نظر شرعي في استثناء بيت الزوجية من الميراث قياسا على بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم || جمال أيت بوجمعة
نظر شرعي في استثناء بيت الزوجية من الميراث قياسا على بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم || جمال أيت بوجمعة
نظر شرعي في استثناء بيت الزوجية من الميراث
قياسا على بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
جمال أيت بوجمعة
أثار استثناء بيت الزوجية الخاضع للقسمة بين الورثة جدلا واسعا اجتماعيا، حيث أضحى فاكهة الناس في مجالسهم وأنشطتهم اليومية ونواديهم، كما أن الساحة المعرفية والعلمية ليست بمنأى عن ذلك. الشيء الذي يستوجب على قائليه بيان مستنده الشرعي، لحسم الجدل الدائر حوله وتنوير الرأي العام، إذ تبنته جهة علمية كطرف مشارك ومستشار. وليس القصد من وراء الحديث عن هذه الجزئية إثارة الجدل؛ وإحداث شرخ معرفي بين طائفتين، وإنما دعوة لمن تبنى هذا القول الجديد الذي لم يألفه الناس لبيان مستنده؛ والقواعد العلمية التي اعتمدها للخروج بهذا الرأي المخالف للمعتاد، إذ يعتبره البعض رأيا معارضا لنصوص قطعية صريحة، وخرقا صريحا للإجماع.
وقد توجهت أنظار وأقلام أهل المعرفة ومن حملتهم الغيرة على بيان مراد الله وتبليغ شرعه للناس؛ إلى مناقشة هذا الرأي إسقاطا وإثباتا، وحشد كل فريق من النصوص الشرعية والآراء ما يعزز به موقفه، غير أنه أثار انتباهي ما سمعته أثناء محاولة بعض المحسوبين على المعرفة الشرعية توجيه هذا الاستثناء ببقاء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في بيوتهن، لأنه كما زعم لو كان بيت الزوجية من جملة ما تتنازعه حقوق الورثة لخرجن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وفي نظري هذا التأصيل والتعليل غير سليم؛ لأنه قياس فاسد ليس له حظ من الاعتبار، لوجود الفارق بين الحالتين؛ أعني بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت عامة المسلمين.
وإليكم سبب القول بعدم صحة الاحتجاج لهذا الرأي ببيوت أزواج النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أولا: أن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث.
ما تركه رسول الله صلى الله وسلم بعد وفاته لا يدخل في دائرة الميراث، ولا يتنازعه ذوو الحقوق، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال:” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركناه صدقة”. متفق عليه. وفي رواية أخرى، عن أبي هريرة رضي الله عنه:” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة”. رواه البخاري.
ثانيا: مجيء فاطمة بنت رسول الله إلى أبي بكر تسأله ميراثها.
لقد أخذت فاطمة بنت رسول الله صلى الله وسلم رضي الله عنها بعموم النصوص الشرعية التي بينت أن كل ما تركه الهالك داخل في التركة، وأوجبت تقسيم كل ما تركته على الورثة حسب الأنصبة وطبيعة الوارث، ومستند هذا الكلام مجيئها إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه باعتباره خليفة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله ميراث أبيها صلى الله عليه وسلم، لكنه قابل طلبها بنص نبوي صريح، أزال به الإشكال، وأسقط به الطلب، فعن عروة بن الزبير رضي الله عنه:” أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” لا نورث، ما تركنا صدقة”، فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ”. رواه البخاري.
الهدف من سوق هذا الحوار الذي دار بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها هو بيان أن ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجمالا لا يرثه أقاربه بعده، كما أنه ليس حقا من حقوقهم، وإنما هو صدقة تدفع لفقراء المسلمين والمحتاجين منهم، ولذلك اعتبر أبو بكر رضي الله عنه مخالفة النص النبوي القائل بأن ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة زيغا وخروجا عن هديه صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: ما تركه النبي صلى عليه وسلم صدقة.
قد يتساءل البعض عن مآل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته إذا لم يكن للورثة منه نصيب، ولا يقتسم بينهم حسب مقتضى النصوص القرآنية التي بينت طريقة قسمة تركة الهالك، مآله هو بيت مال المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم:” ما تركناه صدقة”، والصدقة يتصرف فيها الحاكم حسب المصلحة إذا نظرنا إلى طبيعتها أحيانا، كبيت الزوجية مثلا، فقد اقتضت المصلحة في نظر أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعده من الخلفاء الراشدين بقاء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن تعظيما لهن، وتوقيرا لجناب النبي صلى الله عليه وسلم، وصونا لعرضه وشرفه الطاهر.
إذا كان ما سبق بيانه هو ما ينبغي أن يقوله الملتزم بما ورد من نصوص شرعية في الوحيين؛ فإن السنة النبوية الشريفة بينت أن ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة، وليس لورثته منه نصيب، ولذلك وجب على من تبنى استثناء بيت الزوجية من الميراث أن يعرض الأدلة الشرعية والقواعد العلمية التي استند إليها للقول بهذا الاستثناء، ليناقش في جو علمي يسوده روح البيان والذود عن شرع الله تعالى، وحب نصرة الحق وتبليغ رسالة الله للناس، عملا بمقتضى قوله تعالى:” الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا الا الله وكفى بالله حسيبا”، سورة الأحزاب 39.
الخلاصة:
بيت الزوجية يدخل في التركة، وهو خاضع للقسمة على الورثة بعد موت مالكه، لأنه حق من حقوقهم، ومن أخرجه من دائرة التركة والحق المشترك الذي يتنازعه أصحاب الحقوق إلى حق فردي فهو مطالب بنص شرعي صريح يبين ذلك، وأما قياسه على بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فهو قياس فاسد لا يعتد به، لأن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الصادق الأمين، وعلى أهل بيته الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، والحمد لله رب العالمين.