“البعثة” (2) محمد رسول الله ﷺ
"البعثة" (2) محمد رسول الله ﷺ/ الدكتور عبد اللطيف بن رحو
“البعثة” (2) محمد رسول الله ﷺ
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
جامعة محمد الأول
وجدة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأعز من شاء ونصر، ورفع أقواما وخفض أقواما، فسبحانه الذي لا يرى بالبصر ويستدل عليه بالآيات والعبر وخلق كل شيء بقدر. والصلاة والسلام الأتمان الأنوران الأكملان الأزهران الأعتران المشرقان المضيئان على ولد عدنان سيدنا محمد ﷺ وعلى صحابته أجمعين ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
وبعد…
فإن الدّارسة للسيرة النبوة العطرة يجد نفسه أمام الوقائع التي سجلها التاريخ والذي كان في حقيقة الأمر غريبا في رصد الكثير من تفاصيل حياة الرسول ﷺ قبل بعثته بخلاف شأنه مع كثير من الناس لما كان له من تمیز وتفرد وسط الناس إعدادا إلهيا للمهمة التي سيضطلع بها دون الناس والتي ستكون فاتحتها الشريف بالاختصاص والرسالة ووسطها وخاتمتها البليغ الشاق الذي تنوء به الجبال الرواسي لأنه هدم وبناء متلازمين متجددين مستمرين هدم نظام قبلي جاهلي وبناء نظام إسلامي عالمي سرب دما نقيا وجديدا في شرايين الحضارة الإنسانية دفع بها نحو الوجهة السليمة حيث تتوافق سنن الاجتماع بسنن الوجود وفق الحكمة الإلهية .
إلا أن الحقيقة التي لا تغيب عن الأذهان وهي تتبع المراحل التي قطعها هذا النبي الأمي ﷺ قبل بعثته هي أن عناية إلهية فائقة خفية كانت ترعاه وتوجهه حسب ما تقتضيه الحكمة.
المطلب الأول: حادث البعثة ونزول الوحي
ظل محمد ﷺ يواظب على ما اعتاده من لذة خلوته ومفاجأة ربه في غار حراء إلى أن أشرق عليه اليوم الذي تحقق فيه الاصطفاء وتأكد فيه الاختيار ليكون آخر لينة في بناء العناية الإلهية التي تتعهد البشر بالتوجه والترشيد والهداية مباشرة حتى يظلوا على صلة بخالقهم وبارئهم، لقد تحقق الاصطفاء عن طريق ما يسمى بالوحي.
والوحي لغة هو التفهيم والإعلام في خفاء إلى جانب السرعة، أما اصطلاحا فمعناه توصيل الله تعالى الكلام والمعنى إلى نبيه ورسوله بصورة خفية وسريعة.
والوحي هو الركن الأساس الذي تستند عليه النبوة بحيث ينعدم مدلولها بدونه، وهو المصدر الوحيد لكافة الأخبار الغيبية والمبادئ العقدية والأحكام التشريعية وهو الذي يميز بين الإنسان الذي يعتمد فكره ورأيه وبين الإنسان الذي يصدر عن ربه بأمانة.[1]
وهو كما يقول د. محمد البوطي رحمه الله: “”منبع يقين المسلمين وإيمانهم بما جاء به محمد ه من عند الله، فلئن أتيح تشكيك المسلمين بحقيقته أمكن تكفيرهم لكل ما قد يتفرع عنه من عقائد وأحكام.[2]
والوحي سنة من سنن الله مع أنبيائه، قال تعالى: ﴿اِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيٰ نُوح وَالنَّبِيٓـِٕۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦۖ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالَاسْبَاطِ وَعِيس۪يٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُوراۖ ﴾ [النساء الآية:162]
ولكي نقف على حقيقة الوحي وصوره وآياته وآثاره سنعرض له كما طرأ على محمد ﷺ باعتباره النبي الوحيد الذي حفظ لنا التاريخ أحواله بشكل دقيق وهو يكابد الوحي بصورة موثوقة لا يرقى الشك إليها، حتى إذا ما انتهينا من ذلك عرضنا خصائص الوحي، جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “”أول ما بدأ رسول الله لي من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، يعني يتعبد، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، جاءه الملك فقال : اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم راسلني فقال: إقرأ، قلت : ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم اسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم.
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك صل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، نفت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة ، وكان سرها تنشر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن كتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ياليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ خرجك قومك ، فقال رسول الله ﷺ: أومخرجي هم، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا .ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي.””[3]
وهناك نص آخر أقل تفصيلا من النص سالف الذكر ولكنه يتضمن إضافات تتعلق تاريخ الدقيق الذي تم فيه الاتصال بين الروح الأمين جبريل وبين محمد المبعوث رحمة للعالمين وكذلك السن التي كان عليها رسول الله ﷺ، وعدد المرات التي اتصل فيها جبريل عليه سلام به، عن عائشة رضي الله عنها قالت :« أول ما بدأ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا كانت مثل فلق الصبح، وحببت إليه الخلوة، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه – والتحنث التعبد والتبرر – ويمكث الليالي قبل أن يرجع إلى أهله، ث يرجع إلى خديجة فيتزود، حتی فاجأه الحق وهو في غار حراء ، وعرض له جبريل عليه السلام ليلة السبت وليلة الأحد ثم أتاه بالرسالة يوم الإثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ورسول الله ﷺ ابن أربعين سنة .[4]
قرر هذان النصان صورتان من صور الوحي: الصورة الأولى وتتمثل في الرؤيا الصادقة، ولا ريب أن هذه الصورة ليست خاصة برسول الله ﷺ وحده، وإنما قد تكون ناموسا خضع له جميع الأنبياء، يؤكد هذا بعض الإشارات القرآنية، فقد جاء في سورة يوسف قول الله عز وجل على لسان يوسف عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّے رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِے سَٰجِدِينَۖ﴾[سورة يوسف الآية:4] فلما تحققت هذه الرؤيا على مستوى الواقع بعد سنين عديدة ، قال يوسف أيضا مخاطبا أباه : ﴿وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَاوِيلُ رُءْيٰ۪يَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّے حَقّاۖ﴾[سورة يوسف الآية:100].
أما الصورة الثانية فهي صورة اللقاء المباشر بين الروح الأمين جبريل عليه السلام وبين محمد ﷺ، ولكن على صور وهيئات متنوعة تتدرج ما بين صورته الحقيقية وصور أخرى سنتعرف عليها، وكما هو ملاحظ فإن النصين المذكورين لا يشيران إلى الصورة التي جاء عليها جبريل عليه السلام حينما بلغ الوحي إلى رسول الله ﷺ، وإنما يشيران إلى مجيء جبريل ومخاطبة الرسول ﷺ بالوحي على صورة تشبه التعليم والتلقين، ورغم ذلك فإن القرائن التي ينطوي عليها النّصان مقارنة بما سنذكره من نصوص أخرى تدل على أن الصورة التي جاء عليها أول مرة راعت نفسية الرسول ﷺ وقدرته على تحمل مثل هذه الأمور الغيبية باعتباره بشرا ضعيفا يواجه حدثا عظيما وخبرة وجدانية معرفية جديدة، فكان تركيز اهتمام وانتباه رسول الله ﷺ أشد ما يكون إلى الكلام ومعناه، وإلى الطريقة التي يتم بها ترسيخه في قلبه ووجدانه، وهذا ما دلت عليه النصوص المذكورة كما هو واضح، وإن الذي يؤكد ما ذهبنا إليه أند عليه ﷺ حينما رأى جبريل للمرة الثانية وعلى هيئته الحقيقية لم يتمالك نفسه ودخله رعب عظيم فخر على الأرض من ذلك فرقا وخوفا كما هو وارد في النص الذي سنذكره، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ له وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُثئت [ فزعت وخفت ] منه رعبا، فرجعت فقلت زملوني زملاني فدثروني فأنزل الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْۖ﴾[سورة المدثر الآية:1][5].
وهناك صورة ثالثة كان يتم بها الاتصال بين الخالق سبحانه وتعالى وبين رسول الله ﷺ، وقد وصفها لنا الرسول ﷺ، كما أقر من خلال ذلك أنها كانت من أصعب الحالات وأشدها عليه، جاء في صحيح البخاري أن الرسول له سئل عن الكيفية التي كان يأتيه عليها الوحي فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فينجم عني وقد وعيت عند ما قال.
وهناك صورة رابعة أيضا قد أشارت إليها تتمة الحديث المذكور قال ﷺ: “”وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول.[6]
ولقد كان لعملية استقبال الوحي آثار متميزة على رسول الله ﷺ واضحة للعيان نذكر منها الأعراض التالية:
1- تصبب العرق رغم برودة الجو: قالت عائشة رضي الله عنها:”” ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه لينفصد عرقا.””[7]
2- إحمرار الوجه وتتابع الأنفاس مع غطيط شبيه بغطيط النائم: روى الإمام البخاري أن أحد الصحابة ويدعى يعلى طلب من عمر بن الخطاب أن يريه النبي ﷺ حين يوحى إليه، قال: فبينما النبي ﷺ بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه، جاءه رجل فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب، فسكت النبي ﷺ ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى، فجاء یعلی وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظل به فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يغط ثم سري عنه …””
3- انبعاث صوت کدوي النحل بالقرب من وجهه: عن عمر بن الخطاب أنه قال:”” كان رسول الله ﷺ: إذا أنزل عليه الوحي يسمع عند وجهد كذوي النحل فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة ثم سري عنه فقرأ: ﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ﴾ [سورة المؤمنون الآية:1] إلى آخر الحديث.””
4 ثقل الوزن: جاء في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “”أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترضّ فخذي.””
ولقد شاهد الصحابة رسول الله ﷺ له كيف أن ناقته التي تقله وهو يكابد الوحي لا تقوى على حمله فتخر على الأرض راغمة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “” وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه.””
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿اِنَّا سَنُلْقِے عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاًۖ﴾ [سورة المزمل الآية:4] ووقوله تعالى: ﴿لَوَ اَنزَلْنَا هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانَ عَلَيٰ جَبَل لَّرَأَيْتَهُۥ خَٰشِعا مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اِ۬للَّهِۖ وَتِلْكَ اَ۬لَامْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَۖ﴾ [سورة الحشر الآية:21] متصدعا من خشية الله، فليس الثقل إذا معنوي فقط وإنما هو حسي أيضا.
المطلب الثاني: مميزات الوحي
إن الاستقراء والتأمل في جميع الحالات المتصلة بظاهرة الوحي كما لابست رسول الله ﷺ تجعلنا نميز الوحي ونصفه على الشكل التالي:
1- أنه حدث مفاجئ: فهو أمر طارئ على حياة رسول الله ﷺ إذ لم يكن يتوقع ذلك أبدا، ولا تطلع إليه سابقا، وحتى بعد أن أصبح نبيا يوحى إليه ظلت صفة المباشرة لازمة، فقد كان يفاجئها ليلا ونهارا في السفر والحضر، عند الركوب وعند الجلوس، في الخلوة والجلوة، في حالة الانفراد وفي حالة الاجتماع مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓاْ أَنْ يُّلْق۪يٰٓ إِلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبُ إِلَّا رَحْمَة مِّن رَّبِّكَۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكٰ۪فِرِينَۖ﴾ [سورة القصص الآية:86]
ورغم ذلك فقد وجدنا نصوصا كثيرة تداولتها كتب السيرة على اختلافها تشير إلى أنه ﷺ كان يسمع الهواتف وتحييه الأحجار والأشجار كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: “”عن أبي بكر بن شيبة عن يحي بن أبي بكر قال: قال رسول الله وإني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن.””[8]
وهناك نصوصا أخرى احتوت على إضافات وزيادات أخرى تضرأ هذا التعارض، وذلك بإشارتها إلى أن الأمور إنما كانت في الفترة التي كان الوحي المباشر يوشك أن يباشر رسول الله ﷺ لتلقي في روعه الاستعداد والاستشراف وهذا بالنسبة للهواتف التي كانت قبل الإيحاء، أما الهواتف والتحيات التي كانت بعد الاتصال الأول فهي تدل على التهنئة والتنويه لرسول الله ﷺ، وقد اصطفاه الله عز وجل وخصه بالرسالة الخاتمة إكراما و إجلالا ومما يؤكد هذا الحديثان اللذان رواهما الإمام الترمذي في جامعه، الأول: عن جابر بن سمرة: أن رسول الله إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني لأعرف إذا مررت عليه، والثاني : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ تم بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال له السلام عليك يا رسول الله ﷺ، إلى غير ذلك من النصوص.
2- أنه حدث لا إرادي، ويدل على هذا الأمر الأعراض الجسدية المختلفة التي أشرنا إليها سابقا، فهو لا يستطيع أن يفعل ذلك وإلا انكشف أمره للعيان، وكذلك يدل على ذلك الأحوال النفسية مثل انتباب الخوف من الملك في اتصالاتها الأولى وانبهام الأمر عليه، واللجوء إلى الفرار والتدثر والتزمل لتسكين الفؤاد، وكذلك عجزه عن استحضاره عندما انقطع الوحي عنه بعد اللقاء الأول في غار حراء، وظن أنه حرم نعمة النبوة، وفي فترة الوحي حكم إلهية جليلة منها:
أ- أنها أعطت رسول الله فسحة لإنعام النظر، واطمئنانا إلى تلقي الوحي وإلفه للملك جبريل عليه السلام.
ب – أنها حملت الرسول ﷺ على التعجب والتساؤل والبحث، وانتشر الخبر بين طائفة يعز عندها محمد بن عبد الله، فخلف انقطاع الوحي يقينا بأن هذه الظاهرة خارجة عن ذات النبي وإرادته، وقد استبطأ رسول الله ﷺ جبريل عليه السلام فحثه على الإكثار من الزيارة فنزل قول الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَۖ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاۖ﴾ [سورة مريم الآية: 64]. هذه هي حقائق ظاهرة الوحي وهذه هي مميزاتها كما أحاطت بها النصوص الشرعية المأثورة التي لا يمكن الطعن في صحة نسبتها إلى ذلك العهد، ورغم ذلك فقد حاولت بعض العقول المغرضة أن تثير الأمر بصورة تشكيكية جدلا وإنكارا متكلفة جهدا فكريا مضنيا لا طائل من ورائه لأن البراهين القوية تقوضه.
ولقد كان الإصرار على هذا الأمر يبعث عليه الإدراك بأن الأصل اليقيني الذي تقوم عليه العقيدة الإسلامية هو أمر الوحي، فإذا أمكنهم الأمر من التشكيك في حقيقة الوحي وإنكار مصدريته الإلهية، فمكنوا من إبطال جميع ما نجم عن هذا الوحي من أحكام وعقائد مختلفة وأقنعوا الناس بأن كل ما يطلق عليه مصطلح إسلام من شرائع وعقائد هو من إبداع محمد ﷺ باعتباره مفكرا أو فيلسوفا، وينتج عن هذا الاتفاع القوة الإلزامية التي أريدت للإسلام باعتباره دينا ربانیاً سماويا فيصبح الناس مخيرون إن شاءوا اتبعوا محمدا ﷺ وإن شاءوا رفضوا اتباعه ولا تثريب عليهم إذ اتباع البشر للبشر ليس جبرا .
لقد حاول المشككون تأویل ظاهرة الوحي كل حسب ما اتفق له، فمنهم من ادعى بأن محمدا ﷺ لم يزل يداوم على العزلة والفكر والتأمل إلى أن صفت نفسه وتألقت روحه ففاضت عن روحه المتسامية هذه العقيدة على هيئة قريبة من طريقة الكشف الصوفي التدريجي المتواصل.
ومنهم من ادعى أن محمدا ﷺ تعلم القرآن الكريم ومبادئ الإسلام من أناس معينين مثل بحيرة الراهب أو بعض رجال الدين النصارى في الشام أو ورقة بن نوفل أو فتی أعجمي روميا كان من الرقيق.
ونحن نحاول الرد على هذه المزاعم لابد من التذكير بأهم المظاهر والملاحظات التي رافقت أول لقاء كان بين محمد ﷺ وبين جبريل عليه السلام، ثم نجيل فيها بعقولنا ثم نتساءل ما هي الحكمة من ذلك كله.
لقد كانت الحكمة من ذلك كله طرد كل ما يمكن أن يصدر من شبهة أو طعن، وأول هذه المظاهر والملاحظات ما يلي:
1- رؤية محمد ﷺ ومعاينته لجبريل معاينة حقيقية بعيني رأسه، وقد كان بالإمكان مخاطبته من وراء حجاب .
2- اعتراء الرعب والحيرة في الفهم قلب محمد ﷺ، وكان بالإمكان الاتصال به دون إثارته بصورة هادئة تحوطها السكينة والهدوء.
3- خشية محمد ﷺ على نفسه من أن يكون قد أصابه مس من الجن، ولم يتبادر إلى ذهنه أن الذي خاطبه يمكن أن يكون ملكا مبعوثا من قبل الله، خاصة وأن هذا الذي حدثه لم يعلن له أول الأمر عن حقيقته.
4- انقطاع الوحي عنه مدة طويلة سببت قلقا عظيما وجزعا كبيرا لرسول الله ﷺ حتى إنه لقد حاول أن يلقي بنفسه من شاهق الجبل كما جاء في الحديث.
كل هذه الحيثيات يجد فيها العقل الحر الذي لم تكبله النوازع وتغشية الشهوات الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
لقد انكشف جبريل عليه السلام لمحمد ﷺ وهو في الغار ليراه بعينيه حقيقة وهو يأمره بالقراءة حتى يتيقن أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا باطنيا مرجعه إلى الإشراق الروحي، وإنما هو استقبال الأمر خارجي يدرك حقيقته إدراكا واعيا.
كما أن معاودة الضم أكثر من مرة، يعد تأكيدا لهذا الاستقبال الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصور من أن الأمر لا يعدو أن يكون طيفا أو خيالا تشبيها بأضغات الأحلام.
ولقد سيطر عليه الهلع والرعب، حتى أنه فارق لذة الخلوة التي كان يجدها في الغار والذي بحث عنها عن طواعية ليسرع عائدا إلى بيته ترتعد فرائصه لكي يظهر لكل عاقل أنه لم يكن يتشوف إلى وحي أو رسالة يذيعها في العالم وإنما طرأت على حياته طروءا مثيرا من غير توقع.
وكذلك إن ما يمكن أن يعاز إلى الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي لا يبعث على الرعب والخوف وتغير اللون، يقول الدكتور محمد البوطي معلقا على الصورة التفصيلية التي أثرت عن الوحي ليرد المزاعم التي أثيرت حول الموضوع : “” وقد كان الله عز وجل قادرا أن يربط على قلب رسوله ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلمه ليس إلا جبريل، ملك من ملائكة الله جاء ليخبره أنه رسول الله إلى الناس، ولكن الحكمة الإلهية الباهرة تريد إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد ﷺ قبل البعثة وشخصيته بعد ها، وبيان أن شيئا من أركان العقيدة الإسلامية أو التشريع الإسلامي لم يطبع في ذهن الرسول صبي ﷺ مسبقا ولم يتصور الدعوة إليه سلفا.””[9]
وكذلك انقطاع الوحي لمدة تزيد عن ستة أشهر ينطوي على أبلغ رد على من اعتبروا النبوة إشراقا روحيا بعث عليه التأمل والتدبر.
خاتمة
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يختفي الملك الذي خاطب محمدا ﷺ أول الأمر كل هذه المدة ليستبد به القلق ويتحول لديه خوف من أن يكون الله عز وجل قد ترکه بعد أن شرفه فيشتاق إلى ذلك الاتصال الخارجي الذي أصبح يدرك لذته.
إن هذه الأمور مجتمعة تنهض برهانا شامخا لتقويض المزاعم والادعاءات التافهة.
ثم إن ديمومة الوحي بالصورة التي أشرنا إلى أهمها ليحمل أكثر من دلالة على حقيقته الربانية، ويمكن أن نجمل بعض أوجه هذه الدلالة في المعاني التالية:
1- الاختلاف البين بين طبيعة القرآن الكريم وطبيعة الحديث النبوي.
2- إحجام الرسول ﷺ على إعطاء الجواب في بعض الأحيان إلى حين نزول الوحي من السماء، وقد كانت المدة أحيانا تطول بين السؤال والجواب وربما أجاب الرسول أحيانا على وجه معين، فينزل القرآن الكريم على خلاف ذلك الوجه. هذه خلاصة ما يمكن أن نقوله حول ظاهرة الوحي.
[1] كبرى اليقينيات الكونية للبوطي ص:154.
[2] المرجع نفسه ص:154.
[3] رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ رقم الحديث:3 ج/1 ص:4.
[4] أنساب الأشراف ج/1 ص:105.
[5] رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم الحديث:3 ج/1 ص:4-5.
[6] رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم الحديث:2 ج/1 ص:3.
[7] رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم الحديث:2 ج/1 ص:3.
[8] رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه رقم الحديث:2 ص:1782.
[9] كبرى اليقينيات الكونية للبوطي ص:191.