الفقه المغيب “فقه القلوب”
بقلم: فؤاد هراجة
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «قرابة الرحم تُقْطَعُ، ومِنَّةُ النعمة تُكْفَر، ولم نَرَ مثل تقارب القلوب»
لم يكن ترجمان القرآن وحبر الأمة ليُنْزِلَ تقارب القلوب هذه المنزلة، إلا لأن تقاربها يتُوه الفكر في كُنهِه، ويحار العقل في أسبابه، فهو وشيجة تتجاوز مسافات التاريخ، ورابطة تتجاوز حدود البلدان، ففي تقارب القلوب يتجلى عجيب قدرة الله تعالى، إذ يصير بموجبها الآخر أفضل من النفس، فإذا حل الإيثار في قوم تقارب بعيده، وتدانى نائيه، وتواصل أهله، وعم السلام بينهم. إن تقارب القلوب امتزاج بين الأرواح وعناق بين الأفئدة، لا مقام فيه للمظاهر، ولا مجال فيه للشكليات، إنه بوتقة إعجازية تذوب فيها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية.
لهذه الاعتبارات وغيرها عَدَّ القران الكريم تأليف القلوب من أعظم واجَلِّ النعم التي أنعم الله بها على الصحب الكرام، ممتنا بها عليهم في قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا» أمر إلهي مباشر قد لا نلتفت إليه كما نلتفت إلى أمر الصلاة، مع أنه هو الآخر واجب، وكيف لا يكون كذلك وإصباحنا إخوانا متوقف على التاليف بين قلوبنا، ولكي يتحقق التاليف بين شيئين، يتوجب أولا وقبل كل شيء التقريب بينهما. لهذا السبب كان تقريب القلوب من أعظم مهمات الانبياء والأولياء ومحبي الخير للناس؛ فالحديث عنه ليس ترفا بل ضرورة، تقتضيه مصلحة الأمة، وتحتمه مصلحة الفرد.
أسند الطبري في تفسيره إلى عبدة بن أبي لبابة رحمه الله عن مجاهد، واقيه وأخذ بيده فقال:« إذا تراءى المتحابان في الله ، فأخذ أحدهما بيد صاحبه ، وضحك إليه ، تَحَاتَتْ خطاياهما كما يتحات ورق الشجر . قال عبدة : فقلت له : إن هذا ليسير ! فقال : لا تقل ذلك ؛ فإن الله تعالى يقول : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) ! . قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني.
إنه فقه حقائق النفوس ومعادن القلوب، وذاك حقيقه أن يسمى فقها، ذلكم الفقه الذي يرتقي بالنفس إلى التقارب والمحبة والهدى والصلاح، الفقه الذي يجمع ولا يفرق، ويعذر ولا يؤلب، وبسعر جاهدا في نشر التسامح والتناصح والتقارير بين أهله. إن تقارب القلوب هو غاية الغايات يرمقه المتأمل في قول إمام الصلاة «استووا لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» فهذا الاستواء وتقارب الأبدان في الصلوات إيماء إلى طلب تقارب القلوب في حياتنا كلها، وهي تنبيه تشريعي إلى البعد عن الشقاق والهوى وسوء الظن وغيرها من الأخلاق الفاسدة التي إذا تسربت إلى قلب المرء أبعدته عن أقرب قلب إليه، وقد يستغرب صاحبه كيف كان فلان أقرب إلى قلبي، بل كان يسكن في قلبي، فأصبح بعيدا كل هذا البعد، والجواب أن مفتاح تقارب القلوب طهارتها، والرسول بين القلوب نقاؤها، فلما طهرت قلوب الصحب الكرام وتنقت من كل مظاهر الجاهلية، وحَسُنَ ظنهم في بعضهم البعض، استحقت قلوبهم ذلك التأليف الرباني لها، تأليف لو أنفقت عليه كل أموال الأغنياء، وكل أفكار وتنظيرات حكماء الأرض لما حققته، فالقلوب تتقارب بمحاسن الأخلاق، وتتآلف بنور الايمان.