مدارس الحياة المتعددة (20) مدرسة الصحبة
مدارس الحياة المتعددة (20) مدرسة الصحبة/ الدكتور إدريس أوهلال
مدارس الحياة المتعددة (20)
مدرسة الصحبة
بقلم: الدكتور إدريس أوهلال
ليست مجرد مدرسة من مدارس الحياة المتعددة، إنها قانون عام يشمل الكون والحياة والمجتمع! فكل شيء في هذا الوجود من المتناهي في الصغر إلى المتناهي في الكبر، من الذرات إلى المجرات، مرورا بعوالم البشر، يدور حول مركز ويسبح في فلك.. إنه قانون الصحبة الكوني: “لكل شيء مركز يدور حوله وفلك يسبح فيه”.. في الآية: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
في عالم المتناهي في الكبر نجد الأقمار تدور حول الكواكب، والكواكب تدور حول النجوم، وكل الأجسام في المجرة من نجوم وكواكب وأقمار تدور حول مركز كتلة المجرة. وعلى الجهة الأخرى حيث عالم المتناهي في الصغر نجد إلكترونات تدور حول نواة. وبين العالمين توجد عوالم البشر وفيها نجد نفس القانون يتحكم في حياة الأفراد والمنظمات والمجتمعات والدول (منظمات تدور في فلك منظمات، ودول تدور في فلك دول…)! وفي كل هذه العوالم نجد أن السبب الرئيسي لوجود المدارات هو وجود الجاذبيات.. وإذا لم يكن لديك مدار فأنت جرم تائه في الفضاء!
الصحبة قانون كوني، فاصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب، واصحب أرباب العقول حتى يصير لك عقل، واصحب أرباب الإرادة حتى تصير لك إرادة، واصحب أرباب الحكمة حتى تصبح حكيماً، واصحب أرباب الذوق حتى يصير لك ذوق، واصحب أرباب الثروة حتى تكون غنياً.. المرء على دين خليله، والمرء مع من أحب، ولابد للسمفونية من مايسترو يساعد على ضبط الإيقاع، ومن لا صحبة له فهو جرم تائه في الحياة!
الصحبة شجرة طيبة، جذورها الضاربة في الأعماق هي صدق الطلب وقوة الإرادة، وساقها الناقلة لحاجات النمو هي التوجيه والدعم بأنواعه النفسي والفكري والعاطفي والروحي والأخلاقي، وأغصانها تجارب الحياة المتعددة، وثمارها نجاحات الحياة المتعددة.. ثمة شيء واحد مهم في حياتك لو حدث، وغالبا يحدث بدون أن تعي ذلك أو تسعى إليه بقصد منك، فإن كل شيء في حياتك سيدور حوله إلى آخر لحظة من حياتك!
دعونا نتساءل: ما الصحبة؟ قبل متابعة الحديث عن مدرستها.
الصحبة رتبة في العلاقة تعلو في سلّم القيم على رتب باقي أشكال العلاقات الإنسانية كالقرابة والزمالة والصداقة، إنها علاقة حيّة بأبعاد متعددة.. بيئة تربوية تمنحها علاقة الاحتضان والتوجيه والدعم بين صاحب ومصحوب عبر أربع مسارات متداخلة ومتكاملة:
– مسار عاطفي يمنح المحبة.
– مسار فكري يعتمد الحوار.
– مسار عملي يقدم التوجيه والقدوة.
– وكمال الصحبة بوجود مشروع لدى الصاحب والمصحوب على حد سواء.. الصحبة بدون مشروع عمياء!
تتجسد الصحبة مبدئياً وواقعياً في أنواع مختلفة من العلاقات: صحبة الوالدين، العلاقة الزوجية، صحبة القرابة. صحبة الأصدقاء، صحبة المدراء والزملاء في بيئة العمل، صحبة العملاء والموردين والمنافسين في السوق، صحبة المدرسين والمعلمين، صحبة المؤلفين من خلال كتبهم، صحبة الجيران بالحي والجوار… لكن ما كل علاقة تتحوّل إلى صحبة حيّة تُثمر سلوكاً ومشروعاً وتعلّماً وتلمذةً، فما كل من ذاق الهوى عرف الهوى، ولا كلُّ من شرب المدام نديمُ. في المسافة الممتدة بين “ذاق” و “عرف” توجد فرص للصحبة والتلمذة والتعلّم، لكن أين الصاحب الصادق وأين المعلّمون الكبار؟
الصحبة مدرسة وهذه أهم دروس الناجحين في مدرستها:
1. إذا وجدت الدروس في جامعتك مُمِلَّة، فاذهب للبحث عن معلمين كبار خارج أسوار الجامعة، فإذا وجدت واحداً منهم، دونك واقصده!
2. المعلمون الكبار كمصدر الضوء يوجدون دائما في الظل.. اِبحث عنهم بعيداً عن قطيع المثقفين!
3. الصحبة تنجح بشرطين إذا تخلّف أحدهما تخلّفت ثمرة الصحبة؛ صدق ذمة وهمة الصاحب وقوة كفاءة وأخلاقية المصحوب، وصدق الصاحب قبل قوة المصحوب.
4. أدوات الصحبة كثيرة أهمها، من جهة الصاحب السؤال والانصات والضبط والانضباط والصبر والزمن، ومن جهة المصحوب: المحبة والقدوة والتوجيه والدعم والتعهد والحوار.
5. قيم الصحبة كثيرة أهمها: المسؤولية والاستقلالية، والمصحوب يُربي على المسؤولية قبل أن يمنح الاستقلالية.
6. المصحوب مُيَسِّر لا مُعَلِّم.. لا يمكن تعليم الآخرين ولكن يمكن مساعدتهم على التعلم الذاتي.
7. الصحبة شمولية ومتوازنة حتى في أكثر أشكالها تخصصاً كالتلمذة لأنها تعالج الانسان من كل أبعاده.
8. الاستقرار العاطفي شرط لنجاح الصحبة، لأن الصحبة بيئة تربوية، ولا تربية في بيئة مشحونة بالصراعات والألعاب النفسية.
الصحبة عَطَاء بلا حدود بالجملة وبالتقسيط وعلى القطعة.. كيمياء علمية تُحَوِّل الاستعدادات الطيبة إلى ذهب.. حَصَاد وجني للمحصول بآلات متطورة يمكنها حصاد مئات الدونمات يوميًا وكل أشكال التعلّم والتلمذة الأخرى ما هي إلا آلات يدوية لا تحصد إلا بضع دونمات يومياً.. الصحبة لا تُرَوّْض بالجملة كما تفعل مؤسسات العبودية، وإنما تُرَبّي كل شخص على حدة وتتعامل مع كل حالة حسب خصوصياتها واستعداداتها واحتياجاتها.. الصحبة جاذبية تعطيك فلكاً لتسبح فيه ومركزاً لتدور حوله حتى لا تبقى جُرماً تائها في الحياة!