التحولات الكبرى وشروط النهوض الحضاري في عالم ما بعد كورونا
من خلال كتاب الأمة الإسلامية وإمكان الانتقال الحضاري للدكتور محماد رفيع/ د. عبد الصمد المساتي
التحولات الكبرى وشروط النهوض الحضاري في عالم ما بعد كورونا
من خلال كتاب الأمة الإسلامية وإمكان الانتقال الحضاري للدكتور محماد رفيع
د. عبد الصمد المساتي
باحث في قضايا الاجتهاد والتغيرات المعاصرة
مقدمة:
إن الأزمة الخانقة التي عاشها العالم إبان وبعيد انتشار جائحة كورونا (COVID 19) أفرزت تحولات كبرى في جميع مناحي الحياة الإنسانية روحيا وقيميا وفكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأظهرت بشكل جلي الاختلالات المهولة للمنظومات الاجتماعية، التي هي الضامن لبقاء الأمم واستمراريتها.
والأمة الإسلامية التي هي خاتمة الأمم، والشاهدة عليها، كان لها حظ كبير في هذه الاختلالات، حيث أفرزت الهوة السحيقة بين أنظمتها الحاكمة ومؤسساتها الرسمية وبين نخبها ومؤسساتها المدنية وأفراد الأمة اختلال العدالة الاجتماعية والسياسية، وانتهاك حقوق الإنسان، وتفشي الفساد والاستبداد، وأثرت بشكل واضح على استقرار الأمة الإسلامية وقدرتها على تحقيق التنمية والتقدم.
وقد صدر حديثا عن دار إقدام باستانبول، بتعاون بين مركز النظر المقاصدي في القضايا المعاصرة بفاس ومركز الشهود الحضاري باستانبول، كتاب“الأمة الإسلامية وإمكان الانتقال الحضاري” في طبعته الأولى سنة 2022، في 143 صفحة من الحجم المتوسط، للدكتور محماد رفيع رئيس المركز العلمي للنظر المقاصدي في القضايا المعاصرة، وأستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بكلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.
ويناقش الكتاب تناقضات السياق العالمي المعاصر الذي ينتظم واقع الأمة الإسلامية في سلكه، وبيان معضلاته وتحدياته، في محاولة للبحث عن إمكان استئناف النهوض الحضاري في الأمة، وما يقتضيه من مقومات علمية، وأوراش عملية، من شأنها رسم معالم مشروع ذلك النهوض الحضاري للأمة في ظل تحديات الواقع المعاصر.
قيمة الكتاب ومضامينه:
يقول الدكتور وصفي عاشور أبو زيد في تقديمه لهذا الكتاب: “إن هذا الكتاب بما يقدمه من محاولات لمعالم التحول رصدية، ونظرات في واقع الأمة تحليلة وتحديات أمام النهوض، واقعية، ومرتكزات لنهضة هذه الأمة حضارية يعد – في نظري – امتدادا لعدد من الأعمال المهمة في هذا الموضوع، ومنها: كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» للعلامة المصلح المجدد أبي الحسن الندوي، وكتاب: «نهضة الأمة وحياتها للعالم الأزهري الكبير المفسر الشيخ طنطاوي جوهري، وكتاب: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم لأمير البيان والفكر شكيب أرسلان، وكتاب: «شروط «النهضة» للمفكر الكبير مالك بن نبي وكتاب «سر تأخر العرب والمسلمين» للمفكر الكبير والمجدد المصلح الشيخ محمد الغزالي، رحمهم الله جميعا”.
فالكتاب إذا ينتظم في سلسلة أعمال مختلفة في التاريخ المعاصر، تناقش واقع الأمة الإسلامية وتحدياتها، سواء من خلال مقاربة واقع الحال رصدا للأحداث والتحولات والمواقف، أو من خلال تحليل الأسباب والتداعيات وأثرها على الأمة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، أو من خلال تقديم الحلول المناسبة لتحقيق نهضة الأمة الإسلامية حتى يكون لها “قدم بين الشعوب ومكان بين الأمم ومكانة في هذا العالم بكلمة مسموعة وراية متبوعة” كما بين المؤلف.
ومما يزيد من قيمة الكتاب أن صاحبه أعلن منذ البداية انفتاحه على كثيرة من العلوم، حيث رجع إلى النظريات الفلسفية، منتقدا فلسفة نتشه المادية العدمية التي أسفرت عن تسليع الإنسان، واعتباره القوة الأكبر في هذا الوجود، حيث صار هذا الإنسان في الحضارة الغربية المعاصرة يدعي السيطرة على الطبيعة والسيادة على الكون، ومستدلا بكلام أرسطو لبيان إجبار وباء كورونا لهذا الإنسان على التولي والتخفي، كما انفتح على السوسيولوجيا مبينا على لسان زيكمونت باومان حالة الميوعة التي تعيشه الحضارة الغربية في كل مظاهر الحياة المعاصرة، ومؤكدا مأساة الحداثة التي تطورت ضد ذاتها كما قال ألان تورين، وعضد الكاتب قوله بشواهد من التاريخ، وأرقام من علم الإحصاء، مستشهدا بنصوص قاصدة من مراجع مختلفة ومتنوعة بالعربية وغيرها، فضلا عن التأصيل الشرعي لذلك كله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية.
وقد أعلن ذلك الدكتور رفيع في مقدمته مؤكدا توسله في تأليف هذا الكتاب “بـمنهج يقوم على تأصيل المفاهيم وتحليل القضايا وتعليل الآراء والمواقف المختلفة، ومقارنتها بغيرها، وتوثيق النقول من مختلف المصادر والمراجع العربية والأعجمية، وتركيب ذلك كله في سياق تصور استشرافي عام ناظم للموضوع في صورةبيان علمي موثق كاشف لخارطة الطريق للأمة الإسلامية في انتقالها الحضاري المرتقب إلى عالم ما بعد كورونا”.
ويرصد الكاتب في مؤلفه أهم التحولات الكبرى التي شهدها العالم بانتشار وباء كورونا (COVID 19) والذي أفرز تحولات نوعية منتظمة وتغيرات متسارعة، “مسبوقة بمقدمات موجبة إلى مآلات منتظرة”، منطلقا منذ المقدمة وتمهيد المبحث الأول من استفهامات إشكالية أسس عليها القول في ثنايا الكتاب لرسم معالم مشروع استئناف النهوض الحضاري في الأمة الإسلامية في ظل تحديات السياق المعاصر الذي تعيشه، متسائلا: فما معالم التحولات الكبرى الجارية في العالم؟ وما نوعها؟ وما خلفياتها الفلسفية وأسبابها؟ وما موقع الأمة الإسلامية في هذا السياق المتحول وما تحدياتها المعاصرة؟ وهل لها من إمكانات وفرص في هذا السياق المعاصر لنهوض حضاري جديد؟ وإلى أي مآلات تؤول؟ وما الشروط المؤمنة لانتقال هذه الأمة من وضع الاستضعاف والتبعية الحالي إلى موقع القوة والتمكين والشهادة بالقسط فى عالم ما بعد كورونا؟
وفي محاولة للإجابة عن هذه الاستفهامات الإشكالية والإحاطة بجوانب الموضوع المتعددة وقضاياه المتنوعة فصل الدكتور رفيع القول في الموضوع في ثلاثة مباحث، خصص المبحث الأول لتلمس معالم التحولات الكبرى العالمية في ظل جائحة كورونا، رصد فيه جملة من التحولات الحضارية في جوانبها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والبيئية وغيرها، في صورة مجملة لما يجري في السياق العالمي.
وأفرد المبحث الثاني للكشف عن معالم واقع الأمة الإسلامية في ظل جائحة كورونا، مستعرضا جملة من التحديات الكبرى التي تحيط بواقع الأمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وصحيا وتعليميا وعلميا، مكتشفا وكاشفا عن حقيقة السياق الذي تعيشه الأمة الإسلامية.
وخصص المبحث الثالث -الذي اعتبره مصب البحث ومركزه- للقول المفصل في شروط الانتقال الحضاري للأمة إلى عالم ما بعد كورونا، أسسها على مقومين كليين أحدهما معرفي والثاني عملي، انتظما تفاصيل كثيرة وأوراش عديدة ترسم في النهاية خارطة الطريق لاسئناف النهوض الحضاري في الأمة.
وختم الدكتور رفيع البحث بخاتمة ناظمة لخلاصة البحث المركزة وأهم النتائج التي انبثقت منه مشفوعة ببعض التوصيات.
معالم التحولات الكبرى العالمية إبان وبعد جائحة كورونا
لم تكن التحولات الكبرى التي عرفها العالم بسبب جائحة كورونا، لحظة ظرفية عابرة، فما عاشته الإنسانية في ظل الوباء “حدث نوعي كبير ترتبت عنه تحولات تاريخية على مدى زمني متراخ”، أحدثت تغيرات في نمط العمل والتعليم عن بُعد، وتحولات في الاقتصاد والتجارة العالمية، وتأثيرات اجتماعية ونفسية على الأفراد والمجتمعات ما زالت آثارها مستمرة بل ومستحكمة في عدد من المجالات الجغرافية والحياتية.
وقد رصد الدكتور رفيع في كتابه ثلاثة معالم كبرى للتحولات الجارية، يمكن بيانها كالآتي:
أولا: معالم التحولات الحضارية الجارية
وأبرز هذه التحولات الحضارية ترتبط بفاعلية الإنسان في الكون والمحيط، باعتباره جزءًا منه يتأثر بما يحدث فيه، ويؤثر هو كذلك فيه من خلال مشروعاته وتجاربه التي استغلت الطبيعة وأدت إلى أوبئة وتلوث، ومن خلال حركته بين الصراع والتنافس والتعاون. وهو ما يستدعي جملة مراجعات أهمها:
- مراجعة علاقة الإنسان بالكون لنقلها من علاقة تسيد وصراع إلى علاقة تسخير تحقق مقاصد الاستخلاف ونتائجه الإيجابية.
- مراجعة العلاقة الخلقية والاجتماعية للحد من القطيعة، وسيادة قيم الإنقاد والتعاون والمواساة بين الإنسانية.
- مراجعة العلاقات الأسرية وأحوالها لدفع التوثر والخصومات والحرمان والتشتت، وتحقيق التعاون والانجماع الأسري.
- مراجعة قضية الأمن بالتركيز على الأمن الاستراتيجي في التعليم والصحة والغذاء أولا قبل الأمن العسكري باعتباره فرعا من الأمن الثلاثي السابق.
- مراجعة سياسة البحث العلمي بتوجيه الجهود العلمية والبحثية نحو مصالح الأمة الاستراتيجية وإنتاج ما يساهم في حماية الإنسان والمجتمع والبيئة بدل التركيز على الاقتصاد والإنتاج فقط.
- مراجعة المنتظم الأممي الذي فشل في قضية السلم العالمي وحكامة النظام الدولي بعد ظهور الأحادية القطبية، كما فشل في الحد من انتشار فيروس كورونا الذي هدد سلامة وأمن العالم.
ثانيا: معالم التحولات في الاقتصاد العالمي.
ومن أكبر التحولات الاقتصادية في الاقتصاد العالمي حالة الانكماش التي شهدها الاقتصاد الأمريكي في ظل النمو المتصاعد لاقتصاد الصين وكوريا الجنوبية واليابان، حيث انخفض الناتج القومي الخام للولايات المتحدة الأمريكية، وارتفع الاستهلاك الداخلي على الكماليات، وزادت المديونية، وتفاقم العجز في الميزانية، وكل المؤشرات السابقة كانت مهددة بالتفاقم أكثر فأكثر في ظل الجائحة.
وفي المقابل عرف اقتصاد الصين نموا مطردا قبل الجائحة، وزاد إبانها، ويمضي في نمو مستمر، حيث ارتفعت نسبة صادراتها الخارجية خصوصا في مجال التجهيزات الإلكترونية، كما ارتفعت استثماراتها في كل مكان من العالم، وأصبحت دائنة لأمريكا نفسها، وحدت من هيمنتها الاقتصادية، ويتوقع أن تؤثر أكثر في هيمنة عملتها على التجارة الدولية، خصوصا مع تأسيس منظمة البريكس التي ألغت التعامل بالدولار في التجارة الخارجية.
وإذا كان الانكماش نتيجة لعوامل مختلفة مثل الأزمات المالية، والتغيرات في السياسات الاقتصادية، والتقلبات في أسواق العمل والموارد الطبيعية، والتي ظهرت بشكل جلي في ظل الجائحة، وأفضت إلى تأثيرات سلبية على العمالة والشركات والحكومات والمجتمعات، فإن التوجه يفرض كما أكد المؤلف “نقل الاقتصاد من إطار التحكم إلى إطار التعقل وتصحيح العلاقة الاقتصادية العالمية المختلة”، ويفرض على الأمة الإسلامية “أن تلوم نفسها على لا عقليتها حسب تعبير الفيلسوف محمد عزيز الحبابي”.
ثالثا: معالم التحولات البيئية.
وهي تحولات في العلاقة بين الإنسان وبيئته (الطبيعة)، وهو ما تساءل عنه المؤلف، مبرزا أن تحولات نوعية متسارعة على نحو غير مسبوق ألحقت خللا عميقا وندوبا غائرة بالمنظومة الإيكولوجية الراهنة، حيث تفاقم التلوث البيئي والاحتباس الحراري وتدمير الكائنات البيئية، وارتفاع درجات الحرارة، وتأثيراتها على الحياة البحرية والبرية، واختلال توازن البيئة والتنوع البيولوجي، وتدهور البيئة الطبيعية ونقص الموارد المائية وتلوث المياه والهواء.
ولخطورة هذه التأثيرات السلبية على البيئة والصحة العامة واستدامة الحياة على الكوكب، أكد الدكتور رفيع على أنه “تعين على الإنسان أن ينتقل من هذه التحولات السلبية إلى تحولات إيجابية حضارية، وذلك بمراجعة علاقته بالبيئة تصورا وعملا ليصطلح مع بيئة حياته على أساس ما سماه الفيلسوف ميشل سير ” التعاقد الطبيعي”، وسماه القرآن ” التسخير””.
معالم واقع الأمة الإسلامية في ظل أزمة جائحة كرونا
كشفت أزمة جائحة كورونا وتأثيرها الدراماتيكي على الواقع الصحي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والعلمي والصناعي في الدول الإسلامية عن العجز الكبير لمؤسسات الدولة في التعامل مع الأزمة وتدبيرها، وهو ما حاول الدكتور رفيع تفكيكه في خمسة تحديات كبرى كالآتي:
أولا: التحدي السياسي
إن إشكال التدبير السياسي للحظة الوابئية، وانكشاف الهوية الاستبدادية لأنظمة الحكم في معظم دول العالم الإسلامي، من أكبر التحديات التي واجهت الأمة الإسلامية وأبرزت افتقارها لرؤية استراتيجية وخطة تدبيرية محكمة لتلبية حاجات المجتمع، وهو الأمر الذي يهدد استقرار الأمة الإسلامية وقدرتها على تحقيق التنمية والتقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خصوصا مع تغول تلك الأنظمة وتسلطها على المواطنين باعتماد العنف والإفراط في استخدام القوة، واستغلال حالة الطوارئ الصحية في تمرير مشاريع قوانين قامعة للحريات، وتصاعد موجة الاعتقالات.
وإذا كانت جذور الاستبداد السياسي ترجع إلى عمق التاريخ، باعتباره الداء العضال الذي أصاب الأمة في وقت مبكر من تاريخها بالتوريث والتغلب في الحكم بدل الشورى، فإن تضخم الدولة وانفصال أنظمتها السياسية عن المجتمع هو ما عمق من أزمة الأمة الإسلامية وضعفها الداخلي وعجزها الخارجي أمام المخططات الدولية الندميرية، وهو ما يعوق أي تنمية واستقامة في باقي المجالات المجتمعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية وغيرها.
ثانيا: التحدي الاقتصادي والاجتماعي
إذا كان هذا التحدي في ظل جائحة كورونا بارزا في سائر دول العالم، فإنه أكثر بروزا في دول العالم الإسلامي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، وخصوصا الدول ذات البنية الاقتصادية الهشة، والتي ليس لها نظام حماية اجتماعية قوي، حيث برز بشكل جلي تراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور القطاعات الاقتصادية المختلفة، وظهر انعكاس ذلك واضحا على العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة، والتنمية المستدامة، حيث الهوة بين نخبة أكثر ثراء وأغلبية ساحقة مسحوقة.
وكان الأولى للدول الإسلامية المتخلفة سياسيا واقتصاديا وتعليميا عوض أن تعتمد الإنفاق السخي على قصور الحكام وسفرياتهم وهواياتهم الترفية، وعلى التسليح الذي يعد في غالبه للحرب الداخلية، أن تستفيد من الدول الإسلامية المتقدمة عنها في كثير من المجالات كماليزيا وتركيا وقطر، وتتعاون وتتكامل معها، وتعمل على تبني سياسات وإصلاحات اقتصادية واجتماعية لتعزيز التنمية المستدامة، وتحسين مستوى المعيشة للأفراد.
ثالثا: تحدي المنظومة الصحية
شكل هذا التحدي المفاجأة الكبرى والصدمة العظيمة في أغلب دول العالم، فسرعان ما بدأت المنظومات الصحية في أغلب الدول المتقدمة في الانهيار السريع أمام تزايد أعداد المصابين بوباء كورونا، وفي ظل غياب خطط واضحة في التعامل معه، أما في معظم الدول الإسلامية التي تعرف هشاشة في المنظومة الصحية، بسبب إهمالها للقطاع الصحي وعدم الاستثمار فيه، وتفويت الاهتمام بصحة المواطن وتعليمه وغذائه للقطاع الخاص، فقد كان التخبط والاضطراب والارتباك في التدبير عنوان المرحلة، حيث وجدت معظم الدول الإسلامية نفسها قد انفصلت عن مجتمعاتها وفقدت قرارها وسارت تابعة لغيرها على نحو أنكى وأبشع مما كانت عليه سابقا، كما فقدت قدرتها على التصدي للأمراض والأوبئة وتوفير الرعاية الصحية الأساسية للمواطنين.
وقد تبين لكل المنظومات الصحية التي عانت في ظل الجائحة سواء في الدول المتقدمة أو المتخلفة للجميع الحاجة إلى تعزيز الاستثمار في البنية التحتية الصحية، وتحسين التدريب والتأهيل للكوادر الصحية، وتعزيز الوعي الصحي والوقاية والرعاية الصحية، وجعلها من أولى الأوليات.
رابعا: تحدي المنظومة التعليمية
تحدي التربية والتعليم هو الواجب المقدس الذي كشفت لحظة الوباء الكوفيدي عجز أغلب الدول الإسلامية عن الوفاء به، فرغم أنه المدخل الواسع للتنمية الحقيقية، والشرط المبدئي للتقدم الحضاري، وأي إخفاق فيه يستتبعه إخفاق فيما سواه، فإن المنظومة التعليمية في خطط وبرامج أغلب الدول الإسلامية خارج دائرة الأولويات أو في أسفلها في أحسن الأحوال.
وقد ظهر جليا ضعف وهشاشة المنظومة بعد الاضطرار لإغلاق المدارس واعتماد التعليم عن بعد، حيث عجزت معظم الدول الإسلامية عن تأمين هذا الحق، وأسهمت في هدر زمن تعليمي نفيس، كما عجزت عن تأمين جودة التعليم، وفشلت بذلك في تلبية احتياجات المجتمع وسوق العمل.
خامسا: تحدي البحث العلمي
تحدي البحث العلمي تبع لتحدي التربية والتعليم، وكما أخفقت الدول الإسلامية في الأخير، فإن البحث العلمي فيها يمثل واجهة أخرى من واجهات الإخفاق، وواقعه هيكلة وتنظيما وتمويلا خارج التصنيف العالمي، لتقصيرها في الإنفاق عليه، وقلة الاستثمار فيه، ولا شك أن ذلك ينعكس سلبا على تحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي والابتكار، كما ينعكس على استمرارية الحياة بالكلية.
ولا شك أن المدخل لتجاوز تلك الإخفاقات هو تعزيز ثقافة البحث وتشجيع العلماء والباحثين وتوفير بيئة داعمة للبحث العلمي وتطوير البنية التحتية اللازمة، وهو ما يسهم في تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي في الأمة الإسلامية.
شروط الانتقال الحضاري للأمة إلى عالم ما بعد كورونا
إن التحولات العالمية التي سبقت الإشارة إليها تفرض على الأمة الإسلامية حسن استثمارها في سياق الصيرورة الحضارية بشكل متدرج نحو أفق استئناف النهوض الحضاري، وهي بما تمتلكه من إمكانات ومقدرات قادرة على تجاوز ما يحيط بها من تحديات، بشرطين كليين متكاملين أحدهما معرفي والثاني عملي.
أولا: الشرط المعرفي:
وهو الشرط المؤسس لما سواه من الشروط العملية، والمعرفة الشرطية كما بينها المؤلف مركبة من ثلاث معارف متكاملة تشكل في مجموعها الإطار المعرفي لاستئناف النهوض الحضاري في الأمة لتضمن مكانتها في عالم ما بعد كرونا الذي يتشكل من خلال ما يجري من تحولات نوعية.
المعرفة الأولى: معرفة تاريخية سننية تساعد على استيعاب حاضر الأمة واستشراف مستقبلها تفسيرا وتتعليلا وتغييرا، وهو ما يفرض بالضرورة الوعي المنهجي في قراءة التاريخ بأبعاده المختلفة، مع استحضار الشاهد الغيبي حتى لا تكون مقاربة مادية، والشاهد العيني المعتبر لقانون السببية.
كما تفرض المعرفة التاريخية الوعي بمفاصل التاريخ التي حددها المؤلف في حدثين مفصليين، أولهما: التحول السياسي المبكر للحكم الإسلامي من خلافة إلى ملك عاض مع حدث “صفين”، حيث تم التحول من اختيار الحاكم بناء على الشورى والعدل، إلى اعتماد العنف ومنطق السيف مع المخالف، والتغلب في الحكم، ومن استقلالية بيت المال إلى العبث بمال الأمة.
والحدث المفصلي الثاني: الاستعمار والتغريب، حيث كانت من آثار سقوط الدولة العثمانية وتداعي الاستعمار الغربي على بلاد المسلمين، اندهاش جيل من أبناء المسلمين، وشعورهم بالهزيمة النفسية أمام النموذج الغربي المتفوق الغالب، وبالتالي القابلية لانتحال نحلة الغالب بالتعبير الخلدوني.
والمعرفة الثانية: معرفة شرعية تأصيلية، تنطلق من المرجعية الدينية لتحصين وتمتين هوية الأمة الإسلامية الذاتية الأصيلة من جهة، ومن التفاعل الإيجابي مع الحضارة المعاصرة أخذا ونقدا، مع واجب التمييز بين معارف الوحي التأسيسية باعتبارها المرجعية العليا العابرة للزمان والمكان والأحوال، وبين المعارف الاجتهادية الزمنية، التي أنشئت على هامش النص المؤسس وتفيد من التراث المعرفي الإسلامي والإنساني بعين فاحصة ناقدة بحثا عن الأجوبة الزمنية المؤصلة للأسئلة الحضارية المعاصرة.
والمعرفة الثالثة: معرفة إنسانية معاصرة، وهي مكملة لسابقتها، لأن المعرفة الشرعية في واقع الأمة يتوقف على جملة معارف ومناهج وخبرات إنسانية يتوصل بها إلى تصوير أحوال الأمة قبل تكييفها والحكم عليها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وحسن التصور يتطلب معارف شتى نظرا لتعقد وتشابك المناطات المعاصرة، وهو ما يدعو إلى ضرورة اعتماد الخبرة العلمية في مختلف التخصصات من علم اجتماع وتاريخ ونفس وطب وإحصاء وقانون وسياسة وغيرها مما يمكن من استيعاب المناط المعاصر.
ثانيا: الشرط العملي:
ويتضمن هذا الشرط جملة أوراش اعتبرها المؤلف أولوية عملية تشييدية متكاملة تشكل في مجموعها مداخل إنجازية لاستئناف النهوض الحضاري في الأمة، لكنها منتظمة في سلك ورشين كليين، أحدهما عاجل، والثاني آجل.
الورش العاجل:
ويتمثل في العمل على جملة مشاريع ذات أولوية كبرى آنية، بتحقيقها على وجه التكامل والتساند تتمكن الأمة من الانتقال الحضاري إلى مستقبل التمكين، وتنتظم هذه المشاريع في ورشين كبيرين:
ورش البناء السياسي لمؤسسات الدولة: وهو أول ما انقض من البنيان، فلزم أن يكون أول ما يتأسس عليه النهوض الحضاري، من خلال بناء تحالف مجتمعي داخلي يترفع عن التجزئة الاستعمارية، ويسعى للائتلاف على المشترك، وبناء دستور جامع يتضمن المبادئ الأساس للحقوق والواجبات أسوة بوثيقة المدينة، وبناء مؤسسات استراتيجية للدولة والمجتمع، كمؤسسة القضاء والمؤسسة العسكرية، والمؤسسة الأمنية، والمؤسسة التربوية التعليمية، ومؤسسة الأسرة، والمؤسسة الإعلامية، ومؤسسة العلماء والدعاة.
الورش الاقتصادي: وهو الأساس المادي الحيوي للمشروع الحضاري الإسلامي من حيث إسهامه في إعمار الأرض حسب مقتضى الاستخلاف، وفي تحقيق المقاصد والمصالح من خلال: العمل على توفير مختلف الضروريات والحاجيات والتحسينيات التي بها استمرار، ومن أبرز ما يعين الاقتصاد الإسلامي في وظائفه الحضارية حسن استثمار نظام الوقف الإسلامي لتلبية حاجيات الأمة الآنية، وخاصة في التنمية البشرية والاقتصادية، ومتطلباتها المستقبلية، بالتدرج من توفير الضروريات إلى توفير الكفاية، مع الاهتمام بالأوراش الاستراتيجية وفي مقدمتها البحث العلمي بتمويل المكتبات والمراكز والمختبرات والمشاريع.
الورش الآجل:
يمثل هذا الورش حسب المؤلف الأفق الاستراتيجي للورش العاجل، ويتضمن ورشين كبيرين:
ورش بناء وحدة الأمة: ويتوقف نجاح هذا الورش على جملة شروط مركزية ومسالك عملية، فأما الشروط؛ فأولها: بناء نظام سياسي شوري جامع تأسيسا وتدبيرا، في إطار ثوابت الأمة وهي الشورى والعدل والحرية والكرامة والمساواة، وثانيها: بناء تربوي وسعي جهادي قائم على الإيمان والإحسان، والاقتحام والمخالطة مع صبر وطول نفس، وثالثها: نظم الاختلاف في سلك الائتلاف مع الإبقاء على مساحة واسعة من الخلاف الجزئي الذي يصبح بمقتضى الائتلاف على مستوى الأصول الكبرى غناء فكريا وتنوعا اجتهاديا، ويتفرع عن هذا الشرط الوعي الإيجابي بعلل التفرق وموانع التوحد، والوعي بمنشأ الخلاف وعوامل إدامته، والوعي بواقع التجزئة الموروث، والوعي بالكراهية الطائفية، وتحكيم المرجعية المشتركة وتصحيح الأخطاء. وأما المسالك العملية؛ فأولها: الوحدة القطرية، وثانيها: الوحدة الإسلامية الجامعة بين طرفي الأمة سنة وشيعة.
ورش بناء تحالف إنساني عالمي: تقوم الأمة الإسلامية بموجبه بخدمة الإنسانية والدفاع عنها دون مقابل نهب أو استعمار كما هو ديدن الحضارة المعاصرة، انطلاقا من ميثاق إنساني جديد، ينتصر للمستضعفين في الأرض مهما كان دينهم ولونهم وجغرافيتهم، ورفع كل أشكال الظلم والاستغلال في الأرض، خصوصا في هذا الزمن الذي اشتدت فيه الحاجة الإنسانية المعاصرة لنظام عالمي جديد يؤسس للتعارف والتعاون بين الإنسانية بدل التقاتل والتهالك. ولا شك أن هذا التحالف الإنساني العالمي مقصود الشريعة، وأولى أولوياته تحقيق العدل، وحفظ الحرية الإنسانية، وتعزيز التعارف والتعاون، وإرساء السلم العالمي.
خاتمة:
يعد هذا الكتاب بحق مرجعا في بابه، لأنه يفكك الاختلالات التي شهدها العالم إبان جائحة كورونا، ويفصل في أحوال الأمة الإسلامية وواقعها، ويجلي شروط انتقالها الحضاري إلى عالم ما بعد كورونا، وكما ختم المؤلف بحثه بخلاصات وتوصيات مركزة، فإني أختم هذه القراءة بملاحظات وتوصيات مركزة:
- لا شك أن حدود البحث الزمانية بدت واضحة في ثنايا الكتاب بالتركيز على زمن جائحة كورونا، سواء في رصد التحولات، أو في اقتراح المراجعات، وغير ذلك، غير أن الكاتب لم يشر إليها في عنوانه، ولعله قصد ذلك حين فصل في مراحل ما قبل التحول التاريخي إلى حدود زمن الكتابة.
- حكم تقسيم المباحث القصدية وبحث المؤلف عن الجدة والجودة في معالجة القضايا المطروحة، وقد بدا ذلك واضحا في منهجية المعالجة وأسلوب التحليل، لكن قيمة المبحثين الأول والثاني سواء من حيث الحجم أو الطرح كانت ستكون أكبر إذا ما تم التعمق أكثر في طرح المقترحات العملية لتأطير عملية المراجعة في المبحث الأول، ولتجاوز التحديات المطروحة في المبحث الثاني.
- رصد البحث معالم تناقضات الواقع العالمي المعاصر الذي ينتظم واقعنا الإسلامي في سلكه، وفصل في كبرى معضلات هذا الواقع وتحدياته التي أوصلته إلى حالة الإنهاك والضنك والتعب والضعف الشديد والترهل الكبير، وتحديد أسبابه التي ترجع إلى الاستبداد والفساد والتبعية.
- قدم الدكتور رفيع جملة حلول وأوراش كبرى لاستئناف النهوض الحضاري وتغيير التفكك الذي تعيشه الأمة الإسلامية سواء على المستوى العالمي أو حتى على المستويات الداخلية، بناء على ما تتوفر عليه من إمكانات حضارية وفرص تاريخية، شريطة الوفاء بالشرطين العلمي والعملي، وهو ما يحقق بناء وحدة الأمة، وبناء تحالف إنساني عالمي قائم على المشترك وعلى الخير.
- أوصي بما أوصى به الكاتب من توجيه جهود المنتديات العلمية والمراكز البحثية الجادة الغيورة على الأمة وأحوالها الطموحة إلى آفاق نهوضها نحو مشاريع وأوراش جماعية تتكامل فيها جهود وتخصصات الباحثين المتمرسين لبحث الإشكالات المعاصرة وتقديم الحلول الممكنة لها، والعمل على تحويلها إلى مشاريع وخطط تنموية تنفيذية استئنافا للنهوض الحضاري المنشود.