منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشعر العربي يحرس القيم 

الشعر العربي يحرس القيم / زيد الطهراوي

0

الشعر العربي يحرس القيم 
بقلم: زيد الطهراوي

لقد اهتم الشعراء بالشعر الذي يحض على مكارم الأخلاق و وجدوا في الشعر خير معبر عن أهمية الأخلاق في المجتمع فحسن الخلق قبل كل شيء قربة إلى الله تعالى فقد قال النبي صلى الله عليه و سلم: ” أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقا “.

و قد كتب أحمد شوقي شعرا كثيرا عن الأخلاق فأبدع و لكنَّ بيتاً واحداً من هذا الشعر الكثير اشتهر أكثر من غيره و أصبح على كل لسان و هو بيته الفريد :

و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ونلاحظ هنا الطباق “بقيت/ذهبوا” و جرس الألفاظ
و هو بهذا البيت يجمع بين الجزالة و الحكمة فخبرة الشاعر في هذا الحياة أوصلته إلى حقيقة خطيرة جدا و هي: أن سوء الخلق مفسدة عظيمة تهدم البلدان و المجتمعات وها هو ذا أبو الفتح البستي ينهى عن الاهتمام بالجسد بتزيينه فيكون الاهتمام بالمظهر الخارجي و لعله يقصد عدم الاهتمام بزينة هذه الحياة الدنيا من مال و عقار و ينصح بالاهتمام بالنفس و تهذيبها و غرس الأخلاق الفاضلة فيها فبأخلاقك تسمو في الدنيا و الآخرة لا بمظهرك الخارجي يقول شاعرنا:

يا خادمَ الجسم كم تشقـى بِخدمته
أتطلب الربح فيمـا فيـه خُسرانُ

أقْبِلْ على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ

و ربما يسأل سأل سائل عن كيفية الوصول إلى الخلق الحسن خاصة إذا كانت هناك خصلة سيئة في النفس كالغضب والعجب والتسرع وكانت هذه الخصلة متشبثة بالنفس وكأنها عادة فيأتيه الجواب من الشاعر الحكيم أبي تمام:

فلم أجد الأخلاق إلا تخلقا
ولم أجد الأفضال إلا تفضُلا

فهو يؤكد أن الوصول إلى الخلق الحسن ليس سهلا ولكن خصال الخير من حلم و تواضع و أناة بحاجة إلى ممارسة و تمرن فيتعب المرء في البدء ثم يجد مبتغاه بإذن الله

ولقد غرس الحسد أنيابه في كثير من المجتمعات فأضر بها وبمصالحها وأدى إلى انتشار العداوات والمفاسد العظيمة فيها فنظم الشعراء أبياتاً تظهر خطورة الحسد و مفاسده فمما ينسب للإمام الشافعي:

و داريتُ كلَّ النَّاسِ لكنَّ حاسدي
مُداراتُهُ عَزَّتْ و عزَّ مَنالّها
و كيف يُداري المرءُ حاسـدَ نعمةٍ
اذا كان لا يُرضيهِ الّا زوالُها

الحاسد إذن يشهر عداوته و يظهر سوء نيته و لا مجال للمسالمة إلا إذا زالت النعمة عن خصمه فكيف يمكن للمرء أن يحيا بأمان مع حاسده وبهذا تضعف العلاقات الأخوية و يضعف المجتمع الإسلامي والعلاج هو تطهير القلب و السلوك من الحسد فلقد نهى النبي عن التحاسد والتباغض وعن السلوكيات التي تؤدي إلى كره المسلم لأخيه المسلم سواء كانت في المعاملة الشخصية او التجارية.

و يشرح أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني مخاطر الحسد العظيمة التي تعلو على مخاطر الإيذاء و العداوات وهو بذلك يدخل إلى أعماق النفس البشرية ليؤكد أن الحسد في حقيقته ما هو إلا اعتراض على الله تعالى فالله حكيم في توزيع النعم على خلقه والحسد هو تضجر من حصول النعم لهذا العبد فهو في حقيقته تضجر من فعل الله و اعتراض على حكمة الله فيقول ابو الفرج:

ألا قل لمن كان لي حاسدا … أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله سبحانه … لأنك لم ترض لى ما وهب
فجازاك عني بـأن زادني … وسد عليك وجوه الطلب

و هناك شعراء اهتموا بشعر المديح كثيرا و منهم من كان كاذبا في مدحه و منهم من يمدح من أجل كسب المال فأثر ذلك على سمعتهم و قد نهى الإسلام عن المدح سواء كان كلاما عاديا في وجه الممدوح أو كان شعرا لأن مفاسد المدح عظيمة فقد يغتر الممدوح بنفسه ويتكبر فيُغضب الله تبارك وتعالى.
أما النجاشي الحارثي فإنه يؤكد على أنه لا يمدح شخصا لا يستحق المدح و هو بهذا يخرج من دائرة الكذب و لكنه يبقى في دائرة المدح الذي تُخشى مفاسده.
يقول النجاشي الحارثي:

لا تَحْمَدَنَّ امْرَءاً حتَى تُجَرّبَهُ
وَلاَ تَذُمَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُهُ الخَبَرُ
إنّي امْرؤٌ قَلَّمَا أُثَنِي عَلَى أحَدٍ
حَتَّى أرَى بَعْضَ مَا يَأتِي وَمَا يَذَرُ

وينبغي على من حسُن خلقه أن يسمو على السفهاء فلا ينهمك معهم في الجدال والشتائم بل يعرض عن إجابتهم بمثل إساءتهم و كل ما ازدادوا سفاهة وغضباً وعنفاً ازداد هو حِلماً و يشبه الشافعي نفسه بعود الطيب الذي ينشر رائحته العبقة أكثر كلما احترق أكثر فمما ينسب للإمام الشافعي:

يخاطبني السفيه بكل قبــــــــــــح فــأكـــــــــــــــــــــــــره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلمــــــــــــــــــــــــا
كعـــود زاده الإحـــــــــــــــــــــراق طيبا

وقول الشافعي هنا: “يزيد سفاهة فأزيد حلماً” فيه مقابلة بديعة و هذا يدل على بلاغته

أما الرفق فهو من أحسن الأخلاق التي تنبت في سلوك المسلم و هو ضد العنف ويوضح أبو العتاهية محاسن الرفق بأنه يأتي بالمصالح العظيمة التي لا يأتي بها العنف والحمق.
فيقول:

الرّفْقُ يَبلُغُ ما لا يَبلُغُ الخَرَقُ
وقلَّ في الناسِ منْ يصفُو لهُ خُلُقُ

ويمدح زهير بن أبي سلمى الصدق الذي هو من أخص صفات المؤمن الحق و يذم الكذب الذي هو من أخص صفات المنافق فيقول:

ما أحسنَ الصدق في الدنيا لقائله
وأقبحَ الكذبِ عند الله والناسِ

ويعلن حاتم الطائي براءته من صفة الشتم التي هي فسوق ويبرأ كذلك من صفة إخلاف الوعد التي هي من صفات المنافق فيقول:

وما من شيمتي شتم ابن عمي
وما أنا مخلف من يرتجيني

وهو يؤكد على أن الكرم من أسباب السيادة فيقول:

يقولون لي: أهلكتَ مالَكَ فاقتصدْ // وما كنتُ، لولا ما يقولون سيّدا

ويذم الحكيم بن قنبر من لا يصلح عيب نفسه وينشغل بعيوب الناس فيقول:

وَمَطرُوفَةٌ عَيْنَاهُ عَنْ عَيْبِ نَفْسِهِ … وَلَوْ بَانَ عَيْبٌ مِنْ أَخِيهِ لَأَبْصَرَا

وقال أحد الشعراء:

وَلَوْ كَانَ ذَا الْإِنْسَانُ يُنْصِفُ نَفْسَهُ … لَأَمْسَكَ عَنْ عَيْبِ الصَّدِيقِ وَقَصَّرَا

ويذم إيليا أبو ماضي الكبر الذي هو من أسوء الأخلاق ببيت بليغ فيقول:

يا أَخي لا تَمِل بِوَجهِكَ عَنّي
ما أَنا فَحمَة وَلا أَنتَ فَرقَد

وهكذا يُدافع الشعر عن نفسه واضعاً اهتمام الشعراء بالأخلاق وحضهم عليها وتوضيح محاسنها أمام المهتمين ليؤكد أن الشعر فنٌّ و حكمةٌ و مواعظ بليغة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.