منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العبر المستخلصة من صحبة العلماء الربانيين |سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

0

العبر المستخلصة من صحبة العلماء الربانيين |سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم، اختار لنا أحسن الأدعية التي تفيد الإنسان دنيا وأخرى، وجعلها في سورة لا تقبل أية صلاة إلا بقراءتها، سواء كانت فرضا أو نفلا، وهي سورة الفاتحة، روى البخاري ومسلم، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَاب) [ أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات برقم 756، ومسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم 394]. فكلنا يسأل الله في الفرض والنفل ويقول في سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 6، 7]، ولنكون من المنعم عليهم، لابد من قراءة سيرتهم والاقتداء بهم، مصداقا لقوله تعالى في سورة الأنعام: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ؛ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 89، 90]، وهذا نموذج من هؤلاء المهتدين، فلنتدبر الحوار الذي دار بين عالم وتلميذه، ولنأخذ من حوارهما العبرة والعلم النافع، الذي ليس هو مجرد أقوال وقواعد تحفظ وتلاك في المناسبات، وتسطر في الكتب، وإنما هو سلوك وأعمال، وهذا هو العلم النافع، يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية)، ويقول الإمام مالك رحمه الله: (ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية)، ويقول الشافعي رحمه الله تعالى: (ليس العلم ما حُفِظ، العلم ما نفع).

عباد الله، تعالوا بنا لنتابع هذا الحوار الشيق، والمنشئ للعمل، والذي هو ثمرة عمر في طاعة الله، سأل أحد العلماء تلميذه: منذ متى صحبتني؟ فقال التلميذ: منذ ثلاث وثلاثين سنة. فقال العالم: فماذا تعلمت مني في هذه المدة؟

قال التلميذ: تعلمت منك يا شيخي ثمان مسائل، قال العالم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب عمري معك، ولم تتعلم إلا ثماني مسائل فقط! قال التلميذ: لم أتعلم غيرها يا سيدي، ولا أحب أن أكذب عليك. فقال العالم: هات ما عندك لأسمع، قال التلميذ:

الأولى: نظرت إلى الخلق، فرأيت كل واحد يتخذ صاحبا، لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يمكن أن يعيش وحيدا، فإذا ذهب إلى قبره فارقه صاحبه، فصاحبت الحسنات، فإذا دخلت القبر دخلت معي.  إلا أن هذه الحسنات التي سعى هذا الطالب لاكتسابها لا تكون دون صحبة وجماعة، صحبة تدله على الله، فخير الصاحب من أحبك في الله، وذَكَّرَك بالله، وخوفك من غضب الله، ورغبك في لقاء الله، وجماعة تحتضنه ليعيش فيها دينه، ويستجيب فيها لنداء ربه الذي قال في سورة الكهف: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28]

الثانية: نظرت في قول الله تعالى من سورة النازعات: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40، 41]، فاجتهدت في دفع الهوى عن نفسي حتى لا تستجيب له وتكون ممن اتخذته إلها من دون الله، مصداقا لقول تعالى في سورة الجاثية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؛ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23]، وبهذا استقرت نفسي على طاعة الله بعد أن انتقلت بالمجاهدة من النفس الأمارة بالسوء، لكونها تأمر صاحبها بالعمل السيء، واتباع الهوى والشهوة، دون التفكر أو الالتفات للشريعة الإسلامية، مما يؤدي إلى جلب الظلم للنفس، والضلال عن اتباع أوامر الله وهداه، إلى النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها على المعاصي في الدنيا مع تثاقلها عن أداء الطاعات، وهو ما يُعرّفه علماء النفس بالضمير، والذي يعمل على تأنيب الإنسان على ما يقوم به من قبائح العمل، إلى النفس المطمئنة التي تسكن إلى الله تعالى، وترضى بما رضي الله به، حيث قال عز وجل في سورة الفجر: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27-30]، فيكون صاحب النفس المطمئنة داعيا ربه بجميع حالاته، عند الضر وعند النفع، وعند الحزن وعند الفرح، كما يدعو ربه عند الفقر أو الظلم، ويكون راضياً بما قسمه الله تعالى له، وتعرف الطمأنينة بأنها سكون القلب لشيء معين، وعدم الشعور بالقلق والاضطراب، ولا يصل الإنسان إلى الطمأنينة إلا بذكر الله عز وجل، بكل أنواعه، وهي الخصلة الثانية من الخصال العشر لشعب الإيمان، بعد خصلة الصحبة والجماعة.

الثالثة: نظرت إلى الخلق، فرأيت أن كل من معه شيء له قيمة، إلا ويبذل كل جهده ليحفظه حتى لا يضيع، ثم نظرت إلى قول الله تعالى من سورة النحل: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ، وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 96]، فوجهت لله كل ما يقع في يدي من شيء له قيمة، ليحفظه الله عنده.

الرابعة: نظرت إلى الخلق، فرأيت الناس يتباهون بأموالهم، أو حسبهم، أو نسبهم، ثم نظرت إلى قول الله تعالى من سورة الحجرات:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) [الحجرات: 13]، فعلمت أن التقوى هي المقياس الصحيح للتفاضل، والزاد الوحيد للدار الآخرة، مصداقا لقوله تعالى من سورة البقرة: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى؛ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197]، وبها وحدها يقبل العمل، مصداقا لقوله تعالى من سورة المائدة: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27]، وهي وصية الأولين والأخرين، مصداقا لقوله تعالى من سورة النساء: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131]، وهي آخر ما نزل من القرآن، قال تعالى في سورة البقرة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة: 281]، فسعيت للتحلي بها حتى أكون عند الله كريما.

الخامسة: نظرت الى الخلق وهم يتحاسدون على متاع الدنيا وحطامها، فنظرت إلى قول الله تعالى في سورة الزخرف:( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[الزخرف: 32]، فعلمت أن القسمة من عند الله، فتركت الحسد عني، ورضيت بما قسمه الله لي.

السادسة: نظرت إلى الخلق يعادي بعضهم بعضا، ويبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضا، ونظرت الى قول الله تعالى من سورة فاطر:( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: 6]، فتركت عداوة الخلق، وتفرغت لعداوة الشيطان وحده.

السابعة: نظرت إلى الخلق، فرأيت كل واحد منهم يكابد نفسه ويُذلها في طلب الرزق، حتى إنه قد يدخل فيما لا يحل له، فنظرت إلى قول الله تعالى من سورة هود: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6]، فعلمت أني واحد من هذه الدواب، فاشتغلت بما لله علي، وتركت مالي عنده.

الثامنة: نظرت إلى الخلق، فرأيت كل مخلوق منهم متوكلا على مخلوق مثله، هذا متوكل على ماله، وهذا متوكل على ضيعته، وهذا متوكل على مركزه…، ونظرت إلى قول الله تعالى من سورة النساء: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء: 81]، وقول الله تعالى من سورة الفرقان: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان: 58]، وقول الله تعالى من سورة الطلاق: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 2، 3]، فتركت التوكل على المخلوق، واجتهدت في التوكل على الله الخالق عز وجل.

عباد الله، وما إن انتهى التلميذ من كلامه، حتى قال له شيخه ومربيه بكل تواضع: هذا هو العلم النافع الذي أمرنا أن نطلبه، والذي قال فيه الإمام مالك رحمه الله: (ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم بنور يقذفه الله في قلب العبد. وحديثٌ يُعمل به؛ خير من آلاف مؤلفة لا يعمل بها، وإنما صلاح العلم العمل به ونشره في الناس)، ومن الآن أنا أعتبر نفسي تلميذا عندك، وهكذا يعطينا هذا العالم الرباني درسا آخر في التواضع، ويقوي إرادتنا، ويشحذ عزمنا، ويرفع هممنا للزيادة في طلب العلم مهما تأخر بنا العمر، ومهما اكتسبنا من العلوم، فقد قال تعالى لنبيه في سورة طه: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114].

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.