ذكريات مهاجر سري (1)
عبد الرحمان لبان
دوى صوت انفجار عظيم، أحدث فزعا أعظم، انفطرت له قلوب المرابطين بتلك الغابة انتظارا لسيارات كبيرة تحملهم إلى شاطئ البحر، أملا في رحلة توصلهم للضفة الأخرى.. دوي قوي ومفزع، لم تعد ترى بعده إلا هرولة في كل صوب، لا يعلم أي منهم أي اتجاه يقصده. يجري الناس ويساقطون من أثر وقع صدمة لم يكونوا يتوقعونها، ركض تهوي فيه الأجساد إلى الأرض، وكأنما بها مس من الشيطان الرجيم.
لم استدر لأرى رفيقي محمد، وهل ترك لك دوي البارود أو الرصاص الملعلع عقلا يفكر به، هجوم مباغث أعد بعناية فائقة، لتجمع يضم أكثر من مائة مهاجر سري.
كان رفيقي ذو السابعة عشر ربيعا أصغر القوم، لا يدرك حجم المخاطر التي يواجهها، كل ما في جعبته، ما عصرته له آلام عيشة عاشها، هي أقرب للعصور الوسطى منها إلى حياة تنتمي للحقبة الأخيرة من القرن العشرين الميلادي. بدأ صاحبي في الركض، ساعده على ذلك جسمه الصغير الذي يطاوعه، ونفسه الرياضي الذي روضته مباريات الأحياء في لعب الكرة، ومع سرعته الكبيرة التي ميزته في تلك الأمسية الربيعية، بأرض تونس الخضراء، فإن صاحبي كلما خطا خطوتين أو ثلاثة بسرعته الفائقة مانعته تلك الحقول بتعوجاتها فسقط مرة تلو مرة، حتى كاد المهاجمون يلحقون به، وحينما أحس بدنو اعتقاله، وعلامة ذلك تلك المصابيح اليدوية التي تستعين بها تلك العصابة، هكذا خيل إليه أول الأمر، حتى رمى بجسده الطفولي وسط كومة من الأعشاب والحشائش والأشواك، والمصابيح الموجهة بحثا عن الهاربين لم يمنعها من اكتشاف أمره، إلا ترديده لآية في سورة ياسين’” وجعلنا من بين ايديهم سدا و من خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون” وهو مستلق بين تلك المروج.
ظلت المصابيح تلمع وتصوب في كل الأمكنة بحثا عن عناصر أخرى لتنال حظها من الضرب والسحل والرمي في سيارات “جيب” المهاجمين، وصاحبي يردد ويتمتم ما يحفظه من سورة ياسين أملا أن لا تطاله تلك الأيدي الآثمة، فلقد قطع الآلاف الأميال من بلده المغرب، و كله رغبة في أن يكون مروره من تونس الخضراء إلى أرض رومية بسلام، وكشأن أي شاب لا يلتف لصعوبة ما سيواجه، حيث لم تتسلل إلى قلبه، آنذاك، اية ذرة خوف أو تردد في ما هو مقبل عليه. يؤكد هذا الأمر للتاريخ، وحتى لا يزايد عليه من خانه التوفيق، ولم يكن في مستوى مسؤليته.
كان صاحبي ذو السابعة عشر ربيعا ألمعيا، كما يشهد بذلك بعض أصدقائه، ولكن سوء التوجيه يولد الفضائع، وينتج العاهات في مجتمع اعتاد على هذا النوع من الصناعة الرديئة.
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، أثناء هذا الهجوم المباغث على المكان الذي اجتمع فيه “الحراݣة” الذين جاءوا من مدن ومداشر مختلفة من أرض المغرب إلى بلد الزيتونة، ما يقارب مائة وخمسون من الشباب والكهول، تم نقلهم إلى مدينة مكنين الواقعة حوالي 200 كيلومتر عن تونس العاصمة؛ إذ عرف التنقل إلى هذه المدينة مراحل: من تونس العاصمة عبر طاكسي كبير أو القطار إلى مدينة سوسة، ومن مدينة سوسة يتم التنقل بشكل فردي كل بطريقته إلى مدينة مكنين، وهناك يبدأ التجمع عن طريق أعوان المهربين حيث النقل قبل النهائي إلى غابة نختبيء فيها إلى أن يرخي الليل سدوله، فتبدأ عملية النقل الجماعي إلى الشاطئ؛ و هي عملية تشبه نقل عبيد أفريقيا إلى بلد العم سام، لا تسمع إلا ما يشين الإنسان ويزدريه: كلام ساقط وضرب لمن تلكأ أو تعثر… الأمر بالغ الخطورة؛ أي خطأ سيقود الجميع إلى الاعتقال الجماعي، وفي أي سجون؟.. إنها جهنم “بن علي” تونس، في دولة لا تشم فيها إلا رائحة رجال الأمن الذين يتحكمون في أدق التفاصيل فهذه سنة 1994 ميلادية، ودولة تونس في بداية صناعة نموذجها التنموي الزائف، الذي سينهار بعد ستة عشرة سنة بسبب بائع متجول أحرق نفسه.
اختبأ صاحبي بين تلك الحشائش حيث رمى جسمه النحيل وسطها، لم ترصده مصابيح المهاجمين. الساعة تجاوزت الواحدة صباحا. ولا تسمع إلا أصوات سيارات الجيب، و العصي تهوي على الأجساد التي وقعت تحت الأسر. والسب واللعن، وعبارات التخويف: اخرج يا ابن….. اخرج .. اخرج شفناك..، لم تنطل عليه حيلة أولئك المهاجمين، وظل جامدا في مكانه، كأنه جثة هامدة لفظتها أمواج الأطلسي ورمت بها في غابات القيروان البعيدة، فاضطر أن يمكث هناك، ويتعذب في صمت، وصاحبي صموت، لا يكثر الكلام عادة، ولم يرو عن تفاصيل مغامرة أشبه مايقال عنها أنها أعدت في قاعة عمارها حمقى؛ لم يبلغوا سن الرجولة و الرشد آنذاك…
وبينما هو متسمر في مكانه بين أغصان تلك الأشجار اليانعة التي لم ينتبه لها حتى شروق شمس تلك الليلة الليلاء.
لم تكن تلك الليلة الأولى الأليمة في أرض تونس، لكنها كانت مختلفة عن أخواتها، كمن ذاق صنوفا من العذاب، بعضه ينسي بعضا، والآلام سواء.
تحركت سيارات المهاجمين بعدما ملئت بالعشرات من “الحراݣة”.
ولازال صاحبي المختبئ بين الحشائش، لم يستوعب عقله الطفولي الحدث بعد، فلعل أصحاب بساتين الزيتون حيث عسكر الراغبون في الهجرة السرية بتلك المنطقة النائية هم من هاجمونا، قبيلة قامت عن بكرة أبيها ترد الباغي عن بساتينها الخضراء، هكذا كان ظنه. صورة طفولية ساذجة جادت بها ملكة لبابه، وهل بعد اختلاط الحابل بالنابل يبقى للبيب عقل!…
لم يكن صاحبي يملك إلا لباسا يواري سوأته، لا طعام ولا مال، وبينما هو في مخبئه.. فجأة تظهر سيارة صغيرة، تتقدم شيئا فشيئا، قامت بتمشيط المنطقة، حدث نفسه بالخروج عله يجد عونا منهم .. لعلهم رؤساء مجموعة المهربين، لم تطاوعه نفسه، وظل مرابطا في مكانه، وما أن تحركت السيارة وغادرت المكان حتى تبعها في ذلك الليل البهيم، حيث لا طير يطير ، فالطيور راحت بطانا لأعشاشها، وصاحبنا يتضوع جوعا، فلم يذق إلا لمجة لا تسد جوعا، و لا تبعث على حيوية. تتبع صاحبي مسار السيارة فإذا به يفاجأ بغابة مترامية الأطراف الداخل لها مفقود، في ليل لا يدخلها فيه إلا كل قاطع طريق أو مجرم محترف.
جرأة الشباب و عنفوانهم يجعل الليل عندهم والنهار سواء. فكر صاحبي وقدر موقفه، فرأى أن يستمر في الاختباء بين أشجار الزيتون، يعد دقائق وساعات تلك الليلة الطويلة، فعدها ثانية ثانية؛ ليلة لم يكسر طولها إلا تنفس الصبح بأذانه الذي تسلل إلى سمعه بمقام الصبا، الصلاة خير من النوم، صلى صاحبي فرضه ونفله مضطجا أو جالسا، لم يعد يتذكر، لعل الذكرى تنفعه عند لقاء ربه فتكون له شفاعة لديه سبحانه، صلاة خائف على نفسه، غير آمن في سربه، ومحروم من قوت يومه، عابر سبيل…