منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مشروعية الرباط

0

الحمد لله الآمر بالصبر و المصابرة والمرابطة في الصف القائل في محكم كتابه “ياأيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون “(1)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من هو في موكب النبوة الحلقة الرابطة وفي عقد الرسالة الجوهرة الواسطة، عين الفضل والوجود الذي أضاء من وجوده كل موجود،القائل في ما صح عنه في صحيح مسلم : “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا :بلى يا رسول الله. قال:إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ” (2) وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار الذين ربط الله تعالى على قلوبهم برباط العطف، وثبت أقدامهم يوم الزحف، ومنَّ عليهم بأفضال عمت عن كل وصف، فعرفوا حقا معنى وفضل الرباط ، فعبروا عن ذلك قولا وعملا، فهذا سيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول في سياق تفسيره لآية المرابطة : “إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها ثم يذكرون الله فيها”(3) وما اكتفوا رضوان الله عليهم بالتأصيل، بل حرصوا على التفعيل والتنزيل والتوصيل بشوق وذوق ، إذ قال رضي الله عنه في موضع آخر: “رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين، المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم،و من رابط ثلاثة أيام في سبيل الله فقد رابط ، ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط “(4) وعلى إخوانه من بعده الذين تولوا إحياء سنة الرباط من بعد موات، حتى تنبعث من حلقات ذكر الله انتظارا للصلاة بعد الصلاة، قوة عارمة تعيد بهيبة “المكسب الإحساني” أمر العدل والشورى إلى نصابه، فهذا علم من أعلام الأمة الإمام المجدد عبد السلام ياسين يحث جند الله من محبيه على لزوم المرابطة بقوله رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة : “الرباط في غياب الجهاد جهاد، فمن دعي إلى رباط من الرباطات، ولم يحبسه عذر قاهر، وهو عليه قادر، فكأنما فاتته غزوة من الغزوات، فليبك على نفسه بكاء المخلفين الثلاث” (5) وأنكر العلامة الكبير والعالم العامل فريد الأنصاري على كثير من المسلمين المتشوفين لرباط الثغور جهادا بالنفس قبل تثبيت رباط مجاهدة النفس بقوله رحمه الله تعالى رحمة واسعة : ” من لم يصبر على رباط المساجد والصوامع، أنى له أن يصبر على رباط الصواريخ والمدافع”(6).
أَمَّا بعدُ:
إن الحجر الصحي الذي دعت إليه كثير من الحكومات احترازا من تفشي هذا البلاء المسمى ” فيروس كورونا” – عجل الله تعالى برفعه عنا – حجر أقعد كثيرا من المسلمين(ات) في البيوت بلا غايات أو مهمات، في غياب ناظم ينظم الطاقات التي تعطلت، تصحيحا للمقاصد والنيات، وتحريرا للمبادرات واستنهاضا للهمم والإرادات، وتنظيما للذات بأداء العبادات في صفوة الأوقات ، ومن أهم العبادات التي ترجحت في ظل هذه الأزمة التي تمر منها أمتنا، بعد طول خلاف حول مشروعيتها بين منكرين مبدعين من جهة ، ومجيزين محرضين عليها من جهة أخرى ، نجد الرباطات التربوية.
ومن باب الدلالة على الخير استنهاضا للهمم لإحياء هذه السنة الموات، اخترت في هذه الورقة أن أتناول موضوع ” مشروعية الرباط و فضائل أعماله” عبر مقاربة تأصيلية تسعى بجهد المقل العاجز، للإجابة على خمسة تساؤلات عبر محاور خمسة ، حتى يسارع مسارع للمرابطة في هده الأيام اقتحاما للعقبات، ومن أهمها عقبة النفس المتمنعة عن كل خير، وعقبة الواقع المفتون الصَّاد عن اغتنام مواسم الخير، وعقبة الجمود المبدعة للغير، بدعوى عدم ثبوت الرباط بهذه الصورة في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية ، فالله أسأل أن يوفقنا جميعا لتقريب الموضوع وحسن التسديد، بلا تحجير ولا تشديد، لنكون على خطى الجيل الفريد، جيل الأخذ بنية التنفيذ، وأن تكون هذه المقالة حافزا لتحويل التزام البيوت من خانة الاستجابة للسلطان، حرصا على صحة الأبدان وحماية للأوطان، إلى المرابطة في البيوت طاعة للرحمن وصحبة للقرآن وتشوفا لمقامات الإحسان.

1) فضل الرباط وإشكال التأصيل

أعتمد من أجل تجلية ذلك قاعدة الاستقراء قبل الإفتاء ، قاصدا جرد وجمع أغلب الأحاديث النبوية الشريفة التي حثت على المرابطة، حتى نعرف أن للرباط بنوعيه – الرباط على الثغر جهادا بالنفس، ورباط الصلاة والذكر جهادا للنفس- أصل وثبت له من الله الأجر والفضل.
الرباط يكفر السيئات ويرفع لأعلى الدرجات
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا:بلى يا رسول الله. قال:إسباغ الوضوء على المكاره،وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ” (7)، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إسباغ الوضوء على المكاره و إعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا”(8)
رباط يوم وليلة في سبيل الله يفضل صيام وقيام شهر.
عن سلمان الفارسي رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :” رباط يوم و ليلة خير من صيام شهر و قيامه و إن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل و أجري عليه رزقه و أمن الفتان ” (9)
الرباط في سبيل الله يفضل ألف يوم من أيام الدنيا بمتاعها.
فعن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل” (10) ، وعن سيدنا سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ” رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا و ما عليها و موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما عليها ” (11)
الرباط في سبيل رباط أكبر يعدل أجر المجاهد ويُوَّرث دعاء الملائكة.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “منتظر الصلاة من بعد الصلاة كفارس اشتد به كشحه تصلي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر”(12)، ويعضد هذا المعنى حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الرباط أفضل الرباط الصلاة بعد الصلاة،و لزوم مجالس الذكر، ما من عبد يصلي ثم يجلس في مجلسه إلا صلت عليه الملائكة حتى يحدث “(13)
المرابط في سبيل الله يُضمن له دوام الأجر بعد الموت.
عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر” (14)، وفي حديث آخر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: مرابط في سبيل الله، ومن عمل عملا أجري له مثلما عمل، ورجل تصدق بصدقة فأجرها له ما جرت، ورجل ترك ولدا صالحا فهو يدعو له ” (15) .
المرابط في سبيل الله يُؤمن من الفتان ومن الفزع الأكبر،إن مات فيه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: “من مات مرابطا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، و أجري عليه رزقه وأمن الفتان و بعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر”(16) يشهد لهذا حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من مات مرابطا مات شهيدا، ووقي فتان القبر، وغدي عليه، وريح برزقه من الجنة وجرى له عمله “(17).
هذا بعض فضائل الرباط على سبيل المثال لا الحصر، التي ينبغي تذاكرها والتعريف بها حتى يبادر مبادر، ويسارع مسارع لهذا الخير، خاصة في هذا الظرف العصيب الذي أمرنا فيها بالتضرع والفرار إلى الله تعالى، فهل من مرابط؟

2) مفهوم الرباط و إشكال التعليل

بعد الاستقراء لهذه الأحاديث النبوية الشريفة، الصريحة في ثبوت عبادة الرباط وأجر المرابط في سبيل الله تعالى، يطرح هنا إشكال بين القائلين بمشروعية الرباط ، والقائلين ببدعيته ، ألا وهو ما المقصود بالرباط الوارد في الأحاديث النبويىة، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، هل المقصود رباط الجهاد أم رباط المجاهدة؟ رباط التربية في المحاضن والجوامع، أم رباط الثغور في مواجهة الصواريخ والمدافع؟ وبالرجوع إلى سادتنا العلماء في هذه المسألة، نجدهم اختلفوا في معنى الرباط إلى ثلاثة مذاهب وهي :

المذهب الأول: عَدَّ رباط الثغور أصلا وحيدا في لفظ الرباط.

فقد جاء في المختار الصحاح أن ” الرباط هو ملازمة ثغر العدو” وعرفه صاحب النهاية في غريب الحديث بقوله رحمه الله تعالى: ” الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل و إعدادها” ورجح ثلة من العلماء القدامى والمحدثين هذا المعنى، وبه يقول من يعتبرون رباط التربية بدعة محدثة.

المذهب الثاني: قَصر معنى الرباط على رباط الانتظار

ذهب إلى هذا القول من اللغويين صاحب كتاب العين وصاحب القاموس المحيط إذ عرفا الرباط بقولهما على التوالي : ” الرباط هو المواظبة على الصلوات الخمس في مواقيتها” (18) و” الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة”، وهذا ما ذهب إليه أيضا سيدنا ابن كثير في تفسيره ونسبه لكثير من السلف الصالح بقوله ” المرابطة هي المداومة في مكان العبادة و الثبات وقيل انتظار الصلاة بعد الصلاة هذا القول قاله ابن عباس وسهل ابن حنيف و محمد ابن كعب القرظي و غيرهم”(19) ورجحه سيدنا البيضاوي في كتابه فيض القدير معللا اختياره بقوله ” الرباط بما هو لزوم مجالس الذكر وانتظار الصلاة و إسباغ الوضوء هي المرابطة الحقيقية لأنها تسد طرق الشيطان إلى النفس وتقهر الهوى وتمنعها عن قبول الوساوس وإتباع الشهوات، فيغلب بها جنود الله حزب الشيطان”(20)

المذهب الثالث: جمع المعنيين و عممه إلى مطلق الحبس

وممن ذهب إلى هذا الخيار من اللغويين نجد صاحب مفردات القرآن الكريم و صاحب لسان العرب و ملخص قولهم أن الرباط هو المداومة على الشيء و المواضبة على الأمر و حبس النفس على الطاعة و ربط النفس و الجسم مع الطاعات، ومن قال بالجمع من العلماء نجد الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري القائل: ” الرباط هو مرابطة العدو و قيل انتظار الصلاة … ويحتمل أن يكون المراد كلا من الأمرين أو ما هو أعم من ذلك”(21) وعليه فالمسألة مسألة اجتهادية وإعمال المعنيين أولى من إهمال أحدهما كما قرر ذلك سادتنا الأصوليون، فهل من مرابط يستمع للخير فيتبع أحسنه، حتى يكون علمنا علم خطوة لا علم خطبة ؟

3) الاختلاف حول الرباط وإشكال التهويل

فإذا اتضح مما سبق أن المسألة مسألة اجتهادية خلافية ، تقرر أنه لا يصح فيها الإنكار، إعمالا لقاعدة المسائل الخلافية ليست محل إنكار، وإن سوغ فيها فإن ذلك يكون من باب النصيحة، و النصح له آدابه و أخلاقه وضوابطه وشتان بينه و بين النبز بالتبديع و التفسيق و الرمي بإتباع الهوى يشهد لهذه القاعدة عدة أقوال لعلماء من مذاهب شتى نقتصر منها على الآتي:
قول سيدنا سفيان الثوري : “إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه” (22)
قول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: ” كل ما هو محل اجتهاد فلا حسبة فيه” (23)
قول الإمام النووي ” العلماء إنما ينكرون ما أجمعت عليه الأمة، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب و هذا رأي الجمهور، أو على المذهب الآخر: المصيب واحد و المخطأ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه “(24)
قول سيدنا البدر الزركشي ” الإنكار من المنكر إنما يكون في ما اجتمع عليه، فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه” (25)
قول سيدنا السيوطي ” لا ينكر المختلف فيه ، وإنما ينكر المجمع عليه” (26)
قول شيخ الإسلام ابن تيمية ” مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء، لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به ،و إلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين” (27)
قول عبد الله بن الصديق الغماري شعرا
إذا كان بحث في فروع شريعة فاحذر من التأثيم والتضليــل
إذ كل فرع ليـــس يبلــغ رتبــة في الجرم كالتوحيد والتنزيـل
و الفقه علم غامض وبحوثـه تحتــاج للتنظـيـر والتـعلـيـــل
فإذا أصبـت فأنـت جــد موفــق أولا،فــلا تفـزع إلـى التهـويــل
ودع الغلو مـع الغـرور بجانـب واجنح لحسن القول و التأويل
لا شيء ينفع في العلوم كحجة مــدعومـة بقــواعـد وأصــول
والله نرجو أن ينيــر عقــولنــا وينيلنا في الحشر حسن مقيل
فهل من تارك للجدال المقعد، متأس بحال الرجال المنهض، طالب للمعالي والسؤدد؟

4) زمان ومكان عقد الرباط وإشكال التفصيل

فإذا سلمنا بكل ذلك لم يبقى لبعض المعترضين إلا شبهة واحدة مفادها أن جميع الآيات والأحاديث تنص على المرابطة في المسجد وأنتم ترابطون في البيوت، فالجواب في إعمال قاعدة تعذر المعسور لا يسقط الميسور ، فالرباط في المسجد هو الأصل وهو مُنى كل محب، قلبه متعلق بالمساجد، لكنه معسور طيلة العام ، لأن بيوت الله مؤممة ودعوة الله محاصرة والجامع أفرغ من مهامه، ومعسور في ظل الحجر الصحي بعد أن غلقت المساجد احترازا من العدوى، والميسور هو بيوت المؤمنين القائمة مقام بيت الله، فلا نسقط الميسور المتاح لتعذر المعسور المرجو من الله أن يتيسر بعد انفراج الصباح، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:” جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” (28) والبخاري بوب لحديث صلاة الرسول في بيت الأعمى ليتخذه مسجدا بقوله : ” باب اتخاذ بيوت الناس مساجد” ونعلم أن فقه البخاري في تراجم أبوابه ثم إن معنى المسجد لغة، مكان السجود فهو اسم مكان فيصدق على كل مكان تقام فيه الصلوات الخمس، وقد يقول قائل إذا سلمنا بالحاجة إلى تغيير مكان الرباط لما سبق، فمن أين لكم تحديد الزمان وكذا المدة في يومين أو ثلاثة أو عشر أو أربعين يوما، ولمثل هذا المعترض نقول تحديد الزمان يبقى بحسب المتاح والمستطاع لكل واحد منا بحسب ظروفه المهنية والأسرية، وتوافق البعض على زمان يلائم جمهرة من الناس يندرج في خانة السياسة الشرعية، أما المدة فمتعينة نصا و لا اجتهاد مع وجود النص، كما قرر سادتنا الأصوليون ومن هاته النصوص نجد ما يلي:

رباط يوم

فعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها و موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها ولا الروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها” (29)

رباط ثلاثة أيام

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “إذا رابطت ثلاثا فليتعبد المتعبدون ما شاءوا” (30) وفي رواية أخرى ” رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين،مسجد الحرام و مسجد الرسول الله صلى الله عليه و سلم ومن رابط ثلاثة أيام في سبيل الله فقد رابط ومن رابط أربعين يوما فقد استكمل الرباط” (31)

رباط شهر أو أكثر

عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن الفزع الأكبر وغدي عليه وريح برزقه من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله – عز وجل ” (32) وعن أبي أمامة قال :قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:” تمام الرباط أربعين يوما، ومن رابط أربعين يوما لم يبع ولم يشتر ولم يحدث حدثا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه” (33)
فهل من قاصد عازم تحويل أيام الحجٍر، كلها أيام رباط وذكر، فبالنية تبلغ القصد وإن قصر بك العمر أو حبسك العذر؟

5) برنامج الرباط وإشكال التنزيل

إن رباطات الخير هي مجموعة من الأعمال التي ثبت فضلها والحث على الإتيان بها و المداومة عليها كأوراد الصلاة والقرآن والذكر وقيام الليل والصيام والدعاء والحفظ و إطعام الطعام وطلب العلم وتذاكر أمور الأمة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وهي كلها أعمال حلال شرعا مندوب الإتيان بها سنة مأجور فاعلها دنيا وآخرة. فلم يبق إلا الهيأة المجتمعة من هذه الأشياء، لأن الكل المجتمع يأخذ أحكام أجزائه المتفرقة، وهي غير حرام جزما وإن لم توجد في العهد النبوي فالترك لا يفيد التحريم فما بالك إن ثبت وجودها كما أشرنا سالفا، ولدعاة رباطات الثغور والحراسة في سبيل الله، نقول بأن رباطات الانتظار لزوم ثغر القلب حتى لا يهجم عليه الشيطان فيملكه، وهو مناسبة لتجديد الإيمان، ومحطة للتزود بالتقوى، والإكثار من الذكر، والتترس بالورع، وتقوية العزائم، والانجماع على الله، والاجتماع مع المؤمنين، وهي حمامات للتطهير، وحلبات للتنافس في الخير، ومعسكرات للتدرب على رباطات الثغور، فمن لا يصبر على رباط الجوامع والصوامع أنى له أن يصبر على رباط الصواريخ والمدافع، ومن لا يقدر على مواجهة إبليس والدنيا والنفس والهوى ومجاهدتهم، كيف يصبر على جهاد الأعداء؟ فإذا كانت هذه المقاصد واجبة شرعا مأمور العبد بالتماسها فأن الوسيلة الموصلة إلى هذه المقاصد تأخذ نفس الحكم، إعمالا لقاعدتي للوسائل حكم المقاصد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فهل من مبدع لبرنامج جامع ماتع، قاطع مع التسيب في الأوقات عسى الله أن يرفع عنا ما نزل من أزمات، نشرك فيه الأبناء والزوجات؟

على سبيل الختم

مما سبق يتبين أن الرباطات التربوية فرصة فريدة فاحرص أخي على أن لا تفوتك ،والمخذول من نسي نفسه، فبدون الرباط لا تتحقق الطفرة النوعية، ولا تظهر ثمرة الصحبة، ولا ترتقي في السلوك التربوي، ولا تنبت شجرة الذكر في القلب، والمكوث في البيوت بدون رباط ينظم وقتك، ويجمع شمل أسرتك، ويربطك بربك تضرعا وتذللا، وينوع العبادات بحسب الأوقات، ويزاوج بين العبادات المحضة من صلاة وذكر ودعاء وقيام وصيام…، وبين العبادات غير المحضة من أكل ونوم ودراسة ورياضة ومطالعة وخدمة وتعاون على الخير… يصبح هذا المكوث ضجيجا ونفوسا وأحقادا و أحسادا، أمراضا وصراعات، وغدا ندامة و حسرة، إن الذين ينغمسون في ملذات الحياة الدنيا، ولا يذكرون الله و لا يرابطون، أعمالهم تصبح سلاحا للنفس لتخرب عليهم آخرتهم، هذه إشارات من الله بها في اليوم الثاني للرباط الربيعي، أستنهضه بها نفسي أولا، لأعزم على استمرار رباطي حتى بعض ختم الربيعي، فهل من مرابط؟

(1) سورة آل عمران الآية 200
(2) أخرجه مسلم في صحيحه
(3) رواه ابن مردويه و ابن جرير
(4) رواه عبد الرزاق في مصنفه
(5) كلمة للإمام عبد السلام ياسين في شريط مرئي
(6) كلمة للشيخ فريد الأنصاري في تسجيل مسموع
(7) سبق تخريجه
(8) أخرجه أبو يعلى والبزار
(9) رواه مسلم
(10) رواه الترمذي والنسائي وابن شيبة
(11) أخرجه البخاري.
(12) رواه أحمد والطبراني
(13) رواه عبد الرزاق و الطيالسي
(14) رواه أبو داود والترمذي
(15) رواه الإمام أحمد في مسنده
(16) أخرجه ابن ماجة في سننه
(17) رواه ابن ماجة
(18) كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (1103/1)
(19) تفسير ابن كثير (172/2)
(20) فيض القدير (256/3)
(21) فتح الباري لابن حجر (63/6)
(22) حلية الأولياء لأبي نعيم (367 / 6)
(23) إحياء علوم الدين للغزالي ( 37 / 7)
(24) شرح مسلم للنووي
(25) المنتور في القواعد للزركشي (127/2)
(26) الأشباه و النظائر للسيوطي (ص: 158)
(27) “مجموع الفتاوى” (20/207)
(28) متفق عليه
(29) أخرجه البخاري وأحمد والترمذي
(30) رواه ابن أبي شيبة وابن أبي عاصم
(31) سبق تخريجه
(32) رواه الطبراني
(33) رواه الديلمي و الطبراني
(26) الأشباه و النظائر للسيوطي (ص: 158)
(27) “مجموع الفتاوى” (20/207)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.