منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مواطنة المسلم في بلاد الغرب

حميد نعيمي

0

مواطنة المسلم في بلاد الغرب

بقلم: حميد نعيمي

يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:

”المواطنة بين الإسلام والغرب دراسة مقارنة”

 المطلب الأول: التأصيل الشرعي

في السيرة النبوية هناك عدة نماذج تؤكد مشروعية عيش المسلم مع قوم غير مسلمين منها:

1 – ضماد الأزدي رضي الله عنه: الذي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام وعاش مع قومه الكفار حتى الهجرة النبوية، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح (الجن)، فسمع سفهاء من أهل مكة، يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أنِّي رأيتُ هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك أرقيك؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد.. قال: فقال: أعِدْ علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر(أي وسطه)، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى قومك؟، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟، فقال رجل من القوم: أصبت منهم مِطهرة، فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد.[1]

2 – عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه: فعن أبي أمامة قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جرء عليه قومه فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال: فذهبت إلى أهلي وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة…[2] فقد أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يبقى مع قومه إلى حين قدومه إلى المدينة.

3 – الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه: الذي أسلم في مكة ورجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام فأسلم القليل منهم واشتكى ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم وطلب منه الدعاء عليهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسا قد هلكت عصت وأبت فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد دوسا وأت بهم”.[3]

4 – أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: الذي أسلم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري[4]، فقد أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالذهاب إلى قومه الكفار والعيش بينهم حتى يأتيه أمر منه.

5 – المهاجرون إلى الحبشة رضي الله عنهم: الذين فضلوا البقاء في الحبشة يعيشون مع أهلها غير المسلمين لسبع سنوات بعد الهجرة النبوية، ولم يرجعوا للمدينة المنورة إلا في غزوة خيبر وقتئذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَفْرَحُ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ”[5]، ولم يذكر في أي من كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الالتحاق به في المدينة بحجة عدم جواز العيش مع الكفار، أو بحجة تكثير سواد المسلمين، ولو كان ذلك لحصل أول قدومه إلى المدينة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلبهم إلا بعد الحديبية حين أرسل عمرو بن أمية الضمري فطلبهم من النجاشي وحملهم على سفينتين، وهذا يدل على مشروعية العيش المشترك مع غير المسلمين.[6]

وقد أفتى المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بصحة مواطنة المسلم في بلاد المهجر حيث قرر: “الصواب صحة المواطنة في غير ديار الإسلام سواءٌ للمسلم الأصلي أم المتجنس، وأدلة المانعين إما صحيحة لا تدل على المنع أو أحاديث غير صحيحة لا يعتد بها في الاستدلال الفقهي”.[7]

 المطلب الثاني: واجبات المواطنة وحقوقها

هناك قاعدة عامة توضح علاقة المسلم مع الآخر غير المسلم، تبعا لموقف وعلاقة الآخر معه، وهذه القاعدة يشير إليها قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الممتحنة:8، فالقسط والبر هو الذي ينبغي أن يسود هذه العلاقة.

ومن بين واجبات المواطن المسلم في بلاد المهجر:

1 – الوفاء بالعهد واحترام المواثيق التي يعقدها مع الآخر حيث تكرر الطلب القرآني والنبوي بذلك في أكثر من موضع، منه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ الإسراء:34، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يصلح في ديننا الغدر” كما جاء في سيرة ابن هشام رواية عن ابن اسحاق: “فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبس بمكة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك؛ قال: يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: “يا أبا بصير، انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا”.[8]

2 – الجنوح إلى التآلف الاجتماعي والتعايش السلمي مع الآخر، طالما سعى الآخر إلى ذلك، وإلى هذا الأساس تشير الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الأنفال:62، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ البقرة:206.

والإسلام في توجيهه يهدف أن يعيش المسلم في جو من الاطمئنان والاستمتاع بالحياة، ويرفعه فوق مستوى الصراع والنزاع، ويبني علاقاته بالآخر على أساس الاندماج والمخالطة بعيدا عن التفرد والانطواء، فالمطلوب اندماج بلا ذوبان، وتميز بلا انعزال.

3 – مجادلة الآخر بالحسنى، فينبغى الابتعاد عن إثارة الخلافات العقدية، والتركيز في الحوار على المشترك الديني الأخلاقي السلوكي وصولا إلى بناء مساحة ملائمة للتعايش والتعامل على أساسها، يقول تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ العنكبوت:46.

وينبغي الاعتماد على الرصيد القيمي الأخلاقي واستثماره في التعايش معهم، يقول عبد المجيد النجار: ” وإذا كان المسلمون في الدول الغربية ليس رصيدهم في العلم المادي والإداري برصيد يذكر أن يكونوا شركاء، فإن رصيدهم القيمي والأخلاقي والروحي هو رصيد ذو أهمية قصوى بالنسبة للواقع الحضاري، وهو ما يمكن أن يكون لهم بمثابة رأس المال المقدر الذي ينخرطون به في الشراكة الحضارية مع الغرب، لتكون هذه الشراكة دائرة بين أخذ وعطاء”.[9]

ومن حيث حقوق المسلمين في المهجر فلهم حق التمتع بكافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشروعة وفقا لأحكام دينهم والتي تقرها قوانين دول جنسيتهم والتي يتمتع بها المساوون معهم في المراكز القانونية.

المطلب الثالث: هل بلاد المهجر دار سلم أم دار حرب؟

عرف الجمهور دار الإسلام بـ: ” دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جداً ولم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل”.[10]

ويرى فهمي هويدي أن تقسيم الدنيا إلى دار حرب ودار إسلام فقط هو تقسيم اجتهادي لم يرد في القرآن ولا في السنة.[11]

وهناك بعض المعاصرين من اجتهدوا في استحداث تقسيم جديد هو أن العالم اليوم دار إسلام أو دار عهد، حيث قرر الشيخ أبو زهرة: “وإنه يجب أن يلاحظ أن العالم اليوم تجمعه منظمة واحدة قد التزم بقانون ينظمها، وحكم الإسلام في هذه أنه يجب الوفاء بكل العهود والالتزامات التي تلتزم الدول الإسلامية عملا بقانون الوفاء بالعهد الذي قرره القرآن الكريم، وعلى ذلك لا تعد ديار المخالفين التي تنتمي لهذه المؤسسة العالمية دار حرب ابتداء بل دار عهد”.[12]

وهذا أيضا ما ذهب إليه سليم العوا حيث يقول: “وفي رأينا أن العالم كله الآن دار واحدة هي دار عهد وموادعة، وأن أحكام الإسلام تنطبق على المسلمين أينما كانوا سواء أكانوا في دار يغلب الإسلام على أهلها أم كانوا أقلية أو أفرادا في دار غالبية أهلها غير مسلمين”.[13]

في حين قسم إسماعيل لطفي[14] دار الإسلام إلى نوعين:

– دار الإسلام حقيقة لا حكما: وهي التي تخضع للسلطة الإسلامية وتجري فيها أحكام الإسلام.

– دار الإسلام حكما لا حقيقة واعتبر منها:

1 – بلاد الكفر التي تسمح للمسلمين بإقامة شعائرهم.

2 – البلاد الإسلامية المحتلة.

3 – البلاد الإسلامية التي يحكمها مسلمون يطبقون عليها الأحكام الوضعية.

وإلى نفس الرأي ذهب عبد القادر عودة حيث قال: “تشمل دار الإسلام البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام، أو يستطيع سكانها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام، فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون، وكل بلد يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه، ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين، ويدخل في دار الإسلام كل بلد يحكمه ويتسلط عليه غير المسلمين، ما دام فيه سكان مسلمون، يظهرون أحكام الإسلام، أو لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام”.[15]

وهناك نصوص عند الفقهاء المتقدمين تعضد هذا المذهب، حيث يقول ابن عابدين: “وتصير دار الحرب دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها كجمعة أو عيد، وإن بقي فيها كافر أصلي وغن لم تتصل بدار الإسلام”[16]، وقال الماوردي أيضا: “إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفار، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يرتجى من دخول غيره في الإسلام”.[17]

وبالتالي فهناك آراء معتبرة تجعل بلاد المهجر دار عهد أو دار إسلام حكما لا حقيقة.

المطلب الرابع: علاقة المواطنة بالولاء والبراء

  • الفرع الأول: البراء

البراءة وردت في النصوص الشرعية بمعنيين[18]:

1 – المعنى الأول عقدي، وهي تعني البراءة من الشرك أو الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ الأنعام:19، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الزخرف:26، وبهذا المعنى فالبراءة والبراء من الكفر والشرك تعبير عن حقيقة الإيمان.

2 – المعنى الثاني: المستعمل في النصوص الشرعية يتعلق بالعمل، والبراءة هنا تعني عدم تحمل المسؤولية عن عمل الغير ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الشعراء:206، ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يونس:41، أي لست مسؤولا عن عملكم ولستم مسؤولون عن عملي، وقد تعني البراءة الامتناع عن النصرة، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين”[19]، ويشرح القرضاوي[20] الحديث بقوله: “أي بريء من دمه إذا قتل، لأنه عرض نفسه لذلك بإقامته بين هؤلاء المحاربين لدولة الإسلام”.

  • الفرع الثاني: الموالاة

الموالاة تنقسم إلى قسمين:[1]

موالاة مطلقة: بعض آيات القرآن الكريم جاء فيها منع الموالاة تجاه جميع الكفار بإطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ المائدة:57، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الممتحنة:13.

1 – موالاة مقيدة: وقد وردت آيات أخرى قيدت منع الموالاة بين المسلمين والكفار بقيدين:

أ- أن يكون الكفار في حالة حرب مع المسلمين، فلا تجوز موالاتهم أثناء الحرب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الممتحنة:9، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ الممتحنة:1.

ب- أن تكون موالاة الكفار موجهة ضد المسلمين، وليست لمجرد مساعدة الكفار، قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران:28.

وهذا ما يذهب إليه صاحب تفسير المنار حيث يقول: “وقد تقع الموالاة والمحالفة والمناصرة بين مختلفين في الدين لمصالح دنيوية، فإذا حالف المسلمون أمة غير مسلمة على أمة مثلها لاتفاق مصلحة المسلمين مع مصلحتها، فهذه المخالفة لا تدخل في عموم كلامه (أي الموالاة المحرمة) لأنه اشترط أن يكون ذلك لمقاومة المسلمين”.[2]

وهذا ما تؤكده أحداث السيرة النبوية فالرسول صلى الله عليه وسلم تحالف مع غير المسلمين على أن ينصرهم وينصروه، فقد نص حلفه مع يهود المدينة على:” من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة”[3]، كما كان حلفه مع خزاعة (وهم على شركهم) ينص على التناصر بين الطرفين، وكان فتح مكة المكرمة تنفيذا لهذا العهد، بعد أن اعتدت بنو بكر وهم حلفاء قريش على خزاعة وهم حلفاء المسلمين.[4]

ويستنتج صاحب المنار”إذا جازت موالاتهم لانتفاء الضرر، فجوازها لأجل منفعة المسلمين أولى”.[5]

ويرى المستشار مولوي إلى أن ” المفهوم الصحيح للولاء والبراء لا يتعارض مع مشروعية العيش المشترك، باعتبار أن هذا العيش أمر واقع لم يمنعه الشرع، بل هو يشجع عليه في كثير من الحالات، إن الولاء للإسلام والمسلمين مطلوب، والبراءة من الكفر والكافرين بالمعنى الصحيح الذي ذكرناه، فهي مطلوبة من المسلم في حالة الحرب مع غير المسلمين، وليس في حالة العيش المشترك القائم على عهود ومواثيق.”[6]

وهذا ما ذهب إليه المجلس الأوروبي للإفتاء حيث قرر:”…ورأى أن المواطنة لا تخالف الولاء الشرعي، إذ لا يلزم من وجود المسلم في غير ديار الإسلام الالتزام بما يخالف دينه من مقتضيات المواطنة، كالدفاع عنها إذا اعتدي عليها، والأصل أن يكون المسلمون في مقدمة من يدفع الضرر عن بلده، كما لا يحل له أن يشارك في أي اعتداء تقوم به بلده على أي بلد آخر سواء كان إسلامياً أم لا.[7]


[1] (المسلم مواطنا في أوروبا)، فيصل مولوي، ص20-22.

[2] (تفسير المنار)، رشيد رضا، 6/430.

[3] البند الثامن من صحيفة المدينة، انظر ملحق الوثائق.

[4] (السيرة النبوية)، ابن هشام، 4/139.

[5] (تفسير المنار)، رشيد رضا، 3/280.

[6] (المسلم مواطن في أوروبا)، فيصل مولوي، ص27.

[7] قرارات الدورة السابعة عشرة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، سراييفو: البوسنة والهرسك، 28 ربيع الآخر – 2 جمادى الأولى 1428هـ، الموافق لـ 15-19 أيار (مايو) 2007م، قرار 74 (1/17).

[1] صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ح868، ص594.

[2] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرون وقصرها، باب إسلام عمرو بن عبسة، ح832، ص570.

[3] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي، ح4392، ص1071-1072.

[4] صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، ح3761، ص944-945.

[5] (شرح السنة)، الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش، ط2: 1403/1983م، المكتب الإسلامي: دمشق بيروت، ح3327، 12/290.

[6] (المسلم مواطنا في أوروبا)، فيصل مولوي، ص14.

[7] قرارات الدورة السابعة عشرة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، سراييفو: البوسنة والهرسك، 28 ربيع الآخر – 2 جمادى الأولى 1428هـ، الموافق لـ 15-19 أيار (مايو) 2007م، قرار 74 (1/17).

[8] (السيرة النبوية)، عبد الملك بن هشام، تحقيق الشيخ أحمد جاد، ط1: 2007، دار الغد الجديد: القاهرة، 2/323.

[9] (فقه المواطنة للمسلمين في أوربا)، عبد المجيد النجار، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لجنة التأليف والترجمة، سلسلة قضايا الأمة 4، 2009م، دبلن، ص 6-7-8، بتصرف.

[10] (أحكام أهل الذمة)، ابن القيم، ط1: 2006، المكتبة العصرية: بيروت، ص245.

[11] (المفترون: خطاب التطرف الديني في الميزان)، فهمي هويدي، ط2: 1999م، دار الشروق: القاهرة، ص40-41.

[12] (العلاقات الدولية في الإسلام)، محمد أبو زهرة، ط1995، دار الفكر العربي: القاهرة، ص60.

[13] (للدين والوطن)، سليم العوا، ص55.

[14] (اختلاف الدارين وأثره في أحكام المناكحات والمعاملات)، إسماعيل لطفي فطاني، ط2: 1998، دار السلام: القاهرة، ص72.

[15] (التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي)، عبد القادر عودة، دار الكاتب العربي: بيروت، 1/239-240.

[16] (رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار)، محمد أمين بن عابدين، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد عوض، ط2: 2002، دار الكتب العلمية: بيروت، كتاب الجهاد، باب المستأمن، مطلب فيما تصير به دار الإسلام دار حرب أو العكس، 6/288.

[17] عزاه إليه ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، خدمة عبد العزيز بن باز وفؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة: بيروت، 7/229.

[18] (المسلم مواطنا في أوروبا)، فيصل مولوي، ص18-20.

[19] سنن الترمذي، كتاب السير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في كراهية المقام بين المشركين، 4/133.

[20] (كيف نتعامل مع السنةالنبوية)، يوسف القرضاوي، ط2: 1423ه/2002م، دار الشروق: القاهرة، ص167.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.