منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعلم داوود (قصة قصيرة)

المعلم داوود (قصة قصيرة)/ رشيد فائز

0

المعلم داوود (قصة قصيرة)

بقلم: رشيد فائز

عاد المعلم داوود إلى قريته زائرا بعد طول غياب. فرغم إلحاح والدته عليه بالرجوع إلى القرية وممارسة مهنة الحدادة فيها كما كان يفعل حينما كان شابا يانعا، لم يقتنع باتخاذ هذا القرار. وكيف يتخذه الآن وقد مضى على مغادرته القرية عدة سنوات. تغير فيها كل شيء عدا شيئا واحدا : المتناقضات التي بسببها غادر القرية.

لقد كانت للمعلم داوود قناعات راسخة وأمل في تغيير أوضاع قريته للأحسن بدءاً من تغيير سلوكه هو أولا، ومحيطه وقبيلته لكن السنين التي مرت وشعيرات الشيب المشتعلة في رأسه ولحيته ما فتئت تؤكد وتشهد أن دار لقمان على حالها رغم بريق طلائها.

استرجع المعلم داوود لائحة المتناقضات من قعر ذكرياته المؤلمة، وراح  يستعرض المتناقضة تلو الأخرى عله يفند اعتقاداته السابقة ويراجع قراره بالعودة إلى القرية نزولا عند طلب أمه المسكينة.

في طريق عودته مر على مئذنة مسجد منتصبة بافتخار، حيث تناقضها أكوام أزبال متراكمة، فالنظافة طبعا من الإيمان! ثم مر على سور ممتد على طول سكة القطار من أجل حماية الناس من خطر القطارات، لكن لم تعد للسور قيمة حينما أقدم الناس على ثقبه اختصارا للمسافات وللوقت، فالوقت من ذهب، إن لم تقطعه قطعك، أو يكلف قطارا بالمهمة…!

ثم جلس بجانب رجل في محطة القطار الذي سوف يقله إلى القرية، فسمع مكبر الصوت يردد مرارا وتكرارا: ممنوع التدخين، ممنوع التدخين، بكل لغات العالم مع اليافطات التي رسمت وكتب عليها أن التدخين ممنوع، فما كان من الرجل الألمعي إلا أن ولع سيجارته الأولى ثم سيجارة ثانية إمعانا في إظهار ميزة الرجل العربي الذي لا يكسره أحد ولا يقبل الإملاءات الخارجية !

ثم جال المعلم داوود ببصره يمنة وشمالا على طول الطريق فلم ير إلا حواضر بزي البوادي وبوادي بزي مدن فلا المدينة حاضرة ولا القرية متمدنة! وعند نزوله من القطار بحث عن عربة تخفف عنه أوهاقه وتحمل عنه أثقال حقائبه فلم يشاهد سوى عربتين أو ثلاثة يقف على رأسها حمال يستمتع بلعب دور رئيس المحطة وينفخ بانتشاء في صفارة التنبيه، متخيلا أنه رئيس المحطة ولا عجب في ذلك” فالمنصب شاغر منذ ساعات “.

نظر المعلم داوود إلى ساعته اليدوية فعلم أن وقت صلاة الظهر قد حان، وأن صلاة العصر لن تدركه إلا في القطار، فقرر الصلاة جمعا وقصرا في القاعة المخصصة للصلاة في المحطة، إلا أن مفاجأته كانت كبيرة حين دخل القاعة فلم ير مصلين بل جموعا من النائمين وعلى وجوههم هائمين، ًفلم يصل لا جمعا ولا قصرا بل ولى فرّا مهرعا إلى قاعة الانتظار ذات الأبواب الأوتوماتيكية فلم تنفتح باقترابه منها، بل أشار عليه أحد العاملين أن قاعة الانتظار مغلقة، فاستلقى المعلم داوود بأمتعته أرضا على حافة أحد الأروقة .

وعبثا حاول المعلم داوود الدخول إلى أحد أرصفة القطار عله يحظى بمقعد إن صادفه الحظ، لكن الموظف المسؤول صرح بأن الدخول ممنوع لرصيف القطار قبل الموعد، لكنه مسموح للقطار أن يخرج متأخرا عن الموعد!

جاء الفرج أخيرا ودخل القطار المحطة فاشرأب المعلم داوود بعنقه يريد الدرجة الاولى العربة 11 المقعد 13،لكن هيهات،
لا درجة ولا عربة ولا مقعد، كل واحد جالس في المقعد الذي يحلو له. أما المكيف فلا يعمل رغم تضمنه في ثمن التذكرة.

مما جعل حرارة المقطورة تفوت حرارة الحمام البلَدي. قالت إحداهن لم يكن ينقصنا إلا الحركات الرياضية، وتساءلت الأخرى: الهواء مُعطل لكن لماذا بائع المرطبات يعمل؟ ومع كثرة المسؤولين وحاملي شارات “اللا فاعلية” تَرَجى المعلم داوود غير واحد منهم أن يفتح النوافذ على الأقل لكن دون جدوى فالنوافذ قابلة للفتح وليست مفتوحة!

وصل المعلم داوود بعد جهد جهيد وإصرار عنيد إلى قريته ومسقط رأسه، لكن مفاجأته كانت أكبر حينما التقى ببعض أصحابه في الحي، فإنهم لم يعودوا على نفس الدرجة من القرب والبعد منه. فكان منهم من به احتفى، وكان منهم من عنه اختفى، وكان منهم من بالسلام من بعيد اكتفى، أما من ثبت على العهد ولم تغيره الليالي والأيام فكان المصطفى حيث أنشد في حقه وحق أمثاله:
اصطفاك الله مليحا فائزا
ولخصال الخير ملما حائزا
ولوعودك متمما ناجزا
وفي قول الحق حامزا

من لي بصاحب قد صفا
من لي بمحب في الله قد عفا
وبحفظ الود لله المولى اكتفى

من لي بوجه طلق للعبس نفى

وصلى الله على الحبيب المصطفى
خير الورى والآل والصحب ومن لأثرهم اقتفى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.