أيُّها الإِنْسَانُ اعْرِفْ قَدْرَكَ!!!(الحلقة الخامسة) سلسلة معراج الروح
رشيد كريم
نعرض بعضًا من طبائع الإنسان وصفاته في القرآن الكريم، وبدايةً يجب أن نعلمَ أنَّ الإنسانَ مسؤولٌ مسؤوليّة فردية كاملة فالإنسان مُكلَّفٌ، قال تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ﴿الأحزاب 72﴾
وقال جل في علاه ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿الإسراء 13﴾
نفهم من هذه الآيات أنَّ الإنسان مسؤولٌ مسؤوليَّةً كاملةً عن أعماله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، فإنَّ من طبعِ الإنسان إلقاءُ اللوم على غيره،
فهذا هو الإنسان يصرخُ محمِّلًا الشيطانَ المسؤوليةَ قال تعالى﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ ﴿الفرقان 29﴾
أو يحاول أن يلقي المسؤوليةَ على من هم أقوى منه ، قال تعالى ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) ﴾ ﴿البقرة ﴾ فإذا علمنا أنّه ليس للإنسان إلا ما سعى، فإننا نعلم أنَّه ليس له ما تمنَّى ورغب به فقط دون عمل، قال الله تعالى ﴿ أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى؟﴾ ﴿النجم 24﴾
وإليكم بعضا من الطبائع البشرية التي نبه إليها القرآن الكريم
من هذه الطبائع، الضَّعفُ:
قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ ﴿النساء 28﴾، وقال عز من قائل ﴿والعصر 1 إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2﴾ ﴿العصر﴾
ومن فهمنا لبقيّة آيات القرآن نتبيَّنُ أنَّ ضعفَ الإنسان عامٌّ،
ويشملُ الطبائعَ الخَلْقيّةَ، فإنَّ الإنسان يولدُ ضعيفًا صغيرًا باكيًّا، لا يستطيعُ أن يؤمِّن قوتَ يومِه، لكنّ عودَه يشتدُّ حين يكبُر، ثمَّ يُرَدُّ إلى ضعفِه في أرذل العُمُر،
ويشمَلُ الطبائع الخُلُقيّة، فالإنسان ضعيفٌ أمامَ الشهواتِ والمُغرِياتِ، فهذا نبيّ الله آدمُ وزوجتُه أكلا من الشجرةِ التي نهاهُما عنها اللهُ، مع أنَّه كان في الجنَّةِ، لكنَّ نفسَه ضَعفَت أمام وساوس الشيطان، فإذا عَلِم المرءُ أنَّ الإنسان ضعيفٌ بطبعه، سعى إلى تقوية نفسه، ولأنَّ الإنسان في خُسرانٍ منذُ لحظةِ ولادته فإنَّ ساعةَ موته تقترب، فعندما يوقن المرء بذلكَ، ينصحَ نفسَه، لأنّه: بين عينيّ كلِّ حيٍّ.. عَلَمُ الموت يلوحُ، كما قال أبو العتاهيّة.
من تلكم الطبائع، الكُفران وجحد النِعَم:
قال الله تعالى ﴿وآتاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿إبراهيم 34﴾
وقال عز من قائل ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ ﴿العاديات 6﴾
وقال أيضا ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿عبس 17﴾
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ ﴿ الإسراء 67﴾
﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ ﴿ الحج 64﴾
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ
أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ﴿ الزمر 9﴾
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ ﴿الشورى 48﴾
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ۚ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿الزخرف 15﴾
من تلكم الطبائع الخصومة والجدل:
قال الله تعالى:
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿النحل 4﴾،
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَر شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ﴿الكهف 54﴾
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿٧٧ يس﴾
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ الزمر46﴾
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿٥١ فصلت﴾
فالجدلُ هو أكثرُ صفةٍ تُميِّزُ الإنسان.
من تلكم الطبائع العَجَلة:
قال جل شأنه
﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿الأنبياء: 37﴾
﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ ﴿ الإسراء 11﴾
ومن العجلة تقديم الدنيا وتفضيلها على الآخرة، قال تعالى ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) ﴾ ﴿القيامة: 20-21.﴾
فنرى اليومَ أقوامًا دينهم وديدنهم كل ما هو جديدُ وحديثٌ فنجد أديانًا جديدة كدين حبُّ الاستهلاك، ودين التسوُّق، ودين الحداثة، فكل ما هو حديث وحادث ومُحدث مطلوب، ولا يهمّ إن كان نافعًا أم ضارًا حسنًا أم قبيحًا.
من تلكم الطبائع الهلع والجزع والمنْع:
قال تعالى
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ﴿المعارج 22﴾
﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾ ﴿ الإسراء 100﴾
فإنَّ من طبيعة الإنسان الهلع والجزع والمنع والشحّ فإننا نرى في الغرب والشرق من غير المسلمين كيفَ أنَّه يكُثر لديهم الانتحار والتوتر النفسي والغضب والحالات والأمراض النفسية التي تصيبهم، وهي ناجمة عن تخلُّقهم بهذه الأخلاق المُريعة.
من تلكم الطبائع اليأس:
قال تعالى
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ ﴿الإسراء 83﴾
﴿لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿فصلت 50 ﴾
وقد حرَّم الله اليأس فقال ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿يوسف 87﴾ فليسَ لمؤمنٍ مسلمٍ أن ييأسَ
.من تلكم الطبائع الغفلة والنسيان وتناسي البعث والعرض على الله تعالى والغرق في الدنيا وشهواتها:
قال تعالى
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ﴿مريم 67﴾،
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ﴿الفجر 23﴾،
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿الطارق 5﴾،
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿الزلزلة 3﴾،
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿القيامة 36﴾،
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ ﴿النازعات35 ﴾
ولذلك شرعَ الله لنا الذكْرَ، لأنّ من طبيعة الإنسان النسيان.
من تلكم الطبائع خلقُه من أخلاط مختلفة تؤثر في طباعه وتوجَّه بالتربية والتخلّق:
قال تعالى ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿الإنسان2﴾.
من تلكم الطبائع خلقُه في أحسن تقويم:
قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿التين 4﴾
من تلكم الطبائع أنَّه لا أحدَ أعلمُ بنفسِه من الإنسان نفسِه:
قال تعالى ﴿بَلِ الْإِنسَانُ على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿القيامة :14
من تلكم الطبائع أنَّ الأصلَ في النّاس الظلمُ عند الغِنى والقوة:
فإنَّ العدل نتيجة أسباب مختلفة، كالتخلُّق والتربية والدين.
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾ ﴿العلق﴾
من تلكم الطبائع توهُّم الإنسان أنَّه سيخلُد:
قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ﴿الأنبياء 34﴾
﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿ مريم 66﴾
لذلك جاء التذكير بالأصل وهو العَدَم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ ﴿الإنسان 1﴾
من تلكم الطبائع أنَّ الأصلَ في الإنسان الجهلُ:
قال تعالى
﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ﴿العلق 5﴾
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ
كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ﴿ الأحزاب 72﴾
إنَّ في هذه الآيات لعلاماتٍ دالّة قويّة واضحة للمتوسّمين تدلُّ على شدّة ضعف الإنسان وعظمَة خالقِه وحاجته إلى رحمته وإليه، فتعالى الله الملك الحق، تعالى عُلُّوًا كبيرًا.
يا أيها الإنسان هذه بعض طبائعك من خلال كتاب ربك
فإياك أن تخطئ في تقييم حجم نفسك، فتعطيها أكبر من قدرها..
هناك أناس يعتقدون أنهم محور الكون وأن مدار الأمر عليهم وهذه أوهام وأمراض ولوثات فكرية ونفسية، مرَدُّها إلى الجهل بحقائق الأشياء. والقرءان العظيم ينبهنا. في إشارات بالغة الروعة تضبط البوصلة وتحقق التوازن..
وذلك من خلال تعريفنا بالحقيقة…
حقيقة الإيجاد خلقا، وحقيقة الفقر نَعتا، وحقيقة النهاية في الدنيا فناء، وحقيقة البعث جزاء
حقيقة الإيجاد خلقا، فجاء قوله تعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ ليطفئ كبرك..
وحقيقة الفقر نَعتا كما في مثل قوله تعالى ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ ليؤكد فقرك
وحقيقة النهاية في الدنيا فناء كما في مثل قوله تعالى ﴿إن إلى ربك الرجعي﴾ ليوقظ بصيرتك وبصرك…
وحقيقة البعث جزاء كما في قوله تعالى ﴿قل إن الأولين والآخرين المجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ لينهض همتك…
فمن عرف الحقائق غادر مستنقع الأوهام، وحارب موات نفسه بشحنات العرفان وهبات الإيمان… فمعرفتك حقيقتك وحقيقة ما يراد منك، ومعرفة حقيقة الجزاء المترتب على عملك هي أشياء كفيلة بإيقاظك وإيقاد جذوة الإيمان فيك.
لا تظنن أنكَ مَحَطَّ الأنظار وزينة النظار، فما أنت وأنا وهم إلا هباءة متناثرة في كون لا نهاية له..
كن من تكون فيوم رحيلك لن تختفي الشمس عن النظر ولن يأبى البزوغ القمر ولن تتضرر معايش البشر ولن يتوقف عن الهطول المطر ولن تذبل أوراق الشجر.
ستستمر الحياة والبيع والشراء، وأكثر أحوالك إن كنت من أصحاب الجاه والمكانة نعي في صورة خبر أو دقيقة صمت على أعتاب ملتقى أو مؤتمر…
فتوجه إلى الذي ستر عورتك هنا وسله أن يُؤمِّنَ روعتك هناك فلا ملجأ ولا منجا لك منه إلا إليه.
وكما قال لقمان عليه السلام: ما للترابي والكبر
وكلما جدد الإنسان النظر في بدئه استحيا من ربه ولاذ بجنابه وآب إلى رحابه.
فما كان لقبضة التراب قدر ولا ذكر لولا فضل الله ورحمته ومدده وإعانته.
وقد خُلقنا مما ندوسه بالأرجل وكأنه تذكرة لنا بدوام ولزوم الافتقار، حتى نطلب العزة من مصدرها وقد خلقنا الله فقراء..
والصالح فينا، هو الذي يستبقي هذا النعت قائما في نفسه ليتحقق بالذلة لله، والرحمة لخلقه ذاكرا نعمة الله عليه، وأنه لولا ربه ما كان له من شأن، وما خفق قلب بحبه، ولا انطلق لسان بالثناء عليه…
وكما قال العارفون: إذا أراد الله أن يظهر فضله عليك خلق فيك ونسب إليك..
واعلم يقينا أنه لا نهاية لمذامك إن وكلك إليك، ولا انقطاع لمحامدك ومدائحك إن أظهر جوده عليك..
فكن بأوصاف ربوبيته متعلقا، وبأوصاف عبوديته متحققا …
روي أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة والي عبد الملك على خراسان يتبختر في مطرف خز وجُبة خز فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال له: أما تعرفني؟ قال: نعم، أولك نطفة مَذرة، وآخرك جيفة قَذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العَذرة. فمضى المهلب وترك مشيته.
نظم الكلام محمود الوراق فقال:
عجبت من معجب بصورته وكان في الأصل نطفة مذره
وهو غدا بعد حسن صورته يصير في اللحد جيفة قذره
وهو على تيهه ونخوته ما بين ثوبيه يحمل العذره
قال أحَدُ الشُّعَراءِ
يا مُظهِرَ الكِبرِ إعجابًا بصُورتِهِ * انظُرْ خَلاءَك إنَّ النَّتْنَ تثريبُ
لو فكَّر النَّاسُ فيما في بطونِهِم * ما استشعَرَ الكِبرَ شُبَّانٌ ولا شِيبُ
هل في ابنِ آدَمَ مِثلُ الرَّأسِ مَكرُمةً * وهو بخَمسٍ من الأقذارِ مضروبُ
أنفٌ يسيلُ وأذنٌ ريحُها سَهَكٌ * والعَينُ مُرمِصةٌ والثَّغرُ ملعوبُ
يا ابنَ التُّرابِ ومأكولَ التُّرابِ غدًا * أقصِرْ فإنَّك مأكولٌ ومَشروبٌ
وقال آخَرُ:
يا مَن غلا في العُجْبِ والتِّيهِ * وغَــرَّه طـولُ تَـمـادِيــهِ
أمـلى لـك اللَّـهُ فـبـارَزْتَـُه * ولم تخَفْ غِبَّ معاصِيهِ
وقال منصورٌ الفقيهُ:
تَتِيهُ وجِسمُك مِن نُطفةٍ * وأنت وِعاءٌ لِما تَعلَمُ
وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
شرح كلمات
مذرة بيضة فسدت. إمرأة مذرة: قذرة.
العَذِرَةُ: الغائطُ وفي الحديث: اليهود أَنتَنُ خلقِ اللهِ عَذِرةُ
السَّهْكَةُ : الرائحةُ الكريهةُ.
رَمِصَتِ العيْنُ: اجتمَعَ في مُوقِها وَسَخٌ أبيضُ، (مُؤْقُ العَيْنِ: طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الأَنْفَ، وَهُوَ مَجْرَى الدَّمْعِ).