منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسجدي في الحياة

مسجدي في الحياة/ رشيد الذاكر

1

مسجدي في الحياة

بقلم: رشيد الذاكر

إن من قواعد الحياة الإيمانية التي يجد صداها كل من تلمس هدايات الإسلام في نوره النازل من السماء أو الصادر عن سيد الأنبياء (القرآن والسنة): أن من رضي لنفسه أن يكون حسن السلوك في مكان سيئه في مكان آخر، جميل الفعال أمام ملأ من الناس، قبيحه أمام الغير – من رضي بهذا – فليس بذي نفس سوية، ولا ذات أبية، قال ربي جل في علاه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } [البقرة: 14 – 16] فليس من شيم المؤمن البصير بإيمانه، أن يغير أقواله ومواقفه وسلوكه تبعا للمكان الذي يوجد فيه، فكل من تلبس بهذا فظهر هنا بمظهر، ثم غير لبوسه بمجرد تغير الناس أو مكان الوجود، فمن فعل هذا فقد خلع على نفسه تاج شرار الخلق: فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن شر الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه»[1].

فإذا تقرر هذا وأتضح أمامك عزيزي القارئ، أن المسلم لا يكون مثل صاحب الوجهين: فهل تسمح لنا أن نسير معا في هذا الطريق حتى يطابق الحال المقال؟ وحتى تصبح الصورة واحدة في أي مكان وُجدنا ومع كل من تقابلنا.

ولتكن بداية الطريق من مساجد الله: خير بقاع الأرض وأجمل ما فيها: فـ«أحب البلاد إلى الله مساجدها»[2].

ولتكن الانطلاقة من يوم الجمعة أفضل الأيام وأجلها عند الله تعالى، «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة»[3].

فيوم الجمعة نستقبله بكل فرح وسرور نفس، ولنا أمل لصلاة الجمعة، ننتظر لحظة الخروج من العمل لنعود سِراعا إلى منازلنا، فنغسل غسل الجمعة، ثم نلبس أجمل الثياب ونمس من الطيب، فنحن عازمون على المضي إلى المسجد ولا نريد أذية عباد الله، وفي بيت الله، نفعل هذا استجابة لأمر الله: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] وكذا طاعة  لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الذي علمنا أن:«غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه»[4].

ثم نخرج عامدين إلى المسجد وعلينا السكينة والوقار سوء كنا ركبانا أو مشاة، فقد قال لنا نبيا صلى عليه الله وسلم «فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا»[5].

وعندما نصل المسجد تجدنا أحرص الناس على الوصول إلى الصف الأول، مع شدة الاحتراز عن أذية الناس، ثم نجلس وكلنا آذان صاغية لخطبة الإمام: حتى وإن لم تعجبنا الخطبة أحيانا، كل ذلك لأننا في بيت الله … بعدها نقوم للصلاة في صفوف متراصة: (صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) تنتهي الجمعة والصلاة ونخرج رويدا رويدا مع الحرص على تجنب الأذية.

تأمل معي كل سلوك يصدر منا في بيت الله سوف تجده في منتهى الحسن والبهاء: فإن وجدت مالا: سلمته للإمام المسجد، إن اعتذر إليك أحد عن خطأ: قبلت اعتذاره على جهة السرعة مع الابتسامة العريضة، تساعد من لم يستطع القيام من الكبار، تمد يدك للسلام على الجميع، إن رأيت قذارة أزلتها من بيت الله … كل ما تراه عيناك ينبعث منه الجلال الجمال وتعلوه الروعة والصفاء، ويفترش الآداب وحسن الأخلاق، إنه دين الإسلام في بيت الله، فهل يمكننا نقل هذه الصورة إلى ميدان الحياة؟ أم أن الدين لا يقام إلا في بيوت الله؟

إن المؤمن الذي يعرف الله، ويعرف دين الإسلام: لا يفرق أبدا بين إسلامه في مسجده وإسلامه في مكتبه، أو سوقه، فالله على كل شيء رقيب، سواء كنا في المسجد أو كنا في غيره: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282]

فأساس بناء مسجد الحياة أن تكون مراقبة الله عندنا أساس البناء {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235] فالمراقبة: دوام علمنا وتيقننا باطلاع الله سبحانه وتعالى على الظاهر والباطن، فاستدامة هذا العلم واليقين: هو المراقبة: وهو ثمرة علمنا بأن الله سبحانه رقيب علينا، ناظر إلينا، سامع لأقولنا، مطلع على أعمالنا في كل وقت، وكل لحظة، وكل نفس، وكل طرفة عين.

فإذا استطعنا جميعا الدخول من هذا الباب، كانت البداية نحو تأسيس مسجد الحياة. وسوف نعمل فيما يأتي فقط: على نقل صورة المسجد الذي صلينا فيه الجمعة، إلى مسجد الحياة، فلنكمل الطريق على متن هذه الخطوات:

الخطوة الأولى: مساجدنا في كل مكان: يقول النبي صلى الله عليه وسلم (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)[6] إن المسلم عندما يدرك أن كل الأرض بالنسبة له هي مسجد، فعندها تراه قرآنا يمشي على الأرض، عندها ترى الحياة في معناها الإيماني الكبير في سلوكه وتصرفاته وأفعاله.

الخطوة الثانية: النظافة والنقاء باستمرار: فالمؤمن أنظف إنسان على وجه الأرض: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] فالنظافة منهجنا والنقاء عنوان وجودنا، غير أننا أحيانا ما نخالف هذا المبدأ، فيبدوا حالنا وكأننا من الوسخ خرجنا في حين أن منبعنا الطهر: حسا ومعنى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]. هذا ما يجب نقله إلى منازلنا وشوراعنا وفي كل بقعة وطئتها أقدامنا.

الخطوة الثالثة: جمال التعامل وحسن الخطاب: تذكر سلوكك الجميل في مسجد الله ثم انقله للحياة، لأن من أطعته في بيت الله هو نفس الآمر لك في مسجد الحياة {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18، 19]

الخطوة الرابعة: الحرص الكبير على الوقت: في هذه الخطوة لو تأخرنا قليلا عن وقت صلاة الجمعة حتى سلم الإمام، فهل ستبقى جمعة أم تنقلب ظهرا؟ قطعا وجزما لم ولن تبق جمعة بل تصير ظهرا وتصلى أربع ركعات، فقط لأننا تأخرنا، نفس شيء في عملنا، فنحن أمة تراقب الله في الحرص على المواعيد {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا } [مريم: 54] فهل من لا يصل إلى عمله إلا متأخرا، ولا يحترم مواعيده، ولا يضبط وقته، يستحق أن يكون من أتباع أنبياء الله الصالحين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]

الخطوة الخامسة: التعاون مع الغير نَفَسُ المؤمن في الحياة: قبل قليل كنت في المسجد تعين كل من احتاج إليك وقدرت على إعانته، هذه الصورة الناصعة الفاتنة، تعال معي لننقلها لمسجد الحياة، فنحيى ونعيش على مبدأ { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [المائدة: 2] تأمل الأمر جيدا لتجد أن التعاون في الحياة هو منهج المؤمن وطريقه نحو التقوى، والمؤمن وحده في صفحة هذا الكون يستشعر بحب وألم معاناة البشرية، فيسعى جهده لمد يد العون والمساعدة: فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه »[7]

الخطوة السادسة: الإتقان في العمل، يحرص الجميع من المسلمين على اتقان الوضوء والصلاة، ويزداد هذا الحرص في صلاة الجمعة، فهو يوم معظم عند الله تعالى، إن هذا العمل مما يجب نقله للحياة في كل جوانبها، لأن الذي أوجب الاتقان في الصلاة هو من اوجبه في كل الحياة، والمؤمن الحق لا يفرق بين أوامر الله وأحكامه، قال الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85]

الخطوة السابعة: الازياد من العلم في كل وقت وحين: جلسنا في المسجد ونحن حرصون على سماع الخطبة، وتعلم ما فيها… إن هذا المنهج يجب نقله من الجمعة إلى الحياة، وكيف لا ينقل وأول خطاب تلقاه الإنسان هو خطاب التعليم {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] فشرف الإنسان لا يكون إلا بالعلم، ومتى تعرى الإنسان عن سلوك طريق العلم، فإنه يتعرى عن إنسانيته التي أراده الله أن يكون عليها: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]

إن مسجد الحياة لا يكون بالانتساب اللحظي لصلاة الجمعة وإنما بنقل ما نمارسه في الجمعة إلى واقع الحياة، من نقاء وتعاون، وحرص على الوقت، وازدياد في العلم، واتقان في العمل، وحسن التعامل… فإننا إذا فعلنا ذلك كنا حقا مسلمين لفظا ومعنى.


[1]  صحيح البخاري، باب: باب ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك، رقم (7179)

[2]صحيح مسلم، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد، رقم (671)

[3] سنن الترمذي، باب فضل يوم الجمعة، رقم: (488)

[4] صحيح مسلم، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، رقم (846)

[5] صحيح البخاري، باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأت بالسكينة والوقار، رقم (636)

[6] صحيح البخاري، كتاب التيمم ، رقم (73)

[7] صحيح مسلم، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم: (2699)

تعليق 1
  1. سلمى يقول

    جميل وفقكم الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.