منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

  الهجرة إلى الحبشة، دروس وعبر

  الهجرة إلى الحبشة، دروس وعبر/ نصر الدين حمامي

0

الهجرة إلى الحبشة، دروس وعبر
بقلم: نصر الدين حمامي

“لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد” بهذه الكلمات أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكرام بالهجرة من مكة المكرمة إلى أرض الحبشة موطن العدل والسلام في ذلك الوقت، فرارا بدينهم من ظلم وبطش أبناء الوطن، الذين لم تمنعهم صلة الدم وقرابة النسب من التنكيل بهم، إلى العدل والأمن والسلام.

النجاشي أصحمة بن أبجر ملك مملكة أكسوم العظيمة ولد حوالي عام 560  وتوفي رحمه الله 630 م تولى حكم مملكة أبيه أبجر وهو ابن تسع سنين، وبعد سنوات من حكمه ذاع صيته بين البلاد والعباد كونه ملكا لا يظلم عنده أحد، ومملكته هي مملكة العدل والسلام.

وقد أرسل إليه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم رسالة كتب له فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخته، كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرًا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم، ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله -عز وجل-، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى” .

تحت ستار الظلام في السنة الخامسة للبعثة خرج أول فوج من الصحابة رضي الله عنهم متسللين حتى لا تشعر بهم قريش متجهين نحو البحر ليجدوا سفينتين تجاريتين متجهتين إلى أرض الحبشة، وكان عددهم لا يزيد عن اثني عشر رجلا وأربع نسوة يتزعمهم سيدنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه، وما إن وصلوا حتى وجدوا الأمن والأمان وحفاوة الاستقبال من الملك العادل النجاشي.

وقد وصفت أم المؤمنين أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ هذا الحدث فقالت : “لما ضاقت علينا مكة ، وأوذي أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفُتِنوا ، ورأوا ما يصيبهم من البلاء ، والفتنة في دينهم ، وأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يستطيع دفع ذلك عنهم ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في منعة من قومه وعمه ، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه ، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه ، فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها ، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلماً”.

لم يلبث أهل الهجرة الأولى كثيرا حتى وصلتهم أخبار كاذبة بأن أهل مكة قد أسلموا جميعا، هذه الشائعات الكاذبة جاءت بعدما استنفذ كفار مكة كل السبل لارجاع مهاجري الحبشة إلى مكة، فقرروا العودة في نفس السنة. إلا أنهم قبيل الدخول إلى مكة عرفوا صحة الخبر، فدخلوا مستخفين عن أعين الكفار، ومنهم من رجع إلى الحبشة.

بعدها أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في هجرة ثانية لبلاد العدل والأمان فخرجوا، وكان عددهم في المرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلًا وتسع عشرة امرأة، وقيل: ثماني عشرة امرأة، على رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

وكان معيار اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة دون سواها هو:

–   قيمة العدل وحماية الحقوق والحريات كانت مكفولة في هذا البلد.

–   بعد الحبشة- إثيوبيا حاليا- عن مكة المكرمة

–   كانت النصرانية في ذلك الوقت هي الدين الغالب على أهل الحبشة وكما هو معلوم فإن النصارى أقرب إلى التعايش مع المسلمين لقوله تعالى في سورة المائدة: “لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ”.

إن هذا الحدث العظيم يكتنز في طياته كثيرا من الفوائد لجماعة المسلمين الناشئة بمكة، ويقدم كثيرا من الدروس والعبر للمسلمين إلى يوم الدين، ومن ذلك:

–   إبعاد المسلمين عن أذى قريش وتوفير الأمن والأمان لهم.

–   التعايش بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل الأخرى.

–   التعريف بحسن أخلاق الإسلام الرفيعة وقيمه الرائعة.

–   فضح جرائم قريش المتمثلة في ظلم المسلمين بمكة.

–   نشر الدعوة الإسلامية في كل مكان وزمان وتحت أي ظرف كان.

–   المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية للمسلم بما يخدم مصالحه وحقوقه ومصالح البلد المستضيف.

–   لا يمكن بناء دولة الإنسان بدون تحقيق العدل فيها

هذه بعض الدروس وإلا ما تركناه فهو أكثر بكثير من ما ذكر. والله المستعان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.