منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تصوّر المعجم في التراث اللغوي العربي “لسان العرب لابن منظور نموذجا”

  د. رشيدة مصلاحي

0

تصوّر المعجم في التراث اللغوي العربي

لسان العرب لابن منظور نموذجا

  د. رشيدة مصلاحي

    

1- حركة التأليف المعجمي عند العرب:

  • تمهيد حول حركة التأليف في علوم اللسان العربي عامة:

قبل التعرض لحركة التأليف اللغوي وأهدافها، وجدنا من الضروري التطرق لمرامي حركة التدوين التي قامت زمن الرشيد والتي يمكن تلخيصها في هدفين رئيسيين:

  • تمثل الهدف الأول: في الحفاظ على القرآن الكريم والسنة النبوية من الضياع، حيث تم الاهتمام بوضع التفاسير، وتعديل الرواة، وتمييز الأسانيد…
  • وتمثل الهدف الثاني: في المحافظة على اللسان العربي مما سمي “فسادا” وذلك بإنشاء القوانين النحوية…

وفي إطار هذا النشاط الثقافي العام (حركة التدوين) قامت حركة تأليف لغوي شملت علوم اللسان العربي التي حددها ابن خلدون في أربعة علوم يهمنا منها: علم اللغة، فهو يرى أن معرفة هذا العلم –إلى جانب علم النحو وعلم البيان وعلم الأدب- “ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب (…) فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد الشريعة”[1].

فعلوم اللسان العربي –في رأي ابن خلدون- عبارة عن وسائل في يد عالم الشريعة تساعده على التوفية بمقاصد الكلام، وتعينه على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية.

وهاجس الحفاظ على سلامة النص الديني والإبقاء على صفاء لغته راود علماء المسلمين عامة، وعلماء اللغة خاصة، حيث “كانت العناية الأولى باللغة استجابة إلى ما توجبه المحافظة على القرآن الكريم وتفهم معانيه من حفظ مادته اللغوية وما ترمي إليه من دقيق الدلالة والمغزى، وصحيح المبنى والمعنى”[2].

ويمكن تلخيص مرامي التأليف في مجال علوم اللسان العربي (سواء في اللغة أو النحو أو غيرهما) في الحفاظ على اللغة وتسهيل منالها على طالبيها، إذ في اكتساب ملكتها ومعرفة قوانينها والعلم بتقنياتها امتلاك لنواصي العلوم كلها وعلى قمتها: علوم الشريعة والدين. ولعل هذا ما جعل عمرو بن العلاء يقول في فترة متقدمة: “لعلم العربية هو الدين بعينه”[3].

  • دوافع التأليف في علم اللغة خاصة:

أُرجِعت بداية التصنيف في مجال اللغة إلى منتصف القرن الأول الهجري. وكان اهتمام العرب باللغة والتأليف في إطار علومها نابعا من تصورهم لها حيث نجدهم يعطونها تعاريف وحدودا تتوافق والمكانة التي احتلتها في نفوسهم باعتبارها لغة الدين والأدب، ووسيلة الفهم والإبداع…

فهي عند ابن جني: “أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”[4]. وعند ابن الحاجب: “كل لفظ وضع لمعنى”[5]. وعند ابن خلدون: “عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام”[6].

وبُلوِر هذا التصور للغة العربية على يد رواد حركة التأليف اللغوي التي تمثلت أهدافها الرئيسية في غايتين:

  • تفسير غريب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
  • جمع شتات اللغة قبل أن “تفسد”[7] لاختلاط العرب بالأعاجم، هذا الأخير الذي اعتبره ابن خلدون نتيجة لمجيء الإسلام ومفارقة العرب للحجاز طلبا للملك، فتغيرت ملكتهم اللسانية “بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين، والسمع أبو الملكات ففسدت”[8] .

وقد رأى ابن خلدون أن ذلك التغيير أو الفساد الذي أصاب العربية كان على مستوى “الحركات المسماة عند أهل النحو بالإعراب (…) حتى تأدى الفساد إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضعه (…) فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث”[9].

  • مراحل التأليف في علم اللغة:

يمكن أن نقسم عملية جمع اللغة العربية إلى مراحل ندرج أهمها كالتالي:

  • مرحلة الجمع الاعتباطي: وهي مرحلة أولية في الاهتمام بجمع اللغة.
  • مرحلة الجمع المنظم: والتي أُلفت في إطارها رسائل في المفردات اللغوية ككتاب “الشاء” وكتاب “خلق الإنسان” للأصمعي، وكتاب “الرحل والمنزل” لابن قتيبة.
  • مرحلة الجمع الشامل لشتات المادة اللغوية، والإحاطة بما احتوته الكتب اللغوية التي اهتمت بالمفردات.

 

  • رواد التأليف المعجمي العربي:

أجمع الدارسون أن سابق الحلبة في ميدان التأليف المعجمي العربي هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي ألف أول معجم شامل في اللغة وهو كتاب “العين”، “قد يقال إن العرب أصدروا كتبا لغوية كثيرة قبل أن يفكر الخليل في كتابه، وهذا حق. ولكن هذه الكتب ليست معاجم ولا نستطيع أن نعدها كذلك، لأنها تختلف عن المعاجم في الهدف والمنهج وإن اتفقت معها في الاهتمام بالكلمات اللغوية وجمعها وتدوينها”[10].

واعتُبِر مصنف الخليل –من طرف الدارسين القدماء منهم والمحدثين[11]– نموذجا متميزا في التعامل مع اللغة وحصر مركباتها وترتيبها… بالإضافة إلى كونه محاولة في جمع شتات المادة اللغوية، والرغبة في الإحاطة بكل ما هو مسموع من العربية وإن كان لا يحيط بهذه الأخيرة إلا نبي كما يقال.

وقد تبع الخليل في كتابه عدة عمليات مهمة ندرج بعضها كالتالي:

  • حصر مركبات حروف المعجم كلها وتقسيمها إلى ثنائي وثلاثي ورباعي وخماسي “وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي”[12].
  • ترتيب مركبات اللسان العربي على حروف المعجم وأقام هذا الترتيب حسب مخارج الحروف، فبدأ بالحلق، فالحنك، فالأضراس، فالشفة، ثم حروف العلة وهي الحروف الهوائية.
  • بيان المهمل في العربية والذي يوجد أغلبه من الثنائي والرباعي والخماسي، والمستعمل ومعظمه من الثلاثي.

ونظرا لأهمية كتاب “العين” ووفرة مادته، قام أبو بكر الزبيدي في القرن الرابع الهجري باختصاره استجابة لطلب أحد الحكام الأندلسيين وهو هشام المؤيد. وما تميز به اختصار الزبيدي –في رأي ابن خلدون- هو حذفه للمهمل كله واستغناؤه عن الكثير من شواهد المستعمل، وكان الهدف من وراء تلخيص العين تسهيل صعوباته على الناس، وفتح الطريق أمام من أراد الاستفادة منه.

ومن الكتب اللغوية التي تأثرت بـ”عين” الخليل كتاب “الصحاح” للغوي المشرقي أبو نصر الجوهري الذي حصر اللغة على طريقة سابقه إلا أن أهم ما تفرد به هذا المصنف هو ترتيبه لمادة كتابه على حروف المعجم مستعملا مصطلح الباب الذي يعتبر الحرف الأخير في الكلمة ومصطلح الفصل الذي يكون في الحرف الأول منها.

أما ابن سيده الأندلسي فرتب “المحكم” على طريقة “العين” وقُلب ذلك الترتيب –كما قال ابن خلدون- على يد محمد بن أبي الحسين التونسي إلى “ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها”[13]. ويكمن جديد المحكم في “التعرض لاشتقاق الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين”[14].

وإلى جانب هذه المعاجم اللغوية: “العين”، “الصحاح”، “المحكم” ذكر ابن خلدون في مقدمته عدة معاجم أخرى لها أهميتها: مثل “المنجد” المنسوب لأحد أئمة اللغة وهو كراع، و”الجمهرة” لابن دريد، وكتاب “الزاهر” لابن الأنباري.

وشكلت هذه الكتب –التي قمنا باستعراض عناوينها وأسماء مؤلفيها- مرحلة متطورة من مراحل التأليف اللغوي التي قدمنا أهمها سابقا، وكانت بمثابة الأصول لكتب اللغة التي ألفت فيما بعد لامتيازها بالشمول والإحاطة باللغة وما يتصل بها من نحو وغيره.

وقد وجدنا ابن منظور وهو صاحب أهم معجم عرفته العربية يُضمن مؤلفه “لسان العرب” آراء أصحابها في اللغة والنحو وغيرهما من المعارف. من هنا جاءت ضرورة تقديم الحديث عن حركة التأليف اللغوي وروادها الذين ساهموا –إلى جانب أسماء لامعة في مجال النحو وغيره- في إثراء معجم “لسان العرب” حتى جاء بتلك الضخامة وذلك التنوع.

2- معجم “لسان العرب” لابن منظور:

  • التعريف بدواعي تأليفه:

يرجع ابن منظور سبب تأليفه لمعجم “لسان العرب” إلى الوضع المتردي الذي عرفته العربية في عصره، حيث تم إهمالها من طرف متكلميها حتى صار النطق بها معدودا من المعايب “وتنافس الناس في تصانيف الترجمات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير العربية”[15].

ويمكن القول: إن هدف ابن منظور من خوض غمار اللغة والتأليف فيها يتمثل في غايتين:

  • الأولى هي: إعادة الاعتبار للغة العربية بصفة عامة، وذلك بحفظ أصولها “وضبط فضلها إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية”[16]، وتصحيح الوضع اللغوي بصفة خاصة وذلك باستقصاء واستيعاب جل المادة اللغوية التي احتوتها أمهات الكتب اللغوية السابقة عليه، والتي أهملت حتى كادت البلاد لعدم إقبال الناس عليها أن تخلو منها.
  • الثانية هي: حسن ترتيب تلك المادة اللغوية المجموعة من كتب السابقين وإجادة تفصيلها وتبويبها.

ولم يكن القيام بهاتين المهمتين بصعب على ابن منظور الذي شهد له بالعلم والموسوعية، حيث كان ذا تكوين ثقافي متنوع “عارفا بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة”[17]، وكان لا يمل من الاطلاع على الكتب اللغوية واستقصاء ما فيها من معارف… يقول في خطبة “اللسان”: “وإني لم أزل مشغوفا بمطالعات كتب اللغات والاطلاع على تصانيفها، وعلل تصاريفها، ورأيت علماءها بين رجلين: أما من أحسن جمعه فإنه لم يحسن وضعه، وأما من أجاد وضعه فإنه لم يجد جمعه، فلم يفد حسن الجمع مع إساءة الوضع ولا نفعت إجادة الوضع مع رداءة الجمع”[18].

ويتمثل ما وجده ابن منظور فيما طالعه من كتب لغوية في جانبين:

  • إيجابي: وهو الذي قوم به منهجه وضمنه كتابه.
  • سلبي: وهو الذي نبه عليه وحاول تجاوزه.

ومن الأمور الإيجابية التي أخذها ابن منظور عن سابقيه:

  • ترتيب صحاح الجوهري في الأبواب والفصول ليوضح بذلك طريقة عرض المادة المعجمية في لسانه.
  • وأخذ عن ابن الأثير أشياء تكميلية –لتوشيح تلك المادة- تمثلت في الأخبار والآثار والآيات القرآنية والكلام عن معجزات الذكر الحكيم…
  • ثم أخذ عن “المحكم” و”التهذيب” ما وثق به مادته اللغوية من روايات عن الأعراب، ولغات منسوبة للمتكلمين بها…

أما جديد ابن منظور فتمثل في أسلوب الضبط الذي تناول به هذه المادة المجموعة في هذه الكتب المختلفة حيث رآه أهم شيء ينقصها.

ويحق لنا الآن التساؤل حول: ما هو السلبي في هذه الكتب التي تناولها ابن منظور بالدراسة والاستيعاب؟

بعد قيامنا بنوع من الاستقصاء للانتقادات التي وجهها هذا المعجمي لكل من “التهذيب” و”المحكم” و”الصحاح” و”النهاية” وجدنا الخيط الرابط بينها كامنا في مؤاخذة أصحابها على عدم امتلاكهم لناصية النحو وخاصة الجانب الصرفي منه، فهو يرى أن إهمالهم لهذا الجانب يعد سببا من أسباب عزوف الناس عن مؤلفاتهم وانصرافهم عنها.

فرغم أن “التهذيب” و”المحكم” من أمهات الكتب التي نقلت مادتها اللغوية من أفواه متكلميها فقد امتازا بسوء “الترتيب وتخليط التفصيل والتبويب”[19]، وكان ذلك –في رأي ابن منظور- نتيجة لرداءة التصنيف وعدم ضبط التصاريف، حيث يقول: “غير أن كلا منهما مطلب عسر المهلك ومنهل وعر المسلك (…) قد أخر وقدم، وقصد أن يعرب فأعجم. فرق الذهن بين الثنائي والمضاعف والمقلوب، وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فضاع المطلوب، فأهمل الناس أمرها، وانصرفوا عنها، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليها أن تخلو منها”[20].

و”الصحاح” رغم اتصافه بسهولة الوضع وحسن الترتيب –باعتماد النظام الألفبائي الذي اتخذه ابن منظور كإطار وشكل لمادة معجمه- حمل في ثناياه أخطاء:

  • لغوية: تمثلت في التصحيف والتحريف ويكون ذلك على مستوى حركات وحروف الكلمات.
  • وأخرى نحوية: تجلت في المجازفة في الصرف، ويحصل ذلك بعدم ضبط صيغ المفردات ضبطا كاملا. يقول ابن منظور منتقدا الجوهري: “وهو مع ذلك قد صحف وحرف وجزف فيما صرف”[21].

أما “النهاية” فترجع أهميته –بالنسبة لابن منظور- إلى ما حمله من معارف مختلفة: من أخبار وآثار وآيات قرآنية… إلا أنه لم يسلم -في نظره- من بعض الأخطاء التي تجلى أهمها في كون ابن الأثير “لم يضع الكلمات في محلها ولا راعى زائد حروفها من أصلها”[22].

يتضح لنا من خلال هذه الانتقادات الموجهة إلى كل من معجم “التهذيب” و”المحكم” و”الصحاح” و”النهاية” أن ابن منظور يتصور المعجم العربي في صورة جديدة مغايرة لتلك التي عرف عليها عند أصحاب هذه المؤلفات. وهذا ما يجعلنا نطرح السؤال الآتي: كيف تصور ابن منظور معجم العربية؟

  • تصور ابن منظور للمعجم:

يمكن أن نقرأ في تلك المآخذ لابن منظور على مصنفي تلك الكتب اللغوية –والتي اعترف بالاستفادة منها- عدة مسائل نراها مهمة وتتعلق برؤيته للمعجمي، وكذلك بالكيفية أو الصورة التي ينبغي أن يكون عليها المعجم.

فابن منظور يرى في المعجمي ذلك الشخص الذي يجمع بين كونه عالما باللغة وعارفا بمسائل النحو، قائما بمهام كل من اللغوي والنحوي، وهو يخالف بهذا عبد اللطيف البغدادي صاحب “الخطب النباتية” الذي يقول: “اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه”[23].

فاللغوي -حسب ابن منظور- هو ذلك العالم الذي يحسن جمع اللغة ويتقن ترتيبها وتصنيفها، وكذلك يجيد وضعها بضبط علل تصاريفها وما يطرأ على صيغ الكلمات من تحولات واضعا إياها في محلها ومراعيا زائد حروفها من أصلها.

وعلى هذا الأساس يبدو لنا أن المعجم –في تصور ابن منظور- هو ذلك الكتاب الواضح المنهج السهل السلوك، الذي جمع صاحبه بين حسن الجمع وإجادة الوضع. ولا يتأتى الوضع الجيد للغة إلا بإجادة النحو واعتماد مسائله (الصرفية وغيرها) ومعرفة كيفية توظيفها وظروف استعمالها. وهكذا يكون توظيف المادة النحوية في “لسان العرب” نابعا من تصور صاحبه للمعجم، فكانت بذلك ميزة من مميزاته وإن لم يختص بها.

وقبل التحدث عن أهمية المادة النحوية في اللسان نطرح سؤالا نراه أوليا: ما هو مفهوم النحو عند العرب (ابن منظور)، وما هي فائدته بصفة عامة؟

لم يكن العرب أول من أعطى مفهوما لما سمي “نحوا” بل سبقهم في ذلك اليونانيون. يقول الأزهري: “ثبت عن أهل يونان، فيما يذكر المترجمون العارفون بلسانهم ولغتهم، أنهم يسمون علم الألفاظ والعناية بالبحث فيها نحوا”[24].

أما مفهوم النحو عند العرب –وكما عرفه ابن منظور مستلهما في ذلك تعريف ابن جني للنحو- فهو “القصد والطريق (…) ونحو العربية منه إنما هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكبير والإضافة والنسب وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شذ بعضهم رد به إليها، وهو في الأصل مصدر شائع أي نحوت نحوا كقولك قصدت قصدا ثم خص به انتحاء هذا القبيل من العلم”[25].

وما نلاحظه هو أن مفهوم النحو عند ابن منظور لا يتحدد فقط في تغير “أواخر الكلمات وضوابط هذا التغيير بل يشمل مع ذلك ما يتصل ببنية الكلمة وصياغتها كتثنيتها وجمعها وتصغيرها والنسب إليها وتركيبها مع غيرها”[26].

وبذلك جاء تعريف ابن منظور للنحو شاملا لجانبين:

  • جانب التركيب: حيث يعرفه بالإعراب وهو مبحث في العلاقات النحوية بين الكلمات والجمل والتراكيب.
  • جانب المفردات: وهو ما يتصل ببنية الكلمات وصيغها من تحولات.

وقد لاحظنا أن ابن منظور يعطي أهمية كبرى لهذا الجانب الأخير والذي يهتم بمعرفة “ذوات الكلم، في أنفسها، من غير تركيب”[27]، وقد عرف هذا المستوى النحوي عند علماء اللغة والنحو بـ”علم التصريف” وهو تغيير صيغة الكلمة إلى صيغة أخرى…”[28].

وقد قسموه إلى قسمين: “أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة، لضروب من المعاني (…) والآخر من قسمي التصريف: تغيير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى طارئ على الكلمة”[29].

وترجع أهمية هذا العلم –في رأي ابن عصفور الإشبيلي- إلى “احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية، من نحوي ولغوي إليه أيما حاجة، لأنه ميزان العربية”[30]. ويقول صاحب المزهر: “وأما التصريف فإنه من فاته علمه فاته المعظم…”[31].

أما إذا تساءلنا حول فائدة النحو بصفة عامة أجابنا أبو القاسم الزجاجي قائلا: “الفائدة فيه الوصول إلى التكلم بكلام العرب على الحقيقة صوابا غير مبدل ولا مغير، وتقويم كتاب الله عز وجل الذي هو أصل الدين والدنيا والمعتمد، ومعرفة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وإقامة معانيها على الحقيقة لأنه لا تفهم معانيها على صحة إلا بتوفيتها حقوقها من الإعراب” ثم يضيف: “فأدب العرب وديوانها هو الشعر ولن يمكن أحد من المولدين إقامته إلا بمعرفة النحو”[32]، “إذ به تتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ولولاه لجهل أصل الإفادة”[33] كما قال ابن خلدون.

ونلاحظ أن الزجاجي يلخص فائدة النحو في ثلاث غايات:

  • الأولى هي: الإصابة في التكلم بكلام العرب دون تغيير أو تبديل.
  • والثانية هي: الاهتمام بتقويم كتاب الله عز وجل، ومعرفة أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وإقامة معانيها على الحقيقة بتوفيتها حقوقها من الإعراب والبيان والتوضيح.
  • الثالثة: المساعدة على الإبداع في مجال الشعر الذي هو أدب العرب وديوانهم.

ففائدة النحو إذن –وحسب رأي الزجاجي- تكمن في كونه الوسيلة التي بامتلاكها وإحكام قواعدها، يصبح توضيح وتفسير أي معنى ملتبس ممكنا. سواء تعلق ذلك الالتباس بمعنى كلام عربي، أو بمعاني القرآن الكريم، أو الحديث النبوي الشريف، أو الشعر العربي.

وقد كان ابن منظور على وعي تام بهذا الدور الذي أنيط بالنحو وبمستوياته الصرفية والإعرابية، حيث نجد المادة النحوية في اللسان أهم وسيلة معتمدة في ضبط المادة المعجمية، وذلك ببيان أصولها وتخصيص معانيها النحوية والمعجمية مستقلة، ومستعملة داخل السياقات المختلفة. وإلى جانب المادة النحوية امتاز لسان العرب بتوظيف عدة مسائل أخرى ارتأينا إدراج أهمها في النقطة الموالية:

  • بعض المميزات العامة للسان العرب:

كان تأليف معجم “لسان العرب” في فترة القرن السابع الهجري، وهي فترة انتهى فيها اللغويون من جمع اللغة، وتدوينها وترتيبها. لذلك جاءت مادته جامعة للغة كما تم ضبطها منذ عصر التدوين، وحاملة لأهم ما أتى في كتب اللغويين السابقين، حيث ضمت في ثناياها “الصحاح للجوهري، وحاشيته لابن بري، والتهذيب للأزهري، والمحكم لابن سيدة، والجمهرة لابن دريد، والنهاية لابن الأثير وغير ذلك، فهو يغني عن سائر كتب اللغة، إذ هي بجملتها لم تبلغ منها ما بلغه”[34]. ولعل أهم الأمور التي امتاز بها اللسان هي:

  • جمعه للفوائد المتفرقة في الكتب السابقة عليه حتى أصبح بمثابة الأصل وهي بمثابة الفروع.
  • إكثاره من الشواهد المستمدة من الشعر، والحديث، والقرآن، والأمثال… وقد كانت المادة الشعرية أغزر الشواهد الواردة في اللسان. يقول ياسين الأيوبي: “يشتمل “لسان العرب” على أكبر مجموعة شعرية، احتواها معجم لغوي عربي، حيث بلغت اثنين وثلاثين ألف بيت من الشعر تقريبا”[35].
  • عنايته برد الكثير من الألفاظ الدخيلة والمعربة إلى أصلها، وعزو العديد من اللغات واللهجات إلى القبائل التي تكلمت بها. يقول أحمد علم الدين الجندي: ” وفي “لسان العرب” بأجزائه العشرين بلغ عدد القبائل المعزو إليها واحدا وسبعين قبيلة”[36].

وبرجوعنا إلى “الجزء السادس من لسان العرب باب السين” وجدنا ابن منظور يورد أزيد من تسعة وأربعين كلمة دخيلة ومعربة، وينسب الكثير منها إلى أصولها التي تنوعت بين فارسي، ورومي، وعبراني، وسرياني…

وقد لاحظنا أن ابن منظور يحاول وضع جذور عربية لهذه المفردات غير عربية، فوضع كلمة ادريطوس مثلا وهي مفردة رومية تحت مادة درطس، وإلياس وهو اسم عبراني تحت مادة ألس…

ثم إن ابن منظور قد عمل على عزو أكثر من أربعة عشر لغة ولهجة إلى قبائلها موردا أسماءها، كقبيلة: تميم، وقيس، والحجاز، وأهل المدينة، وطيئ، وبكر، وهوازن، ووهبيل، والنخع، والشام، واليمن، وحمير، وعمان، والبصرة… وقد وظف ابن منظور هذه الأمور اللغوية للقيام بعملية التوثيق الذي امتازت بها طريقته في عرض مادة كتابه، وفي الكيفية التي نسق بها معارف الكتب السابقة عليه…

وهكذا كانت المادة اللغوية في “لسان العرب” أداة سماعية استخدمها ابن منظور لتوثيق اللغة في مقابل المادة النحوية التي كانت أداة قياسية لضبط المادة المعجمية. ولاشتراك هاتين الأداتين في مهمة ضبط وتوثيق اللغة نوردهما تحت عنوان واحد وهو المادة النحوية. والتي نختم موضوعنا ببيان مستوياتها الثلاثة التي يمكن تصنيفها على أساسها:

  • المستوى الأول تركيبي: ويمكن أن نتناول فيه العوامل: كالمصادر، والأفعال، والألفاظ النحوية… والمعمولات: كالمبتدأ والخبر، والمفعول به، والظروف، والإضافة، والعطف، والزيادة، والحذف…
  • المستوى الثاني صرفي: ويشمل ما يتعلق بالأصوات من صفات، وتأليف، وإبدال، وزيادة، وحذف… وما يتعلق بصيغ المفردات من تحولات: كالمد والقصر، والتصغير، والنسبة، والتذكير والتأنيث، والتثنية والجمع، والاشتقاق… ولم يتم التفريق بين الصوتيات والصرف لأن القدماء لم يؤلفوا كتبا في الأصوات وأخرى في الصرف وإنما تناولوهما مجتمعين.
  • المستوى الثالث لغوي: وهو الذي يضم الآراء المتعلقة بالاشتراك والتضاد، والمولد، والدخيل والمعرب، والتصحيف، ولغات العرب واختلافها وبيان بعض مواضيع هذا الاختلاف.

خاتمة:

احتل معجم “لسان العرب” لابن منظور مكانة مهمة في الحركة المعجمية العربية. وتناوله العديد من اللغويين وغيرهم بالدرس والانتقاد، وأجمع أغلبهم على ضرورة تجاوزه مرجعين السبب إلى عدم استجابة مادته لألفاظ المظاهر الحياتية المتطورة، واقتصارها على اللغة التي تم جمعها منذ عصر التدوين.

يقول عبد الله العروي: “من الأمور التي تعوزنا قاموس تاريخي يعطينا تسلسل المعاني حسب التسلسل الزمني لسان العرب ليس قاموسا تاريخيا”. حيث لا يهتم بالترتيب الزمني لمعاني الكلمات “فلا يمكن أن نقول إن كلمة ما تعني كذا وفي القرن الفلاني تعني كذا”[37].

أما ياسين الأيوبي فيقول منتقدا عمل ابن منظور: “فكم كان فضله أعم وأعظم، لو عمل فكره ونظره فيما نقل وجمع، فأبقى على الموروث الحي من الكلم وأغفل الممات وهو كثير جدا في معجمه، وإذا كان ذلك أمانة للأسلاف من أصحاب المعاجم أي الإبقاء على كل ما تداولته الألسن العربية القديمة، فإنه أيضا إساءة إلى اللغة الكائن الحي الذي تتجدد فيه الحياة باستمرار”[38].

وإذا رجعنا إلى “المعجم العربي دراسة تحليلية” وجدنا صاحبه عبد القادر الفاسي الفهري يقسم فترات التأليف اللغوي إلى مرحلتين:

  • الأولى: مرحلة جمع اللغة عن طريق المشافهة: وكان ذلك في القرون الأربعة الأولى التي ألف فيها الخليل، والأزهري، وابن دريد…
  • الثانية: مرحلة التقليد: وهي فترة نقل اللاحق عن كتاب السابق متجاهلا ما جد في عصره من ألفاظ المظاهر الحياتية ومصطلحات العلوم المستجدة…

وقد أدرج الفاسي الفهري ابن منظور ضمن مؤلفي هذه الفترة الأخيرة حيث نجده يقول: “ثم دخلت المعاجم، مع المتأخرين في فترة صار اللاحق يقلد فيها السابق، ولم تعد المادة المعتمدة مادة حية يجمعها اللغوي من الناطقين بلسانها، بل عاد ينقل عن غيره من الأسلاف في عصر التدوين ويتجاهل ما جد من ألفاظ المظاهر الحياتية ومصطلحات العلوم (…) تلك فترة المعاجم الضخمة مثل القاموس المحيط ولسان العرب وهي معاجم استخلصت مادتها من مؤلفات سبقتها”[39].

ونحن وإن كنا نوافق صاحب النص على أن المادة المعجمية المعتمدة في “لسان العرب” ليست مادة حية –مأخوذة من أفواه الناطقين بها- إلا أننا لا نرى ابن منظور من المقلدين الناقلين والمتجاهلين للألفاظ المستجدة في عصره.

فابن منظور لم يتجاهل شيئا وإنما له الحق في أن تكون له وجهة نظر خاصة به يحدد من خلالها ما هو وارد بالنسبة لموضوع تأليف معجمه ولا يتجاوزه إلى غيره. ثم إن اعترافه بالنقل عن سابقيه لا ينفي ما أتى به من مسائل مهمة على مستوى توثيق اللغة وضبط مفرداتها وتراكيبها، والعلم بكيفية استعمالها بحفظ أصولها…

ويمكن القول إن أهم الأمور التي استرعت اهتمام ابن منظور لا تتحدد في جمع اللغة من المتكلمين بها.. ولا في نقل مادة الكتب السابقة عليه نقلا تاما.. ولكن تمحور هدفه حول ضبط أصول تلك اللغة المجموعة والمدونة في تلك الكتب ثم تصحيح وضعية هذه الأخيرة بانتقادها ونقض ما وقعت فيه من هفوات وأخطاء.


[1] ) مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تحقيق: عبد الواحد وافي، الطبعة الثالثة، دار النهضة بمصر –الفجالة- القاهرة، 1/753.

) مقدمة الصحاح: عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية: 1979م، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ص:35.[2]

) أورده ياقوت الحموي في معجم الأدباء، تحقيق: رضا كحالة، الطبعة الثانية، دار الإحياء العربي، بيروت، المجلد الأول.[3]

[4] ) الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد علي النجار، الطبعة الثانية: 1913م، دار الطباعة والنشر، لبنان، بيروت، 1/33.

[5] ) انظر المزهر في علوم اللغة: عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد جاد الله المولى، علي محمد البجاوي، أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الرابعة، دار الفكر، 1/8.

[6] ) المقدمة، ص:753.

[7] ) الفاسي الفهري: 1986م.

[8] ) المقدمة، ص: 756.

[9] ) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[10] ) الموسوعة الصغيرة: 80 “المعجم العربي”: حسين نصار، منشورات دار الجاحظ للنشر، وزارة الثقافة والإعلام: 1980م، بغداد، ص: 17.

[11] ) الفاسي الفهري: 1986م.

[12] ) المقدمة : ص: 758.

[13] ) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[14] ) نفسه، نفسها.

[15] ) خطبة لسان العرب، 1/8.

[16] ) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[17] ) لسان العرب، ترجمة المؤلف، 1/3.

[18] ) خطبة لسان العرب، 1/7.

[19] ) خطبة لسان العرب، 1/7.

[20]) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[21] ) لسان العرب، 1/8.

[22] ) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[23] ) المزهر في علوم اللغة: جلال الدين السيوطي، مرجع سابق، ص: 59.

[24] ) لسان العرب، مادة نحا، 15/309.

[25] ) المصدر نفسه، 15/309-310.

[26] ) النحو التعليمي في التراث: محمد إبراهيم عباده، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص: 9.

[27] ) الممتع في التصريف: ابن عصفور الإشبيلي، تحقيق: فخر الدين قباوة، الطبعة الثالثة: 1978م، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص: 30.

[28] ) المرجع نفسه، ص: 52.

[29] ) نفسه، ص: 31.

[30] ) المرجع نفسه، ص: 27.

[31] ) المزهر في علوم اللغة: جلال الدين السيوطي، مرجع سابق، ص: 330.

[32] ) الإيضاح في علل النحو: أبو القاسم الزجاجي، تحقيق: مبارك مازن، ص: 96. نقلا عن مقدمة النحو التعليمي في التراث: محمد إبراهيم عباده، مرجع سابق، ص: 7.

[33] ) المقدمة، ص: 753.

[34] ) مقدمة اللسان، 1/6.

[35] ) معجم الشعراء في لسان العرب: ياسين الأيوبي، الطبعة الثانية: 1982م، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ص: 23.

[36] ) اللهجات العربية في التراث: أحمد علم الدين الجندي، طبعة: 1983م، الدار العربية للكتاب، ص: 219.

[37] ) المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية: عبد الله العروي (وآخرون)، الطبعة الأولى: 1986م، دار توبقال للنشر- الدار البيضاء- المغرب، ص: 11.

[38] ) معجم الشعراء في لسان العرب: ياسين الأيوبي، مرجع سابق، ص: 30-31.

[39] ) المعجم العربي دراسة تحليلية: عبد القادر الفاسي الفهري، الطبعة الأولى: 1986م، دار توبقال للنشر- الدار البيضاء، المغرب، ص: 18.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.