منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

” الميلاد ” (1) محمد رسول الله ﷺ

الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

” الميلاد ” (1) محمد رسول الله ﷺ

الدكتور عبد اللطيف بن رحو

جامعة محمد الأول

وجدة

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأعز من شاء ونصر، ورفع أقواما وخفض أقواما، فسبحانه الذي لا يرى بالبصر ويستدل عليه بالآيات والعبر وخلق كل شيء بقدر. والصلاة والسلام الأتمان الأنوران الأكملان الأزهران الأعتران المشرقان المضيئان على ولد عدنان سيدنا محمد ﷺ وعلى صحابته أجمعين ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

وبعد…

فإن الدّارسة للسيرة النبوة العطرة يجد نفسه أمام الوقائع التي سجلها التاريخ والذي كان في حقيقة الأمر غريبا في رصد الكثير من تفاصيل حياة الرسول ﷺ قبل بعثته بخلاف شأنه مع كثير من الناس لما كان له من تمیز وتفرد وسط الناس إعدادا إلهيا للمهمة التي سيضطلع بها دون الناس والتي ستكون فاتحتها الشريف بالاختصاص والرسالة ووسطها وخاتمتها البليغ الشاق الذي تنوء به الجبال الرواسي لأنه هدم وبناء متلازمين متجددين مستمرين هدم نظام قبلي جاهلي وبناء نظام إسلامي عالمي سرب دما نقيا وجديدا في شرايين الحضارة الإنسانية دفع بها نحو الوجهة السليمة حيث تتوافق سنن الاجتماع بسنن الوجود وفق الحكمة الإلهية .

إلا أن الحقيقة التي لا تغيب عن الأذهان وهي تتبع المراحل التي قطعها هذا النبي الأمي ﷺ قبل بعثته هي أن عناية إلهية فائقة خفية كانت ترعاه وتوجهه حسب ما تقتضيه الحكمة.

هناك عدة حقائق تاريخية ثابتة ارتبطت بحياة رسول الله ﷺ قبل بعثته يمكن أن نجملها في المطالب التالية:

المطلب الأول: شرف الأصل والنسب

تجمع المصادر التاريخية التي تناولت حياة الرسول الكريم ﷺ على أن سلسلة نسبه من جهة والده هي: “” محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدرکة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.”” [1]

كما تجمع المصادر على أن أمه هي آمنة بنت وهب التي يلتقي نسبها بنسب زوجها عيد الله في كلاب بن مرة.

ويتفق المؤرخون على أن نسبة ﷺ صحيح إلى عدنان وبعد ذلك بدأ النسابة في الاختلاف، قال ابن سيد الناس بعد أن سرد نسب رسول الله إلى عدنان: “” هذا هو الصحيح المجمع عليه وما فوق ذلك مختلف فيه.””[2]

روی ابن سعد في طبقاته حديثا لابن عباس جاء فيه: «أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أدد [أد] ثم يمسك ويقول: كذب النسابون، قال الله عز وجل: «وقرونا بين ذلك كثيرا» [3]

هذا وليس هناك خلاف بين العلماء والمؤرخين في أن عدنان من نسل إسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام.

إذا لم يكن نسب الرسول ﷺ وضيعا ولا مغورا، فقد انتقل في أصلاب وأرحام شريفة تقلبت في عز الوجاهة والرفعة والشهرة حتى حفظ التاريخ بعض آثارهم ومناقبهم.

ولقد كان الرسول ﷺ دائم الاشادة بهذه الخصيصة التي انفرد بها دون غيره من الناس، روى الإمام مسلم في صحيحه بسند عن رسول الله ﷺ، أنه قال: “”إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قریشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم.””[4]

كما أشاد بهذه الخيرية وهذا الشرف بصيغة أخرى في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عباس عن النبي ﷺ حيث قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيوتا، فأنا خيركم بیتاً وخیرکم نفسا.[5]

ولم يكن هذا الاتصال في النسب، وهذا الشرف فيه مسألة ثانوية أو زائدة بالنسبة لنبوة محمد ﷺ، وإنما كانت من الشروط والمؤيدات التي تنطوي على الحكمة الربانية المتمثلة في تهيئ الأسباب والاستفادة منها، ولعل أهم هذه الشروط والمؤيدات ما يعترف بالعصبية أو الشوكة التي تستند إلى النسب وتحقق المنعة والقوة، قال ابن خلدون في تأكيد هذه الحقيقة المهمة: «إن كل أمر تحمل عليه الكافة فلا بد له من عصبية.» [6]

ولقد اعتمد ابن خلدون في تقرير هذا الأمر بالنسبة لدعوات الأنبياء على الحديث الصحيح الذي يقول: “”ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه. “” [7]

ثم يعلق على هذا الأمر في موضع آخر مشيرا إلى اعتبار الحكمة الالهية لمستقر العادة في تقرير الأمور، يقول: وهكذا کان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب، وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة، والله حکیم عليم.””[8]

إن اعتبار هذه الحقيقة: حقيقة شرف النسب كان له دور كبير في انجاح دعوة محمد ﷺ، يقول الشيخ محمد الغزالي: “وكان منبت محمد في أسرة لها شأنها بس ما أعد الله لرسالته من نجاح، فالمجتمع العربي الأول كان يقوم على العصبيات التي تفني التي كلها دفاعا عن كرامتها الخاصة وكرامة من يمت إليها” [9]

ولقد كان صفاء نسب رسول الله ﷺ وشرف أرومته حجة دامغة أيضا في وجه العرب الذين عاينوه، فلم يطعنوا الطعن الجاد في نسبه رغم طعنهم في كثير من الأمور المتعلقة به لأنهم كانوا يدركون حقيقة نسبه بما كان لهم اختصاص في مجال حفظ الأنساب ومتابعة الأصول والفروع بما كانوا يولون من أهمية لذلك، ولذلك كان الرسول ﷺ دائم الفخر والاعتزاز بهذا الفضل الذي خصه الله به فكان كثيرا ما يقول: “” أنا سيد ولد آدم ولا فخر.””[10]

المطلب الثاني: مولد معروف ونشأة متميزة

اختلفت الروايات التاريخية في تحديد التاريخ الحقيقي المفصل الذي ولد فيه رسول الله ﷺ إلا أن أكثرهم متفقون على العام الذي ولد فيه هو ما عرف في التارخ العربي بعام الفيل.

كما أن أكثرهم يذهبون إلى أنه ولد في شهر ربيع الأول [الأشهر التي وقع حولها الاختلاف بشأن مولده: المحرم، صفر، رجب، رمضان،] كما أن أكثرهم يعتقدون أنه ولد في الثاني عشر من الشهر المذكور، ويتفق العلماء على أنه ولد يوم الاثنين، يقول ابن هشام: “”وولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل “”[11]

ويوافق هذا التاريخ اليوم السابع والعشرين من شهر غشت من سنة 570م (53 قبل الهجرة).

وتتفق المصادر التاريخية على أن عبد الله والد رسول الله ﷺ قد عاجلته المنية وهو في ريعان الشباب، إلا أنها تختلف في تحديد المدة الزمنية التي مكثها مع زوجته آمنة التي أصبحت حاملا به، فهناك من ذهب إلى أنه لم يلبث أن هلك وهي حامل به ﷺ، وهذا هو الراجح، وهناك من ذهب إلى أنه ترکه في المهد حين وافاه الأجل، وهناك من ذكر أنه كان ابن شهرين، وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا، وقيل بل خرج به إلى أخواله زائرا وهو ابن سبعة أشهر.

أما عن ظروف وفاة عبد الله، فإن أرجح الأقوال تشير إلى أنه خرج ضمن قافلة تجارية قرشية متجهة إلى غزة، وعند العودة مروا بالمدينة، وكان عبد الله ساعتها مريضا، وقد يكون سبب تعريج القافلة على يثرب مرض عبد الله نفسه الذي آثر أن يستقر بديار أخواله ريثما يخف عنه المرض إلا أن الموت تخطفه هناك فدفن بالمدينة [بدار النابغة].

وكان من عادة الأسر العربية الشريفة في مكة في ذلك العهد التماس المراضع من البادية ويذكر جوستاف لوبون GUSTAVE LEBONE أحد المستشرقين الفرنسيين المعاصرين أن هذه العادة مازالت مستمرة حتى اليوم يقول: “” رضع محمد ﷺ أمه في البداءة، ثم دفعت به إلى قبيلة في البادية وفق عادة لا تزال تصادف حتى اليوم.””[12]

وكان الهدف من هذه العادة تنشئة الأطفال تنشئة صحيحة، وكذلك تعلم اللغة العربية الفصيحة وأخذها من مناهلها ومواردها الصافية.

كان محمد الطفل ﷺ ممن استفاد من هذه العادة الصالحة، حيث دفعته أمه إلى مرضعة من بني سعد بن بكر وتدعى “” حليمة.”

وقد عرف بنو سعد بفصاحة اللسان ونظافة الخلال، حتى عد لسانهم أحد الألسنة البليغة التي اشتهرت بين العرب.

ولقد كان الحادث رضاعه قصة طريفة تذکرها كتب السيرة والتاريخ تروى عن ( حليمة السعدية ، التي حظيت بشرف تربية ورعاية الرسول ﷺ مدة طفولته الأولى لا بأس أن نذكره على طوله حتى نستحضر أحواله في تلك الآونة بصورة أكثر حيوية وواقعية تذکر کتب السيرة أنه: كانت حليمة تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد، تلتمس الرضعاء ، وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا ، فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا ، واله ما تبض لنا بقطرة ، وما ننام أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ، ما في ثديي ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغذیه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج ، فخرجت على أتاني ، فلقد أدمت بالركب حتی شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء ، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله  وفتأباه إذا قيل لنا إنه يتيم ، وذلك أنا ما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول :يتيم ! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك. فما بقيت امرأة كانت معي إلا أخذت رضيعا، غيري. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه! قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.

قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتی روي، وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما، وما كنا ننام معه من قبل ذلك. وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة!

قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة. لقد أخذت نسمة مباركة! فقلت: والله إني لأرجو ذلك.

ثم خرجنا وركبت أنا أتاني. وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب. ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب. ويحك أربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها: بلى والله. إنها لهي! فيقلن: والله إن لها الشأنا!

ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجذب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لبنا. فنحلب ونشرب، وما يحلب انسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب. فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا.

فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتی مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا كشباب الغلمان، فلم يبلغ سنتي، حتی کان غلاما جفرا، فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه من وباء مكة فلم نزل بها حتى ردته معنا.

فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، داك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه فشقا بطنه، نهما يسوطانه! فخرت أنا وأبوه، فوجدته قائما منتقعا وَجْهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا مالك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا شيئا لا أدري ما هو! [13]

أقام محمد ﷺ في ديار بني سعد إلى أن قارب الخامسة من عمره ترضعه «حليمة» وتعتني به عناية حسنة.

ولقد كان لهذه الإقامة أثر كبير في نفسية «محمد الصغير» ﷺ فظل يذكرها طيلة حياته، فقد روي عنه قوله ﷺ: “”أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد.””

والحقيقة إن فضل الإقامة في بادية بني سعد لم يكن مقتصرا على مكسب فصاحة اللسان، وإنما كانت هناك مكاسب كثيرة منها سلامة الجسم، وقوة البنية، وسذاجة الطبع، والتعود على الحياة البسيطة والتقشف، وعدم الانغماس في نعيم المدينة وترفها الذي يسلب كثيرا من الخصال الرجولية المؤهلة للتميز والقيادة.

ولعل من التجارب الحياتية التي خاضها رسول الله ﷺ وهو طفل يعيش في أحضان بني سعد، مساهمته في الحياة الرعوية، ولقد مارسها حتى بعد عودته واستقراره بمكة بعد حادث شق الصدر، قال ﷺ:

“” مَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إِلا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَال أَصْحابُه: وَأَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلى قَرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ.””[14]

وبعد عودة محمد ﷺ إلى مكة – بعد أن أصبح عمره ست سنوات – توفيت أمة بمنطقة الأبواء بين مكة والمدينة وهي راجعة من زيارة أهلها أخوال رسول الله ﷺ فكفله بعد ذلك جده عبد المطلب الذي كان شديد الحدب عليه، عظيم العناية به، کثیر الحرص واخوف عليه، إلا أنه سرعان ما هلك هو الآخر ومحمد لم يجاوز ثماني سنوات، فتولى كفالته أخيرا عمه أبو طالب، الذي تعهده حتى اشتد عوده وقوي ساعده وأصبح يعتمد على نفسه.

هكذا نشأ محمد ﷺ يقذف به اليتم من حضن إلى حضن يتجرع كأس المرارة والحرمان جرعة جرجة، ولكن الله يفعل ما يريد .

إن المتتبع لجميع مراحل النشأة التي قطعها الرسول ﷺ لا تخفى عليه العناية الإلهية التي ظلت تتابعه وتتعهده ، فهو الذي آواه وهيأ له الأسباب كلها لكي يصنع على عينه ورعايته، قال تعالی مقررا هذه الحقيقة ملفتا انتباه رسوله الكريم إلى مسبب الأسباب حتى لا تغشی بصره الأسباب القريبة فلا يرى يد صاحب الأمر والنهي التي تخلق الأسباب وتهيء الظروف: ﴿​أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيما فَـَٔاو۪يٰ ﴾ [سورة الضحى الآية:6]، ومن هذا المنطلق ليس من قبيل الصدفة أن يولد رسول الله ﷺ وينشأ يتيما، لعل من وراء ذلك حكما باهرة، يكون من بينها إفحام المبطلين الذين يحاولون إيهام الناس بأن محمدا ﷺ إنما رضع لبان دعوته ورسالته بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده فتتحول القضية إلى عصبية قبلية وزعامة ومنصب كما يذهب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله.

ولعل منها أيضا أن ينشأ محمد ﷺ معتمدا على نفسه متعلقا بربه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن تحمل الرسول ﷺ آلام اليتم، أو العيش وهو في صغره جعله أكثر الناس احساسا وتجاوبا مع المعاني الإنسانية النبيلة، وأكثر تشرباً لعواطف الرحمة تجاه اليتامى والفقراء والمساكين والمعذبين والمستضعفين من بني الإنسان، ولنا في سيرته عليه ﷺ من الأمثلة ما يقوم شاهدا على عطفه وحنوه الدؤوب على اليتامى والمساكين ومن في شاكلتهم، أليس هو القائل : « أنا وكافل اليتيم كهتين في الجنة »، مشيرا إلى الوسطى والسبابة من يده، وقوله في دعائه : “”اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشري في زمرة المساكين.””

من الأمور التي حدثت لمحمد ﷺ وهو صغير، ما يعرف في المصادر التاريخية بحادث شق الصدر، وقد كان ساعتها مقيما في ديار بني سعد – كما مرت الإشارة – وكان هذا الحادث هو الباعث لحليمة السعدية على رد محمد إلى أمه خوفا من أن يصيبه مكروه فتقع عليها المسئولية، وتجدر الإشارة إلى أن المعلومات التي وصلتنا عن الحادث متفاوتة الإضافات والزيادات، إلا أنه لا أحد من العرب والمسلمين ينكر هذه الحادثة، روى الإمام مسلم في صحيحه “” أن رسول الله ﷺ، أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء فقال هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمَه، ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ( یعنی ظئره )، فقالوا : إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون » قال أنس راوي الحديث : « وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.””[15]

ولقد علق كثير من الباحثين القدامى والمحدثين على هذا الحادث، وكانت التعليقات متباينة، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:

1 – بالنسبة للقدماء:

فسروا الأمر على ظاهره كما جاء في ظاهر النصوص، ومن هذا المنطلق يكون الملك قد شق صدر محمد ﷺ، واستخرج منه قطعة من الدم وكان ذلك حظ الشيطان من الشر الذي قد أصاب أو يصيب محمدا ﷺ.

2- بالنسبة للمعاصرين:

فقد بدا تأثرهم بمعطيات العلم الحديث واضحا في التعامل مع هذا الحادث، ويمكن تصنيفهم إلى ثلاث فئات:

أ- فئة أنكرت حدوثه: لأنه يصطدم مع العقل والمنطق والواقع، ومعظمها من المستشرقين ومن تأثر بهم من المسلمين، ولا يقدمون الحجج الكافية للإقناع بوجهة نظرهم، لا يحتاجون إلى رد.

ب – وفئة اقتنعت برأي سير وليام موير SIR WILLAM MUNEER القائل بأن تلك الحادثة هي عبارة عن نوبة عصبية أصابته، ولم تؤثر فيه نظرا لقوة بنيته، وسلامة تكوينه)، وهذا الرأي أيضا لا يستند إلى دليل قوي وإنما هو مجرد ظن يمكن رفضه.[16]

ج- وفئة ثالثة ، ويبدو تأثير رأي الشيخ محمد الغزالي فيها واضحا ، وهو رأي يعتمد على التأويل واستعمال العقل والمنطق ، فهو يرفض تفسير الآثار على ظاهرها لأن الخير والشرفي زعمه أمران معنويان لا يتصور استئصالهما بكيفية محسوسة، يقول الغزالي في كتابه فقه السيرة محللا ومعللا حادث شق الصدر بطريقته الخاصة : “”ولو كان الشر إفراز غدة في الجسم لا ينحسم بانحسامها، أو لو كان الخير مادة يرود بها القلب كما تزود الطائرة بالوقود، فنستطيع السمو والتحليق، لقلنا إن ظواهر الآثار مقصودة، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك، بل البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق . وإذا اتصل الأمر بالحدود التي يعمل الروح في نطاقها، أو بتعبير آخر: عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسير بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم، يصبح البحث لا جدوى منه، لأنه فوق الطاقة.[17]

ثم يعرض التصور الذي استنتجه من الآثار المتعلقة بالحدث استجابة للمقدمة التي جلبنا يقول: “”وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار أن بشرا ممتازا کمحمد ﷺ لاتدعه العناية غرضا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت للشر « موجات » تملأ الآفاق ، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها فقلوب النبيين -بتولي الله لها – لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في « متابعة الترقي» لافي « مقاومة التدلي » وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته.””[18]

ويمكن أن نوفق بين الرأي القائل بظاهر النصوص والرأي المؤول بأن الحادث يعبر عن الإعداد الغيبي الخاص لمقام النبوة أبى الله إلا أن يجعله في صورة مادية محسوسة ومرئية ليكون البيان أبلغ والله حکیم علیم.

ويمكن أن نعد حادث شق الصدر أيضا صورة من صور العناية الإلهية التي يختص بها الأنبياء عادة في إطار الإعداد والتأهيل لتلقي المعرفة المعرفة الغيبية الاتصال الغريب المعجز، اتصال عنصرين غريبين من طبيعتين مختلفتين عن طريق ما يعرف بالوحي، فهو تعبير عميق عن اتصال المحدود باللامحدود بقدرة صانع الوجود.

ومن التجارب التي خاضها محمد ﷺ أيضا وهو طفل في الثانية عشرة من عمره خروجه مع عمه أبي طالب للتجارة إلى بصري في الشام، وقد كانت من أهم المراكز التجارية في ذلك الوقت، كان تجار مكة يقصدونه لبيع ما عندهم من البضاعة وشراء ما فيه من سلع ، فكانت هذه الرحلة فرصة وقف محمد ﷺ من خلالها وهو صبي على حال الناس خارج موطنه الصغير، وهي أول فسحة تضيف خبرات جديدة إلى حياته، وهناك قابل الراهب بحيرى الذي تأمله وأوصى به خيرا لما وجد فيه من المخايل والأوصاف التي ذكرت عنه في الكتب السماوية السابقة وحذره من يهود .

ولقد استغل معظم المستشرقين، إن لم نقل كلهم هذا الحادث – كأنهم ظفروا بشيء – التأكيد على بشرية القرآن الكريم، وإنكار نبوة محمد ﷺ، يقول جوستاف لوبون صاحب کتاب حضارة العرب مدعيا ومفتريا على الحقيقة العلمية والتاريخ: «وتقول القصة إن محمدا سافر مرة مع عمة إلى سورية فتعرف في بصری براهب نسطوري في دير نصراني فتلقى منه علم التوراة.[19]

وأعتقد أن مثل هذا الزعم لا يحتاج منا إلى رد جاد لأنه متهافت جدا وينطوي إما على جهل أو تجاهل، يكفي عند الرد التنبيه إلى صغر السن الذي كان عليه محمد ﷺ في هذا السفر، ثم إن الحوار كان قصيرا وعابرا، ثم إن مهمة العم الذي صحبه ابن أخيه الحدث كانت تجارية محضة تقتضي الحرص واغتنام الفراغ واهتبال الغرر.

أما ما يمكن أن يستفاد من هذا الحادث فهو التأكيد على أن أهل الكتاب من يهود ونصاری کان عندهم علم يقيني ببعثة النبي ﷺ، روى القرطبي وغيره أنه لما نقل قول الله تعالى: ​﴿َ۬الذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْۖ وَإِنَّ فَرِيقا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَ۬لْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَۖ﴾ [سورة البقرة الأية:145]

سأل عمر بن الخطاب عبد الله بن سلام وقد كان كتابيا فأسلم، أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، أما إبني فلا أدري ما الذي قد كان من أمه.[20]

وكان إسلام سلمان الفارسي بتتبع خبر النبي ﷺ وصفاته من الإنجيل والرهبان وعلماء الكتاب أكبر دليل على سبق انتشار خبر النبي بين صفوف علماء أهل الكتاب.

من الوقائع التي شهدها ﷺ وهو ابن أربعة عشر عاما، مشاركته في إحدى المظاهر القبلية التي عرفت في التاريخ بأيام العرب، حيث تجمع المصادر أنه شهد حرب الفجار، وكما هو معلوم تشير المصادر إلى أن حروب الفجار التي دارت بين العرب كانت أربعة، كما تؤكد هذه المصادر أيضا على أن الحرب التي حضرها الرسول ﷺ كانت آخرها، وهي التي تعرف بحرب و البراض، وقد وقعت بين قريش ومن معها من كنانة، وبين قيس عيلان حيث أجاز أحد رجال قيس عيلان ، ويدعی عروة الرحال تجارة النعمان بن المنذر ملك الحيرة بالقرب من كنانة الأمر الذي أثار ثائرة أحد رجالها ويدعي البراض بن قيس فتصدی له فقتله غيلة في الشهر الحرام فأدى ذلك إلى قيام الحرب.

وقد ذكر الرسول ﷺ مساهمته في هذه الحرب فقال: “”كنت أنبل مع أعمامي، بمعنی كنت أجمعها وأتي بها إلى أعمامي ليردوها إلى عدوهم. “”

ولقد صادفنا في هذه المسألة اختلافا في المصادر، فهناك من المؤرخين من يذكر أن سنه كانت حوالي أربعة عشر سنة، وهناك من يذكر أنه كان يبلغ من العمر حوالي عشرين سنة، فكيف يمكن الخروج من هذا التناقض بالتوفيق بين الروايتين؟

في تصوري أنه يمكن الخروج من هذا الاختلاف الحاصل باحتمال مشاركة الرسول ﷺ في حربين من حروب النجار، الأولى وكان عمره فيها حوالي أربعة عشر سنة، ونستشهد لها بنص الأثر المذكور لأنه لا يعقل سنه ﷺ عشرين سنة وتكون وظيفته في الحرب جمع التبال وهي مهمة الأطفال الصغار وليست مهمة الشباب الفتيان، وبهذا الاعتبار يفقد النص دلالة الافتخار والاعتزاز التي أرادها الرسول ﷺ حينما سئل وذكر الحديث.

أما الثانية فهي التي كان سنه فيها حوالي العشرين، ونستدل على ذلك بنص الأثر الدي يورده ابن سعد في طبقاته وهو قوله ﷺ وقد ذكر الفجار: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلته، فيكون هذا العمل مناسبا لسنه.

هذا إذا صحت الروايتين بطبيعة الحال، لأن أخبار سيرته ﷺ قبل بعثته يطبعها كثير من الاختلاف والمبالغة والضبابية، وهذا أمر بدهي، فالشهرة والبطولة عاملان من عوامل تسليط الضوء على الشخصية بشكل مكثف، وعادة ما لا تبدأ الشهرة والبطولة مع بداية وجود شخصية البطل، وإنما تأتي بعد أن تستكمل شروطها عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

المطلب الثالث: شباب نظيف وسعي شريف

وحينما صار ﷺ شابا يافعا لم يتورط فيما يتورط فيه الشباب عادة، ولم ينغمس مع أقرانه من شباب مكة في لهوهم وعبثهم، ليس لأنه كان فاقد الرغبة والانجذاب الى ذاك، وإنما كانت هناك قوة خفية تعصمه من السقوط في ذلك، فقد كتب السيرة إلى محمد سمع – وهو في سن الشباب – غناء من إحدى دور مكة، وكانت المناسبة حفلة زفاف: فأراد أن يحضرها ويشهد مراسيمها ، فنسج النوم عليه خيوطه فما أيقظه إلا حر الشمس، ولم يشارك قومه في عبادة الأصنام، ولا أكل شيئا مما ذبح لها، ولم يشرب خمرا، ولا لعب قمارا ولا عرف عنه فحش في القول أو هجر في الكلام قال ابن إسحاق: “”فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد من کرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا … وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما.[21]

وقد جاء في الصحيحين وغيرهما ما يؤكد العناية الإلاهية التي كانت تحرصه وتحوطه، فقد جاء عن ابن عباس عن والده أنه : “” كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، قال وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشید، قال فكنت أنا وابن أخي محمد ﷺ وكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس ائتزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمد أمامي، قال: فخر وانبطح على وجهه ، فجئت أسعى وألقيت حجري وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك، فقام وأخذ إزاره، قال: إني نهيت أن أمشي عريانا، وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون.””[22]

ولقد كان لهذه الاستقامة وحسن السيرة أثر كبير في إنجاح دعوته ﷺ، وإصلاح ما اعوج من أخلاق وتقويم ما اختل من أوضاع.

كما عرف فيه ﷺ النجابة والفطنة والذكاء إلى درجة ملفتة للأنظار، والحقيقة إن هذه الصفات شرطا من الشروط الضرورية في حق أصحاب الرسالات السماوية، فهي لازمة في التبليغ لأن الأنبياء والرسل معرضون لا محالة – وهم يقومون بعملية التبليغ والتغيير – لمناقشات الخصوم وممارات المنكرين ولتساؤلات الأتباع أو لاحتجاجات وانتقادات المبطلين.

ونحن حينما نستعرض العديد من جوانب الفطنة والذكاء في حياة محمد ﷺ نجد أنه كان الذروة والقمة في ذلك.

وكلما تقدم به السن، كلما عظمت إسهاماته في الحياة العامة، فساهم في لون آخر من ألوان النظم القبلية، وهي الأحلاف، والحلف الذي شارك فيه الرسول ﷺ هو ذلك الذي أعقب آخر حرب من حروب الفجار وكان سنه إذ ذاك عشرين سنة وهي ثاني حرب نظن أن محمدا ﷺ قد حضرها كما مرت الإشارة.

وكان هدف هذا الحلف تحقيق العدل ورفع الظلم عن المظلومين، ورد الحقوق إلى أصحابها، وقد دعت إليه مجموعة من القبائل العربية القرشية (بنو هاشم، بنو عبد المطلب، بنو زهرة بن كلاب، بنو تیم بن مرة، وقد ذكر الرسول ﷺ هذا الحلف بعد نبوته قائلا: “” لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن أي به حمر النعم ولو دعي به في الاسلام لأجبت.””[23]

لم يكن أبو طالب عم محمد ﷺ ميسور الحال وإنما كان فقيرا كثير العيال، وكان دائم الاهتمام بمصدر الرزق الذي يعوله ويسد حاجته، كما كان يرى أن حياة الرعي التي يمارسها ابن أخيه سوف تتركه دائما عالة على غيره، ولا ترفع من مستواه المادي، لذلك سيدله على مصدر مهم للكسب حينما واتت الفرصة، فقد كانت خديجة بنت خويلد من النساء الغنيات التاجرات، كما اشتهرت فضلا على ذلك بالشرف، والاستقامة، وكانت تستأجر الرجال للقيام لها بصفقات تجارية في الشام وغيره، قال ابن إسحاق : «وكانت خديجة بنت خویلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال على مالها مضاربة.[24]

أكد أبو طالب علی محمد ﷺ أن يعر نفسه قيمة على تجارة خديجة في سفرتها إلى الشام، فوافق لكن دعوة خديجة له قد سبقت طلبه منها، وكان الإصرار والرغبة ملحة من كلا الجانبين لما كان لهما من مكانة محترمة في المجتمع القرشي، وكان العرض الذي تقدمت به خديجة لمحمد ﷺ جزاء ما يقوم به من مهام تجارية يختلف عما كانت تقدم لغيره، قالت خديجة معربة عن ذلك التصرف الخاص تجاه محمد ﷺ: إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك.[25]

لقد رغّبها في محمد ﷺ ما عرف عنه من صدق وأمانة، وهاتان الصفتان هما دعامة التعامل النزيه في التجارة كما هو معروف، ويفهم من تنويه خديجة بهتين الصفتين ندرتهما في الكثير من التجار الذين تعاملت معهم.

قام محمد ﷺ بهذه الصفقة التجارية أحسن قيام، وكان ناجحا فيها نجاحا كبيرا حيث درت على صاحبتها ربحا وفيراً حتى أصبحت حديث الركبان.

لقد كان لهذا الاتصال التجاري العابر بين خديجة ومحمد ﷺ أعمق الأثر في نفسية كليهما فقد كان سببا من أسباب التجاوب والتقارب الذي أدى إلى الاجتماع الدائم.

فقد كانت خديجة ولا شك معجبة بما كانت تسمعه من أخلاق محمد ﷺ، ولكن إعجابها وافتتانها زاد حينما جربته واحتكت به عن كثب، فضلا عما حدثها به خادمها ميسرة الذي رافقه في هذه الرحلة، والذي رأى من أحواله الخاصة الشيء الكثير، إضافة لما كانت تسمعه من أحاديث لابن عمها ورقة بن نوفل من أمر النبي المنتظر لأنه كان مشركا وتنصر. ولعل هذا ما يفسر لنا سر إسراعها على طلب الزواج منه عقب رجوعه من الشام مباشرة حيث أرسلت إليه تخطبه، فوافق على الفور إذ لم يكن ير في ذلك مانعاً.

وكان سن محمد ﷺ عليه يوم اقترانه بخديجة خمسا وعشرين سنة، أما سن خديجة فقد اختلفت فيه الروايات فهناك من قال أنه كان خمسا وعشرين وهناك من قال ثمانية وعشرين وهناك من قال خمسا وثلاثين وهناك من قال كان أربعين سنة وهذا هو المشهور الراجح.

وكان صداق خديجة رضي الله عنها عشرین بكرة، وكانت هي أول امرأة تزوجها، أما هي فكان قد تزوجها رجلان، ولم يتزوج عليها في حياتها، وأنجبت له من الولد: القاسم الذي كان يكنى به، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهن.

وظل الحب والاحترام متبادل بين محمد ﷺ وخديجة رضي الله عنها حتی فرق بينهما الموت. وظل محمد ﷺ يُكن لها الوفاء والإخلاص طوال حياته حتى بعد أن واراها التراب .

من الأعمال الدينية والاجتماعية والسياسية التي ساهم فيها محمد ﷺ وهو يناهز الخامسة والثلاثين من عمره مشاركته في تجديد بناء الكعبة التي اجتاحها سيل من السيول الجارفة المعتادة ، ولقد دلت هذه المساهمة على المقام السامي والمكانة العالية التي كان يحتلها الرسول الأعظم ﷺ في الوسط المكي عموما والقرشي خصوصا، كما دلت على رجاحة العقل وذكاء الطبع الذي كان يتمتع به عليه الصلاة والسلام، إذ تروي كتب السيرة والتاريخ أن قريشا لما فرغت من بناء الكعبة وهمت بإرجاع الحجر الأسود صاحب الحرمة والقداسة إلى مكانه الأصلي اختلفت وتحول الاختلاف إلى خلاف كاد أن يؤدي إلى قيام حرب أهلية لا يعلم منتهاها، وكان منشأ الاختلاف حول من يكون له الشرف فيتولى أمر إرجاع الحجر المقدس إلى موضعه ، وفي تلك الأثناء وحقنا للدماء اتفقوا على الاحتكام إلى أول رجل يدخل عليهم من أهل مكة، وكان أول داخل محمد ﷺ، فاستطاع بالحكمة الفطرية والإلهام الرباني أن يحل هذا النزاع القبلي بأن يبسط رداءه ووضع فيه الحجر الأسود ثم طلب من مشايخ الملأ وهم علية القوم من قريش حمله إلى الكعبة بأن يأخذ كل منهم بطرف الرداء، دلالة على وقوفهم جميعا على قدم المساواة في تنقل الحجر ثم تولى ﷺ أمر وضعه أخيرا في مكانه بالكعبة فحاز بذلك الشرف كله والفضل جله.

من الأمور التي اشتهرت على محمد ﷺ قبل بعثته ميله إلى العزلة  والانزواء عن الناس والاختلاء بالنفس في المكان المعروف بغار حراء الذي يحتضنه جبل شاهق يفكر في هذا الكون اللامحدود المتعدد المظاهر والآيات، ويتأمل في هذه الطبيعة المليئة بالأسرار الكونية العجيبة التي دل ظاهرها على التناسق والتناغم بين موجوداتها تناسقا وتناغما غريبين دل بالتالي على أنه وراء ذلك كله قدرة قادرة وحكمة بالغة تسيرها يد صانع ومبدع الأكوان، ولا شك أنه فكر أيضا في المظاهر الاجتماعية المختلفة التي كان يعيش عليها مجتمعه الذي كان شهيدا عليه .

ولم تكن ظاهرة التوحيد والتأمل في آلاء الله مسألة تفرد بها رسول الله ﷺ وإنما كان هنالك عدد لا بأس به من العقلاء الذين تحررت عقولهم وقلوبهم من إسار العادات والتقاليد المتراكمة فأطلقوا العنان لفكرهم يبحث عن الحقيقة الكامنة وراء الوجود، ولقد عرف هذا الأمر التحنث كما أطلق على أصحابه لقب الحنفاء، والحنفية هي توحيد الله وعدم الإشراك به والحنفية من بقايا الدين الذي جاء به إبراهيم عليه السلام الذي لم يبق منه إلا اسمه ورسمه، بل حتى المكان الذي اختاره ﷺ محلا لتحنثه لم يكن متفردا فيه، وإنما كان العديد من القرشيين الحنفاء يؤثرون هذا المكان، جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري قوله : “”كانت قريش إذا دخل رمضان خرج من يريد التحنث منها إلى حراء فيقيم فيه شهراً، ويطعم من يأتيه من المساكين، حتى إذا رأوا هلال شوال لم يدخل الرجل على أهله حتى يطوف بالبيت أسبوعا [أي سبع مرات ]، فكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك.””[26]

إذا لم تكن الخلوة بغار حراء خاصة برسول الله ﷺ، وإنما كانت ظاهرة عامة ومألوفة وسط المجتمع القرشي المكي، وفي هذا رد على زعم المستشرقين الذين يحصرون هذه تجربة في شخصية الرسول ﷺ، ويحاولون أن يصوروا أن الأمر كان مما تفرد به محمد ﷺ ليدعموا أنه إنما كان يختلي هناك ليخترع الكتاب الذي طلع به على الناس فجأة إذ لو كان الأمر كما يدعون فلماذا لم يطلع غيره من الناس الذين كانوا يتحنثون في هذا الغار.

ولعل الحكمة الربانية التي كانت من وراء هذا الأمر أن الله تعالى لم يرد أن يجعل الرسول الكريم ﷺ متميزا وسط المجتمع إلى درجة تدعو إلى الاستغراب الذي يؤدي إلى الإنكار والاستخفاف، الأمر الذي سيكون له أثر سلبي على الرسالة عند الإعلان عنها والدعوة اليها، وكذلك لا يسيطر على محمد ﷺ شعور العزلة والغربة إلى أبعد الحدود الأمر الذي قد تكون له آثار سلبية على نفسيته التي أراد الله لها أن تتدرج في معارج المعارف الإلهية إلى أن تصل المناسبة.

وهكذا اقتضت الحكمة الربانية أيضا أن يكون محمد ﷺ شخصية اجتماعية سوية عادية لا يميزها عن عامة الناس سوى السلوك القويم والأخلاق الرفيعة التي تدعو إلى الإكبار والإجلال من قبل المجتمع، والتي ستكون الرصيد الذي تستفيد منه الدعوة الجديدة في الاستيعاب والانتشار.

وما أشبه هذا الذي كان يفعله محمد ﷺ بذلك الذي كان يفعله جده إبراهيم عليه السلام الذي أخبر عنه القرآن الكريم بعد اصطفاء محمد ﷺ بالنبوة، قال تعالى : ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِے إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اَ۬لْمُوقِنِينَۖ ​فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اِ۬ليْلُ ر۪ء۪ا كَوْكَبا قَالَ هَٰذَا رَبِّے فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ اُ۬لَافِلِينَۖ ​فَلَمَّا رَءَا اَ۬لْقَمَرَ بَازِغا قَالَ هَٰذَا رَبِّے فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِے رَبِّے لَأَكُونَنَّ مِنَ اَ۬لْقَوْمِ اِ۬لضَّآلِّينَۖ ​فَلَمَّا رَءَا اَ۬لشَّمْسَ بَازِغَة قَالَ هَٰذَا رَبِّے هَٰذَآ أَكْبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّے بَرِےء مِّمَّا تُشْرِكُونَۖ﴾ [الأنعام الآية:76-77-78-79]

لقد كان محمد ﷺ يُعد الزاد لكفاية شهر أيامه ولياليه ثم يتجه صوب غار حراء، تقول عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل الذي رواه البخاري تبين فيه الكيفية والظروف التي نزل فيها الوحي على محمد ﷺ مشيرة إلى ظاهرة التحنث: “” … ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه – وهو التعبد الليالي ذوات العدد -قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء…”” [27]

ولم يكن غار حراء بالمكان القريب السهل أو العادي، وما كانت تحيط به الغرابة والخصوصية من كل جانب مع توفره على شروط الراحة والفكر حتى إن المرء ليتساءل كيف اهتدى إليه الناس في ذلك الزمان.

يذكر أحد المؤرخين المعاصرين الذين عاينوا الغار أنه يبعد عن مكة من ناحية شمالها الشرقي بحوالي خمس كيلومترات، وأن صعوده وهبوطه شاق قد يكلف أربع ساعات من الزمن ما بين الارتقاء والنزول، وفي أعلى قمة الجبل الذي يوجد فيه الغار بركة ماء لا ينضب ماؤها سائر أيام العام يقول هذا المؤرخ واصفاً الغار : “” وقد أعدت العناية الإلهية هذا الغار شدادا دقيقا للإقامة الطويلة به ، فهو يشبه حجرة صغيرة مدخلها إلى الأمام خلفها الجبل الشاهق ، أما الجانبان فيتكونان من صخور الواحدة فوق الأخرى تاركا فراغا قليلا يدخل منه ضوء والهواء ، فهو بذلك متجدد الهواء أو قل مكيف الهواء.””

خاتمة

يقول الدكتور عماد الدين خليل في تقرير هذه الحقيقة المتميزة: “”وإزاء هذا الهيكل المرئي من حياة الرسول الكريم ﷺ من قبل مبعثه [ يقصد بالهيكل المرئي مجموع الوقائع تاريخية الصحيحة المرتبطة بسيرته ﷺ قبل البعثة والتي أشرنا إليها سابقا ] يقف عدد من الإشارات والأحداث ملفتا الأنظار في ذلك الحين وفي كل حين بي أن هذا الإنسان من بين كافة الناس قد اختير لأداء دور ما، لإنجاز عمل أو الانقلاب على وضع ، وأن هناك عناية تفوق كل العنايات واهتماما يتعدى كل الاهتمامات تجاه هذا الإنسان بالذات تمهد الطريق ، وتسهم إسهاما غيبيا يند عن التحليل والتعليل في تكوينه النفسي الذي سيمكنه من أن يكون نبيا عما قريب.”” [دراسة في السيرة النبوية لعماد الدين خليل ص:50-51]


[1] سيرة ابن هشام ج/1 ص:1، تاريخ الطبري ج/2 ص:239-276، طبقات ابن سعد ج/1 ص:61.

[2] عيون الأثر ج/1 ص:69.

[3] الطبقات الكبرى لابن سعد ج/1 ص:56.

[4]  رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، ج/4 ص:1783.

[5]  سيرة ابن هشام، اعتنى بها أبو عبد الله محمد علي السمك، الكتاب العالمي للنشر بيروت ج/1 ص:19.

[6]  مقدمة ابن خلدون ج/2 ص:528.

[7] أحمد (8373)، والبخاري في الأدب المفرد (605)، والترمذي (3116) وحسنه، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.

[8] المقدمة ج/2 ص:529.

[9]  فقه السيرة ص:58.

[10]  المرجع نفسه ص:53.

[11]  تهذيب سيرة ابن هشام ص:35.

[12]  حضارة العرب ص:130.

[13]  تهذيب سيرة ابن هشام ص:36-37.

[14]  واه الإمام مسلم في صحيحه كتاب المأمورات باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين رقم الحديث:8 ج/3 ص:45.

[15]  رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله إلى السماوات وفرض الصلوات رقم الحديث:261 ج/1 ص:147.

[16] حياة محمد حسين هيكل ص:111.

[17]  فقه السيرة ص:64.

[18]  المرجع نفسه ص:65.

[19]  حضارة العرب جوستاف لوبون ص:

[20]  أنساب الأشراف ج/1 ص:101-102.

[21] البداية والنهاية ج/2 ص:266.

[22]  المصدر نفسه ج/2 ص:277.

[23] السنن الكبرى للبيهقي كتاب قسم الفيء والغنيمة باب إعطاء الفيء على الديون رقم الحديث:13080 ص:596.

[24]  البداية والنهاية لابن كثير ج/2 ص:273.

[25]  عيون الأثر ج/1 ص:61.

[26]  أنساب الأشراف للبلاذري ص:105.

[27]  رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ رقم الحديث:3 ج/1 ص:4

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.