هنا لتنظر في شؤون الأحياء… سعادة القايد، أنت ضيعتَ حقوق الأحياء، فكيف تدافع على حقوق الأموات؟

كان علي يتكلم برباطة جأش، وكانت كلماته تسلُك في أذن مستجوِبِه، الذي استشاط غضبا، وقام من أريكته يَهُمُّ بصفعه، لكن تناهى إلى سمعه صفيرٌ وصراخٌ في الخارج، أطل من نافذة مكتبه، فرأى العشراتِ يتجمهرون ويهتفون باسم عَلِيٍّ، وفي تلك الأثناء رن الهاتفُ..

– ألو سيدي، مرحبا؛

– هناك وَفْدٌ من دولة صديقة يقوم بجولة ثقافية، وسيصل عندكم هذا المساء، ولا أريد أية مشاكل.. إن حصل أي شيء يعكر هذه الزيارة، فاعلم أن انتقالك وترقيتك معا سيكونان في كف عفريت؛

– عُلِم سيدي، شكرا؛

أَغْلق الخط، وأخلى سبيلَ علي، الذي خرج من هناك شامخا كما دخل، واستقبله المتجمهرون بنقر الدفوف وبأهازيج محلية، مُدَّ إليه نايُه، فنفخ فيه وانبعث منه لحن حزين لكنه جميل، بعدها تفرق الجمع ومضى كل لحال سبيله، فيما كانت السماء ترسل أولى قطراتها بعد قحط طويل.


[1] – قرية من قرى الجنوب الشرقي للمغرب

[2]  – نوع من أنواع الخبز المعروفة في منطقة أيت هاني، يتم إعداده على حجارة ساخنة، يستعمله الرعاة طعاما لهم، وتكفي كسرة منه ليوم كامل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.