مهاجرون إلى رسول الله!
د. أسامة الأشقر
1. كنتُ أصبّره وأعزّيه، وهو العابد الذاكر المبتلَى، وقد أعلّه المرضُ والجوع والفقدُ، فقال لي: يا أسامةُ! ألا ترى أنّنا المهاجرون قبل الفتح! وأنّ الهجرة قد استُحِقّت لنا كما مضت لأهل الهجرة الأولى، ونرجو أن نكون الأعظم درجة والأشرف محلّاً في هذا الزمان.
2. قلتُ له: ما أعجبَ فهمَك يا سيّدي! هذا لعَمْري هو الفهم، قد فهمنا عن سيدي رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه كما في صحيح مسلم (العبادة في الهَرْج كهجرةٍ إليّ)، وفي مسند أحمد (العمل في الهرج كهجرة إليّ)، وفي معجم الطبراني الكبير (العبادة في الفتنة كهجرة إليّ).
3. وأنتم يا أهل الثغر في فم الهرج وقلبه، فما هو الهرجُ إن لم يكن ما أنتم فيه! فأنتم في بؤس وذهول، والنفوسُ منكم فارغة من شدّة الهموم، وتتابع الغموم، ولزوم الكارثة، وتوالي المصائب.
4. وكلّنا يعْلَم أن هذه الكارثة من الخوف والجوع مما يشغل البال، ويُفْرِغ الفؤاد، ويُذهِل الحسّ، فتشِحّ الأنفُس، وتقسو القلوب، وتتمادَى الغفلة، ويترامَى اليأسُ، ويتمكّن الهوى.
5. وإننا نعلم أنّ كثيرين منكم بات يتمنّى الموتَ ليرتاح، من شدّة البلاء، وتذكرتُ حديث رسول الله عن ممهّدات الساعة الصعبة وقوابل أماراتها: (لا تقوم الساعةُ حتى يمرَّ الرجلُ على القبر فيتمرّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنتُ مكانَ صاحبِ هذا القبر، وليس به الدِّينُ، إلا البلاء).
6. وإنّكم مع ما نزل بكم من هذا البلاء المقيم ما تزالون تتلون آيات الله، وتسْتنزلون منه النصرَ والثباتَ، وتعوذون به، وتستمدّونه، وترجون رحمته وانتقامَه، وما زلتم بوعدِ الله الحُسنَى تستيقنون، وله عابدون، فطوبى لكم أيها المهاجرون إلى رسول الله، يا أحبابَه وإخوانه!