مدارس الحياة المتعددة (33) مدرسة الزواج
مدارس الحياة المتعددة (33) مدرسة الزواج/ الدكتور إدريس أوهلال
مدارس الحياة المتعددة (33) مدرسة الزواج
بقلم:الدكتور إدريس أوهلال
الزواج مدرسة للمسؤولية نتعلم فيها الواجب ونقوم بأدائه، لكن الأفلام الكورية والتركية والأمريكية وتليفزيون الواقع حوّلت تَمَثُّل الأجيال الجديدة للزواج إلى مؤسسة لتحقيق الأحلام والرغبات وكسب تحدي الرهانات: أصبح الحب مجرد إعجاب، والزواج مجرد تحدّ لكسب رهان الوصول إلى قلبٍ مُمانع! أصبح المخيال يحمل نموذجا واحدا لعلاقات الحب والزواج: شاب جيّد بصحبة فتاة جيّدة يعيشون تجربة حب جيّدة، لكن الحياة لسوء الحظ من حولهم سيئة!
أنستنا حروب الوعي التي تقصف عقولنا ومشاعرنا أن الزواج مدرسة للواجب والمسؤولية، وأنه في أحسن الحالات لعبة تشتغل بنفس المبدأ الذي تشتغل به كل ألعاب الحياة: “الدنيا لما بتدي حاجات بتاخذ حاجات”.. الزواج ليس مؤسسة لتحقيق كل الأحلام والرغبات، ولا حتى مؤسسة لتحقيق بعض الأحلام والرغبات، لأنه بالأصل مؤسسة اجتماعية وأخلاقية للمسؤولية والواجب.
هذه حقيقة مؤسسة الزواج، أما الحب فمغامرة ممتعة لمن امتلك شجاعتها وكفاءتها، وقد ينجح في التعايش مع الزواج رغم تناقض طبيعتهما، وغالباً يفشل! وسنكون حالمين إذا سعينا وراء الجبنة وثمنها في نفس الوقت على حد قول المثل الفرنسي؛ فالزواج والحرية لا يجتمعان.. ولذلك ترى الزواج ينجح عندما يتسلح بالصبر والواقعية والإحساس العالي بالمسؤولية! الزواج هو مدرسة الصبر والواقعية والمسؤولية بامتياز.. وإذا كان الوضع لا يُعجبك يجب عليك أن تصبر بدل أن تهاجر إلى أرض الله الواسعة! في كل الألعاب نهاجر إذا كانت قواعد اللعبة لا تُعجبنا إلا الزواج نحن مطالبون بالصبر لأسباب اجتماعية وأخلاقية.. نعم الصبر مهما بدا أن الأمر غير عقلاني! علّموا أولادكم وبناتكم هذه الحقيقة، وساعدوهم على تحقيق أحلامهم قبل الزواج وخارج الزواج!
الذين صمّموا هذه اللعبة يُدركون جيّداً قدرة الفعلُ المضارع على العيش حُرًّا طَليقًا بين رفع ونصب وجزم، لذلك جعلوا الاتصال بنون النّسوةِ سبباً للسكون! تصميم مُتقن، لأنهم اختاروا سكينة الأسرة على حرية الفرد! وكل تمرد على اللعبة وقواعدها معناه الانتصار للفرد على حساب الأسرة، لذلك علينا أن نقرر بين أن نكون أنانيين ونختار أن تموت الأسرة ويعيش الفرد، أو أن نكون مسؤولين ونختار عن حكمة “موت” الفرد لتعيش الأسرة! هندسة اجتماعية مُرعبة لكن ذكية وأخلاقية!
لكن هذه الهندسة الاجتماعية الأخلاقية تَعيبها بقية قواعد اللعب المرهقة للاعبين. أساس الجانب الأخلاقي في هذه الهندسة الاجتماعية الدين، وأساس بقية القواعد المجتمع والدين منها بريئ. المجتمع هو من هَنْدَسَ تفاصيل اللعبة وقواعدها وصمّم شكل ومضمون العبد والمعبود والمعبد في مؤسسة الأسرة.. نعم المجتمع وليس الدين! الدين وضع المبادئ العامة الأخلاقية لميثاق الأسرة، أما قواعد اللعبة وطقوسها الاجتماعية ورهاناتها الرمزية وثقلها المادي وضغوطاتها النفسية فمن صنع المجتمع، وكل الألعاب التي يصمّمها المجتمع مُرهقة لمن يلعبها بقواعدها الاجتماعية دون تحفظ!
هذا هو الزواج كلعبة.. لكن الزواج رحلة أيضاً، بل هو أهم رحلة استكشافية يخوضها الإنسان في حياته، يستكشف فيها عوالمه الذاتية وعوالم الغير: المعتقدات والمشاعر والمصالح والأنانيات والذهنيات والعادات… ويتعرّف فيها على قواعد أقدم الألعاب الاجتماعية وأكثرها إمتاعاً وإرهاقاً للفرد، ويتقلب فيها بين أجواء صحوة وجميلة أحياناً وعاصفة وممطرة أحايين.. هذه هي الحياة: نهار وليل، صعود وهبوط، نجاح وفشل، ترحل متاعب وتأتي أخرى، تموت ضحكات وتُولد أُخرى، يذهب البعض ويأتي آخرون.. وقصص فرسان الأحلام والحب المستحيل والزواج المثالي مجرد صناعة سينمائية وإعلامية وتسويقية. متعة الزواج، بل متعة الحياة ككل، في تقلب أجوائه.. الزواج حالة من أجمل وأوثق الحالات التي يكون الإنسان عليها، ومن أصعب وأشق الحالات التي يكون فيها، ومهما كانت انتقاداتنا وتحفظاتنا على هذه اللعبة في بعض قواعدها الاجتماعية العبثية والمرهقة فهي ميثاق مهم لحماية الفرد وتماسك المجتمع واستمرارية النوع.. إنها تجربة ممتعة ومرهقة ومفيدة، وعندما نقرر أن نضع حداً لها في حياتنا ترسل لنا الوحدانية لتنتقم منا.. الزواج قد يتسبب في آلام كثيرة، لكن الوحدانية لا تمنح أية متعة!
لكل ما سبق يُطرح السؤال عن كيفية دخول مدرسة الزواج والنجاح فيها.. هذه الدروس والقواعد:
1. حقّقوا أحلامكم قبل الزواج وخارج الزواج، فالزواج ليس مؤسسة لتحقيق الأحلام!
2. الكمال للّه، وكلنا معدن النقص، فإذا ساءك من شريك حياتك سلوك وسرّك آخر فشريكك متوازن وأنت محظوظ(ة)!
3. لا تلعب(ي) الألعاب الدرامية في العلاقة الزوجية (دور الجلاّد ودور الضحية ودور المنقذ)، خاصة دور البطل فهو مرهق للذات ومدمّر للعلاقة!
4. الثقة والاحترام والدعم المتبادل من أسس نجاح العلاقة الزوجية.
5. اِجعل فرحة ومتعة مشاهدة أطفالك يكبرون وينجحون دعامة أساسية لعلاقة زوجية ناجحة.
6. اِعط العلاقة الزوجية حجمها الطبيعي في حياتك، فهي جزء مهم من حياتك لكن ليست كل حياتك، فلا تضع(ي) بيض مشاعرك وأفكارك ومصالحك كله في سلة العلاقة الزوجية.
7. للعلاقة الزوجية من حيث المبدأ ثلاثة أشكال: تملّك مطلق، ومساحات مشتركة متعايشة مع مساحات شخصية، والطلاق النفسي. الزواج الناجح يفترض القدرة على الجمع بين الحياة المشتركة وحق كل طرف في أن تكون له خصوصيته، أما التملّك المَرَضي والطلاق النفسي فسكتان نحو الفشل!
8. الصداقة مُكَوِّن مهم في الزواج، وإتقان لعب هذا الدور يعزز حظوظ نجاح العلاقة الزوجية.
9. الزواج القائم على تجربة حب كبير ينجح عندما يُوفق الطرفين في الانتقال من الحب إلى الصداقة، لكن هل هذا ممكن!؟
10. للزواج الناجح ثلاثة أسرار: الصبر ثم الصبر ثم الصبر، ولنهاية الزواج سبب واحد رئيسي: بلوغ الصبر حدوده القصوى (للصبر حدود)!
11. للزواج الفاشل علامتان: يبدأ بمهزلة وينتهي بمأساة، وللطلاق الناجح علامة واحدة: استمرار مؤسسة الأسرة في أداء أغلب وظائفها بشكل طبيعي وجيّد رغم الطلاق!
12. الزواج يستمر بوجود إرادة استمراره لدى الطرفين وبوجود الصبر وقبول الآخر كما هو والاحترام المتبادل.
13. التغافل مهارة أساسية في الزواج.. تغافَل وتغابى فإن التغابي فنّ من أذكى الفنون!
14. من أهم عوامل فشل الزواج الغيرة المفرطة وانعدام الثقة والتملّك المَرَضي.
15. الكثير من الألعاب الاجتماعية المرتبطة بالزواج مرهقة ماديا ونفسيا، ومن الذكاء ألا نلعبها، أو نلعبها بذكاء عند الحاجة وفي حدود الضرورة.
16. في الكثير من الأحيان لا يتحمل الزوجان أية مسؤولية في فشل العلاقة الزوجية، المسؤول الأول هو مؤسسة الزواج نفسها بقواعدها المُنهِكة وطقوسها المُرهِقة وألعابها العبثية، في مثل هذه الحالات لا تكن ظالماً فتنتقم من اللاعبين، وكن ذكياً ومسؤولا وانتقم من اللعبة!