منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منامات السيد المدير (قصة إدارية قصيرة)

رشيد الفائز

0

 منامات السيد المدير  (قصة إدارية قصيرة)

بقلم: رشيد الفائز

في ذاك الصيف، باتت زوجة السيد المدير في حيرة من أمرها: بمجرد إقبال الليل وإدبار النهار تعود إليها كل الهواجس والأفكار المترسبة في ذاكرتها، والتي راكمتها على مدى أيام.

 منذ مدة، لاحظت أن زوجها لا ينام نومه المعهود، بل يتقلب في الفراش في حركات غريبة ويتمتم بكلمات ومقاطع، بل وبأغان بأكملها وأشعار وأشياء أخرى غير مفهومة.

لم تعد تتحمل الموقف المتكرر كل ليلة، استشارت بعض صديقاتها فزادتها آراؤهن حيرة على حيرتها، فقررت استشارة طبيبة مختصة، علها تفكك رموز القضية.

في أول الأمر طلبت الأخصائية منها أن تدون ملاحظاتها حول ما يقع لزوجها كل ليلة بكل دقة وأمانة وذلك خلال بعض الأيام حتى تتمكن من تحليل الوضع واستخلاص النتائج وعند الاقتضاء وصف العلاج.

في الليلة الأولى قامت الزوجة المسكينة على صوت أغنية ثورية كان زوجها يرددها مرارا في أيام الشباب لكنه انقطع عن ذلك منذ مدة ليست باليسيرة، خاصة بعد التقدم في السن وولادة الأبناء.

أما في الليلة الثانية فكان الوضع مختلفا، حيث بدأت التمتمات والكلمات المتقطعة هنا وهناك لينتهي العرض بأبيات لأبي فراس الحمداني :

أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ       أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ

أَيقَنتُ أَن لاعِزَّ بَعدي لِعاشِقٍ            وَأَنَّ يَدي مِمّا عَلِقتُ بِهِ صِفرُ

فَلا تُنكِريني يا اِبنَةَ العَمِّ إِنَّهُ            لِيَعرِفُ مَن أَنكَرتِهِ البَدوُ وَالحَضرُ

قالت الزوجة المسكينة في نفسها لعل الهواجس قد انتهت مع أبي فراس الحمداني ! لكن الليلة الثالثة كانت الأغرب في كل الليالي ، فالرجل بدا منذ خلوده للنوم كأنه صخرة لا تتحرك، حتى إذا انتصف الليل استيقظت الزوجة على إيقاع الصفير وشعارات تشجيع وتصفيقات وبعض من الشتائم لأحد مدربي الفريق المحلي الذي قضى نحبه منذ زمن بعيد، فقالت الزوجة المسكينة أن هذه الليلة هي ليلة كروية بامتياز. سجلت ذلك في سجلها وسلمت أمرها لله.

في الليلة الرابعة سمعت زوجة المدير صوت زوجها وهو يأمر أناسا بنصب الخيام، وآخرين بجلب الماء، وآخرين بإحضار الحطب… ففهمت المسكينة أنها تقضي ليلتها في مخيم افتراضي يديره زوجها ويسهر على تنظيمه. سجلت الملاحظات وعادت إلى فراشها وأجفانها تصارع نوما  استعصى أن يعود إليها.

خامسة الليالي كانت هي الأدهى والأمر، استخلصت الزوجة من حركاته أن زوجها يركب على متن دراجة هوائية، ويرفع رجلا ويخفض أخرى ليسابق الريح ! وقد خيل إليها أنه استلم المشعل من بطل “دون كيشوط ” ليشارك من خلال هلوساته الليلية في رحلة على متن الدراجات الهوائية مع أصدقائه وجيرانه. ولم تنل الزوجة المسكينة من هذه المغامرة سوى ركلة على حين غرة تركت بعض الأثر في نفسها وجنبها الأيسر.

لم يتبق من الليالي التي أوصت الطبيبة بتسجيلها سوى ليال معدودة. استجمعت الزوجة قواها والأمل يحدوها لفك لغز زوجها المحير. وكعادتها وضعت سجلها وقلمها تحت وسادتها في انتظار ما ستسفر عنه ساعات الليلة المقبلة.

الليلة السادسة كانت هادئة من الأصوات والحركات لكنها كانت عبارة عن إيماءات بسياقة حافلة ركاب كبيرة فهمت من خلال تمتمات زوجها أن الأمر يتعلق بتنظيم رحلة عائلية إلى مدينة أخرى شارك فيها أهل الحي وذويهم ولم يكن السائق سوى السيد المدير.

الليلة السابعة كانت متوقعة شيئا ما لأن السيدة لاحظت أن زوجها تقمص أدوارا عديدة إلا المهنة التي يحبها، وهي التعليم. وما إن كادت تقطع حبل أفكارها حتى سمعته في الظلام الدامس يحض الحاضرين الافتراضيين على الهدوء والانتباه لأن المحاضرة سوف تبدأ بعد قليل. كانت المحاضرة عبارة عن افتتاحية لأشغال الدورة التدريبة المقررة حسب الراوي” حي ابن يقظان” لمناقشة سبل تطوير أساليب العمل في المؤسسة.

لم تتبق إلا ليلتان أو ثلاثة لاستكمال سجل الملاحظات حتى تقدمه للأخصائية، مما زاد من حماس الزوجة وشد عضدها رغم التعب الشديد المرسوم على جفونها الناصبة.

 الليلة الثامنة، وفي مشهد عجيب غريب بدأ بتلاوة آيات من كتاب الله تعالى تحض على بر الوالدين وسرد بعض الأحاديث النبوية في الباب. لكن الأغرب هو عندما بدأ السيد المدير بتقديم الحاضرين المناميين: والد أخينا فلان ، والدة أخينا علان ، جدة أختنا فلانة وجد جارنا الفلاني…

عرفت الزوجة أن الليلة هي ليلة احتفاء بالآباء والأمهات القادمين من بعيد في الزمان والمكان.

كانت الليلة التاسعة هي آخر الليالي التي ستدونها الزوجة قبل لقاء الأخصائية، وكان السيد المدير في موعد مع حلم جديد ومغامرة افتراضية أخرى. هذه المرة استبدل السيد المدير اللغة الأم بلغة أجنبية أوحت إلى الزوجة أنه يتوجه بالكلام إلى حضور دولي يقدم من خلاله برنامجا لمهرجان الفنون الختامي وبعرض إنجازات المبدعين الشباب والكهول الذكور منهم والإناث.

سجلت الزوجة كل ذاك بكل التفاصيل في السجل المعلوم:

  • الليلة الأولى: مهرجان للأمداح والأغاني الثورية.
  • الليلة الثانية: مهرجان للشعر والنثر والأدب.
  • الليلة الثالثة: بطولة وطنية لكرة القدم.
  • الليلة الرابعة: مخيم صيفي للشباب والعائلات.
  • الليلة الخامسة: رحلة على متن الدراجات الهوائية.
  • الليلة السادسة: رحلة عائلية جماعية إلى مدينة أخرى.
  • الليلة السابعة: دورة تدريبية لتطوير أساليب العمل.
  • الليلة الثامنة: احتفاء وتكريم للآباء والأمهات والأجداد.
  • الليلة التاسعة: مهرجان ختامي دولي للفنون المتجددة.

 وضعت الزوجة السجل تحت وسادتها، وكلها شوق لطلوع الفجر، لتطير به إلى الأخصائية في الصباح.

علا صوت المؤذن من خلال ساعة الآذان، استيقظت الزوجة مذهولة، مسحت النوم من على وجهها الشاحب، بحثت عن السجل وعن القلم فلم تجد لهما أثرا تحت وسادتها ولا وسادة زوجها الذي غادر الفراش منذ السحر نحو المسجد. أطلت من النافذة، رأت بعض السحب، وبعض قطرات المطر على الزجاج، فأيقنت أن الصيف الذي حل كالضيف لم يعد إلا كالطيف… بدأت المسكينة تسترد وعيها رويدا رويدا، لتتبين أن الحلم الذي رأته لم يكن حلم المدير زوجها فقط، بل حلمها هي كذلك، ولربما حلمهما معا، أو حلم بعض من يتقاسم همهما كذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.