الحلقة التاسعة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحلقة التاسعة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحكم الشرعي وفقه النوازل.
تمهيد:
إن الحكم الشرعي يتحقق مقصده بصفة عامة حينما تُجرى وقائع الحياة بحسبه، ولكن تلك الوقائع قد تحف ببعضها ملابسات تجعل إجراء الحكم عليها غير محقق لمقصده. ولذلك فإن تقدير ما إذا كان الحكم الشرعي سيحقق مقصده في الواقع عند تطبيقه على النوازل يتوقف على النظر والتحقيق في أحوال النوازل نفسها ودراسة ظروفها وملابساتها العينية.
ولمعرفة ذلك لابد أولا بالتعرض لمفهوم الحكم الشرعي وطبيعته وأقسامه وعلاقة ذلك بفقه التنزيل. ثم بعد ذلك نتعرف على فقه النوازل وخصائصه، وعلاقته بفقه الواقع وتنزيل الأحكام. ومعرفة فقه الوقائع سواء التي تناولتها النصوص- فقه حقائقها وملابساتها- أو التي لم يرد بشأنها نص، فتحقيق هذه الوقائع لازم لفهم الدين والعمل به.
المطلب الأول: الحكم الشرعي؛ طبيعته وأقسامه.
الفرع الأول: معنى الحكم الشرعي.
- أولا:تعريف الحكم لغة:
الحكم بالضم: القضاء، وأصله المنع، يقال :”حكمت عليه بكذا؛ إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، وجمعه أحكامٌ. وحكمتُ بين القوم وفصلت بينهم فأنا حاكم وحَكَمٌ بفتحتين والجمع حُكام ويجوز بالواو والنون، ومنه اشتقاق الحِكمة، لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال، وحكَّمْتُ الرجل بالتشديد فوضت الحكم إليه، وتحكَّم في كذا، فعل ما رآه، وأحْكَمتُ الشيء (بالألف) أتقنته[1].
وبهذا يكون أصل (الحكم ) ومشتقاته تدور بين أربعة معانٍ وهي :المنع، والقضاء، والفصل، والإتقان.
- ثانيا: تعريف الحكم اصطلاحا:
الحكم هو: أثر الشيء المترتب عليه، وفي العرف: إسناد أمر إلى آخر إيجابا أوسلبا[2].
ويختلف وصفه بحسب جهة الإيجاب والسلب، فإن كان الإيجاب والسلب عقليين – كقولك: الصنعة تدل على الصانع، وقولك لو تعددت الآلهة لفسد النظام،كان الحكم عقليا. وإن كان الإيجاب والسلب عاديا،كقولك: الحديد يصدأ، والملح لا يفسد الطعام، كان الحكم عاديا. وإن كان الإيجاب والسلب شرعيًّا كإيجاب الصلاة والزكاة، وتحريم الخمر والربا، كان الحكم شرعيا، فالحكم في عرف الشرع: “هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بطريق الشرع”[3].
أما مفهوم الحكم الشرعي، فقد اختلفت عبارات الأصوليين اختلافا متقاربا في بيان حده، مع اتفاقهم على المضمون، فيكون عندهم هو: “خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع”[4].
والخطاب الوارد في تعريف الحكم هو “توجيه الكلام المفيد إلى الغير للإفهام”[5]، والمراد منه المخاطب به، وهو نصوص الوحي في الكتاب والسنة، وقد أفاد التعريف أن نص الخطاب الصادر من الشارع الدال على طلب، أو تخيير، أو وضع، يسمى حُكْمًا.
والأحكام المستنبطة عن طريق القياس أو المصالح المرسلة، أو الاستحسان أو غير ذلك هي “من الأحكام الشرعية، وهذه الأدلة إنما هي طرق كاشفة، ومظهرة للحكم، والاحتجاج بها يأتي بناء على أدلة من القرآن والسنة”[6].
وبالتالي فالحكم الشرعي المقصود باعتباره ركنا في عملية التنزيل، هو كل حكم شرعي تكليفي أو وضعي داخل في استطاعة المكلف ومقدوره، سواء احتاج لحكم أم لم يتطلب ذلك.
الفرع الثاني: أقسام الحكم الشرعي وعلاقة ذلك بفقه التنزيل.
أولا: الحكم التكليفي.
الحكم التكليفي هو “خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً”[7]،وقد قسم الجمهور خطاب التكليف إلى خمسة أقسام، وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه.
وزاد الحنفية على تقسيم الجمهور قسمين آخرين هما: الفرض والمكروه تحريما، فتحصل لديهم سبعة أقسام [8]. واختلف العلماء في عد المباح من أقسام أحكام التكليف[9].
أ- خصائص الحكم التكليفي:
يتميز الحكم التكليفي بعدة خصائص، وهي:
1-العلم والقدرة على الفعل؛ حيث لا يطالب به المكلف إلا مع العلم به والقدرة عليه، قال صلى الله عليه وسلم: “فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم”[10]،هذا عدا الشروط الخاصة بأعيان الأحكام،كاشتراط الطهارة للصلاة، والحول للزكاة، والاستطاعة للحج، وما شابه ذلك.
ووجب التنبيه أن ما تقدم من شرط العلم في التكليف، لا يعني تبرير التقصير بالجهل، فإنه لا يعذر الجاهل بجهله على الإطلاق، لأن طلب العلم بالأحكام الشرعية التي يحتاجها الإنسان وتعرض له، واجب تكليفي مستقل بذاته عن واجب الامتثال، فأداء الصلاة مثلا واجب، والعلم بأحكامها واجب آخر، يعاقب بتركه كعقابه بتركها، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب[11].
2- الحكم التكليفي مقصود أصالة لذاته؛ ليمثله المكلف إذا كان واجبا، أو مندوبا، أو يكف عنه إن كان حراما أو مكروها، أو يخير في فعله وتركه إن كان مباحا. أما الحكم الوضعي فلا يكون مقصودا لذاته .
3-الحكم التكليفي مرتبته التأخير؛ الحكم التكليفي متأخر عن الحكم الوضعي، فلا يوجد إلا بوجوده، سواء أكان سببا له،كدخول الوقت، أم شرطا كالطهارة للصلاة، أم مانعا منه كالقتل مع الميراث، وهكذا في سائر أحكام الوضع مع التكليف.
ب- أقسام الحكم التكليفي وأثرها في فقه التنزيل:
1-الواجب: هو”الخطاب الدال على طلب الفعل طلبا جازما”[12]، مثل قوله تعالى: “وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة“(البقرة؛43). ويأتي بصيغ متعددة؛ منها ما يدل على الوجوب بمادته، نحو كتب وفرض، وأوجب، وأمر، قال تعالى: “كتب عليكم الصيام” (البقرة؛183)، ومنها ما يدل على الوجوب بالصيغة الدالة على الطلب، وتشمل فعل الأمر والمضارع المقترن بالطلب، والمصدر النائب عن فعله، اسم الفاعل.
وينقسم الواجب إلى تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة، “فمن حيث فاعله ينقسم إلى واجب عيني وواجب كفائي، ومن حيث وقته إلى واجب مطلق وواجب مؤقت، ومن حيث مقداره ينقسم إلى محدود وغير محدود ، ومن حيث تعينه وعدمه، ينقسم إلى واجب معين وواجب مخير”[13].
وأما أثر فقه التنزيل في الحكم التكليفي الواجب، فهو واضح، وظاهر في كون ما ينزل واجبا على المكلفين في وقت ما، قد لا ينزل واجبا في وقت آخر. وما كان واجبا في حق شخص قد لا يكون واجبا بحق شخص آخر، وكل ذلك يتجلى من خلال مراعاة عناصر فقه التنزيل (النص، المكلف، الواقع) أثناء الحكم، وإلا لم يكن تنزيلا بل إسقاطا، والتنزيل ليس كالإسقاط[14].
2-المندوب: هو”ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم”[15]، والمندوب له صيغ كثيرة، فقد تكون الصيغة دالة عليه بمادتها، وقد تكون الصيغة طلبا مقترنا بما يصرفه عن الواجب كما في كتاب الرقيق المذكور في سورة النور[16]. كما يدل على المندوب سياق الخطاب، وكون هذا العمل أفضل من غيره، وهي أساليب كثيرة،كاستحباب الغسل للجمعة، وقيام الليل، والعفو عن الظلم وغيرها.
ومن المندوب ما يسمى بالسنة المؤكدة، كالجماعة والآذان والوتر والعيدين[17]، ومنه ما يسمى بالنوافل والسنن غير المؤكدة أو المستحبات، وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يواظب على إظهارها في الجماعات مواظبة السنن المؤكدة،كالتطوع بالصدقة والصلاة والصوم والحج، ومنها صلاة الضحى، والنوافل الراتبة، وغيرها.
والمندوب وإن كان الطلب فيه غير جازم إلا أنه في تنزيله يعتبر مقدمة للواجب وخادم له، وفي ترك المندوب إخلال بأمر كلي فيه.كما ينظر إليه باعتبار الكلية والجزئية[18]، فترك المندوب بالجزء ليس كتركه بالكل، كترك الآذان في المساجد، فقد استحق تاركوه القتال، وكذا ترك صلاة الجماعة على الدوام ففي تركها إخفاء لشعائر الإسلام، وقد توعد الرسول صلى الله عليه وسلم من داوم على ترك صلاة الجماعة بحرق بيوتهم عليهم[19]، وهكذا في سائر النوافل والرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها. والحكم الشرعي دائما له حالة طبيعية التي ينزل فيها كما جاء، وله حالة غير طبيعية تقع نتيجة ظروف وأحوال طارئة.
3-الحرام: هو”الخطاب الدال على طلب الكف طلبا جازما”[20]. ويأتي بصيغ متعددة، منها الصيغ التي تدل على التحريم بمادته مثل حرم، ومحرم، ولا يحل، نحو قوله تعالى: “حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير”(المائدة؛3)، وقوله عز وجل: ” محرم عليكم إخراجهم“(البقرة؛84). ومنها ما يدل على التحريم بصيغة النهي عن الفعل أو الاقتراب منه؛ مثل قوله تعالى: “ولا تقربوا مال اليتيم” (الإسراء؛24).
والمحرم نوعان: المحرم لذاته، ويكون النهي فيه لذات النهي،كتحريم المحارم في النكاح، وتحريم الزنا، والخمر،والسرقة، وأكل الميتة، والدم، وقتل النفس….، وهذا النوع من المحرم باطل بأصله ووصفه لا يترتب عليه أثر مشروع. والمحرم لغيره، فهو ما كان التحريم فيه لا لذات المحرم، بل لأمر آخر متصل به، كالصلاة في الأرض المغصوبة[21]، والحج بالمال الحرام، والبيع وقت النداء….فهذه الأمور في ذاتها، إما مطلوبة أو مباحة.
وهذان النوعان من الحرام يظهر أثرهما في تنزيل الأحكام؛ حيث إن المحرم لذاته يفترق عن المحرم لغيره في التنزيل، من حيث “إن المحرم لذاته لا يباح إلا لضرورة، وذلك لأن سبب تحريمه ذاتي”[22]،فعند التنزيل يجب مراعاة هذا، فلا يباح الحرام إلا لحالة الضرورة. “أما المحرم لغيره فإنه يباح للحاجة لا لضرورة؛ وذلك لأنه لا يمس ضروريا”[23]، ولذا أبيحت رؤية عورة المرأة لعلاجها، إذا كانت الرؤية لازمة للعلاج أو الولادة .
4- المكروه: هو”ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم”[24]، ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين”[25]، فالجلوس بدون صلاة مكروه، وهذا رأي الجمهور. وخالف في ذلك الحنفية فإنهم قسموا المكروه إلى: مكروه كراهة تحريمية، ومثال ذلك عندهم: البيع على بيع الغير، والخطبة على خطبة الغير، ولبس الحرير والذهب للرجال…ومكروه كراهة تنزيهية،كالنهي عن الصلاة في الطرقات، ومعاطن الإبل، والحمام، والمقبرة عند المالكية لعدم أمن النجاسة.
والصيغة الدالة على المكروه قد تكون بالنص على لفظ الكراهة،كما في قوله صلى الله عليه وسلم:”إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال”[26]، وقد يدل اللفظ على الكراهة بمعناه كما في الحديث: “أبغض الحلال إلى الله الطلاق”[27]، وكثير ما تكون الكراهة بصيغة النهي المقترن بما يصرفه عن التحريم.
ومن حيث التنزيل فالمكروه والمندوب في مرتبة واحدة من الفعل والترك، إذا تعارض المكروه والمندوب، قُدّم المكروه في التنزيل، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، يقول الإمام الشاطبي: “إذا كان الفعل مكرُوها بالجزء كان ممنوعا بالكل،كاللعب بالشطرنج، والنرد بغير مقامرة، وسماع الغناء المكروه، فإن مثل هذه الأشياء إذا وقعت على غير مداومة لم تقدح في العدالة، فإن داوم عليها قدحت في عدالته،وذلك دليل المنع”[28].
5- المباح: وهو”الخطاب الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك”[29]، أو هو ما دل بالدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل[30]، مثل: الأكل والشرب واللعب.
ويرى الشاطبي[31] أن كل مباح ليس بمباح بإطلاق، وإنما هو مباح بالجزء خاصة، وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك. لأن المباح يكون: إما لأمر مطلوب الفعل كالزواج، أو يكون خادما لأمر مطلوب الترك كالغناء واللهو، أو يكون خادما لمميز فيه،لم يتصور له وجود، أو يكون فيه شيء من ذلك، وهو كذلك لم يتصور له وجود. وكل ذلك نظر مطلوب عند تنزيل الأحكام.
- ثانيا :الحكم الوضعي:
الحكم الوضعي هو: “خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا، أو شرطا، أو مانعا”[32]، بالإضافة إلى كون الفعل “صحيحا، أو فاسدا، أو عبادة، أو قضاء، أو أداء، أو عزيمة، أو رخصة”[33].
وإذا كان الاتفاق حول السبب والشرط والمانع أنها من الحكم الوضعي فقد وقع الاختلاف في الأنواع الأربعة الباقية وهي: (الصحة والفساد أو البطلان، والعزيمة، والرخصة) فقد عدها بعض العلماء[34]من الحكم التكليفي، بل ودعى غيرهم إلى أن تبحث مستقلة بذاتها باعتبارها تطبيقا للحُكمين معا[35].
1-أقسام الحكم الوضعي:
وهي ثلاثة متفق حولها: السبب، والشرط، والمانع.
أ-السبب؛ هو: وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي[36]،كتعريف الزوال لوجوب الصلاة ، قال تعالى: “أقم الصلاة لدلوك الشمس“(الإسراء؛78) ، والاستطاعة لوجوب الحج، وغير ذلك.
والأسباب منها ما هو في قدرة المكلف، ومنها ما هو خارج قدرته، فالأول مثاله السفر سبب لإباحة الفطر، والثاني يمثله دلوك الشمس سبب لإقامة الصلاة[37]. وهناك من الأسباب المطلوب فعلها كالسعي لتحصيل النصاب المالي الذي سبب الزكاة، وهي في قدرة المكلف، وأسباب منهي عنها كالسرقة التي سبب الحد.
ولولا الأسباب الشرعية المعرفة للأحكام لوقع الناس في الحرج والضيق لأن الوقوف على الأحكام بعد انقطاع الوحي متعذر بدونها، يقول ابن قدامة: “إعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الشارع في كل حال، أظهر خطابه لهم بأمور محسوسة جعلها مقتضية لأحكامها. على مثال اقتضاء العلة لمعلولها، وذلك شيئان: أحدهما العلة ، والثاني السبب”[38]. ويأتي السبب بمعنى العلة عند الشاطبي[39]، والعلة عنده تطلق على حكمة التشريع.
ب- الشرط؛ هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته[40]،كالطهارة يلزم من عدمها عدم الصلاة، ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة، لاحتمال أن يتطهر ولا يصلي، ولا يلزم العدم، لأن الغالب في المتطهر أن يصلي .
والشروط أنواع[41]، لأنها قد تكون شروطا في السبب وقد تكون شروطا في المسبب، وقد تكون شروطا شرعية، وقد تكون جعلية؛ يضيفها المتعاقد لتحقيق رغبة زائدة على أصل العقد، وقد تكون الشروط داخلة تحت خطاب التكليف، فتكون في ذاتها مكلفا بها، وهو الغالب في شروط الصحة،كالإسلام، والطهارة للصلاة. وقد تكون مكلفا بها، فلا يجب على المكلف تحصيلها وهي شروط الوجوب،كالبلوغ ودخول الوقت، وقد يكون الشرط ملائما للمشروط، فيقع صحيحا، وقد يكون غير ملائم فيقع باطلا.
ج-المانع؛ وهو: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولاعدم لذاته[42] ،كالدَّيْن المانع من الزكاة، ويلزم من وجوده عدم وجود الزكاة، ولا يلزم من عدم الدين وجوبها، لتوقف الوجوب على السبب والشرط، وليس على انتفاء المانع فقط.
قد لا يملك صاحب المال نصابا، وقد يملكه ولا يحول عليه الحول، فلا يجب عليه الزكاة مع أن الدين غير موجود، “كما أنه لا يلزم من ارتفاع المانع عدم الوجوب، لأن الشرط والسبب قد يتحققان مع ارتفاع المانع فتجب”[43].
والمانع عند الجمهور على قسمين[44]: الأول مانع للحكم؛ وهو ما يستلزم رفع حكمة الحكم،ككون الأبُوّة مانعة من القصاص في القتل ، فيكون الأب سببا لوجود الابن يقتضي أن لا يكون الإبن سببا لعدمه.
والثاني المانع للسبب؛ وهو ما يستلزم حكمه تخل بحكمة السبب، كالدين مع النصاب الذي هو سبب وجود الزكاة.
وتتفاوت الموانع[45] بين القوي الذي يمنع ابتداء الحكم أصلا نظرا لاستحالته،كالرضاع يمنع صحة النكاح ابتداءً ويقطعه دوما. والأقل قوة وهو الذي لا يمنع وقوع الحكم أصلا بل دوما، وليس في كل الحالات،كالعدة تمنع ابتداء النكاح لغير منْ هي منه، ولو طرأت على نكاح صحيح بوطء شبهة لم يقطعه.
وهناك المانع الضعيف الذي يمنع من وقوع الحكم في الحال، وليس في المآل، نظرا لإمكانية توافر الشرط في المستقبل،كالكفر بالنسبة لمالك الرقيق المسلم لا يمنع في الابتداء لتصويره بالإرث.
وحضور هذا التفاوت للموانع له الأثر في التنزيل من حيث ترتيبه، فالنوع القوي يمنع من التنزيل منعا باتا، والأقل قوة يُنظر فيه إلى الفرق بين حالة الوقوع التي قد يستمر فيها الحكم، و في حالة عدم الوقوع يستمر العدم دوما، كوطء المرأة المعتدة، فالأصل العام التحريم مستمر دوما مادامت في العدة، وإذا وطئت بشبهة استمر الحكم . أما في النوع الثالث وهو النظر في المآل للتنزيل، فهو يختلف الحكم فيه عند حالة الابتداء منه في حالة الانتهاء.
وهكذا نخلص إلى أن أثر فقه التنزيل في الحكم الوضعي يتجلى في كون كل حكم لم تتحقق شروطه وأسبابه وتنتفي موانعه لا يصح تنزيله.
الفرع الثالث: بيئة الحكم الشرعي وطبيعته.
- أولا: البيئة الطبيعية للحكم الشرعي:
إن الحكم الشرعي له بيئته الطبيعية التي ينبت فيها نباتا طبيعيا، وله مناخ يولد فيه ولادة طبيعية، “نلتمس ذلك ونتحسسه من استنكاف التشريع في عهده الأول أن يفرض حكما لمسألة إلا وقد تلبست بالواقع”[46]، فالشرع الحكيم يراعي طبيعة الواقع وبيئته المعنية بالتنزيل.
فكان ثمرة لذلك ما قُرن مع نصوص القرآن من أسباب نزوله، وما عرف مع السنة النبوية بأسباب ورودها، وتنبيه العلماء على أهمية ذلك في تفصيل الحكم على الواقعة[47]. ولذلك تعتبر بيئة الحكم الشرعي بيئة إنسانية تراعي حياة الناس وأحوالهم العامة وفي مجالات مختلفة لها تأثير في طبيعة الحكم الشرعي؛ ومنها:
أ- البيئة السياسية: وهي الأحوال السياسية ونظام الحكم المعمول به أثناء وقوع النازلة؛ فتنزيل الأحكام يتأثر بالواقع السياسي، مما نتج وينتج عندنا من اختلاف عدد من الأحكام تبعا لاختلاف الأوضاع السياسية المحيطة بالمسلمين على الجملة في بلد وزمن معينين.
ومن المفيد الإشارة إلى أن المسلمين اليوم أحوج، من أي زمن مضى، إلى اعتبار الأحوال السياسية في تنزيل الأحكام، نظرا لاختلاف أنظمة الحكم في البلدان المسلمة وانتشار المسلمين في البلدان الغير المسلمة، مما دفع بعلماء المسلمين في الغرب بضرورة تطبيق “فقه الأقليات المسلمة”[48].
ب- البيئة الاقتصادية: وهي الأنظمة الاقتصادية المتبعة من طرف النظام السياسي؛ فلكل نظام في الحكم نظريته في الاقتصاد، والأحوال الاقتصادية لها تأثير كبير في المجتمع وعلى الأفراد سلبا وإيجابا، مما يحتم على فقيه التنزيل أن يراعي الأوضاع الاقتصادية العامة أثناء تنزيل الحكم الشرعي، “الذي يرسي قواعد وسطية متميزة لنظرة الإسلام إلى الملكية والحيازة والتصرف بالثروة، تستفيد من أخلاق الإسلام، وتتيح قوة دفع وبناء كبيرة في أعمال التنمية وترشيد الحياة الاقتصادية[49].
والقرآن الكريم والسنة النبوية أصلا لذلك من خلال التدرج في تنزيل عدد من الأحكام العملية المتصلة بالواقع الاقتصادي السائد في المجتمع.
ج- البيئة الاجتماعية: والأحوال الاجتماعية تتأثر بشكل مباشر بالأحوال الاقتصادية والسياسية، فانتشار البطالة والفقر والفساد الأخلاقي وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية، هي نتائج لنظام الحكم السياسي والاقتصادي السائدين. وعلى الفقيه المسؤول عن التنزيل أن يكون واعيا متبصرا بهذا الواقع قبل تنزيل الأحكام.
والدليل على ذلك هو الهدي النبوي في معالجة الظواهر والعادات الاجتماعية السلبية التي كانت سائدة عند العرب زمن التنزيل الأول، والتدرج في التشريع لمحاربتها والقضاء عليها.
د- البيئة الفكرية: والبيئة الفكرية كالبيئة الاجتماعية والطبيعية، تتعدد وتختلف تبعا لهذا التعدد، والاختلاف لا يكون في المسلمات العقلية أو نوع الأفكار المدروسة، وإنما في نمط التفكير وطبيعته في الاحتجاج على الأفكار أو الاستدلال لها. “تباينٌ يفرضه اختلاف تموقع الأفكار في كل بيئة تقديما وتأخيرا، وارتباطا بعضها ببعض تابعا أومتبوعا”[50]، مما يترتب على ذلك اختلاف في الفهم وتباين في التطبيق والتنزيل.
- ثانيا :طبيعة الحكم الشرعي:
إن معرفة طبيعة الحكم الشرعي، بعد معرفة أقسامه وبيئته، بمثابة طريق لمعرفة كيفية التنزيل.
والمعلوم أن الأصل في الأحكام الشرعية تكون عامة ومطلقة للحكم على عموم المكلفين، وهذا يعني أنها لا تكون جزئية بخصوص كل مكلف على حدة، وفي هذا يقول الشاطبي: “إن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة، تتناول أعدادا لا تنحصر”[51]. لأن الله تعالى شرع الأحكام الجزئية بشكل كلي؛ يقول ابن تيمية: “إن الأحكام الجزئية لم يشرعها الشارع جزئيا وإنما شرعها كليا”[52].
فالحكم الشرعي إذا هو حكم كلي عام، وتطبيق الحكم يعني تنزيل الحكم الكلي العام المطلق على المكلف المعين المشخص.
وبما أن طبيعة الحكم الشرعي هكذا، فإن هذا الحكم لا بد أن ينظر إليه مجردا، أو غير مجرد، أي: إما أن يكون له توابع وإضافات وطوارئ أو لا يكون، وهذا ما بينه الإمام الشاطبي بقوله: “اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها على وجهين: أحدهما؛ الاقتضاء الأصلي: قبل طروء العوارض وهو الواقع على المحل مجردا عن التوابع والإضافات،كالحكم بإباحة الصيد والبيع والإجارة، وسن النكاح وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك. والثاني؛ الاقتضاء التبعي: وهو الواقع على المحل مع اعتبار التوابع والإضافات، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا إرب له في النساء، ووجوبه على من يخشى العنت، وكراهية الصيد لمن قصد فيه اللهو، وكراهية الصلاة لمن حضره الطعام، أو لمن يدافع الأخبثان، وبالجملة كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران أمر خارجي”[53].
وبهذا تكون طبيعة الحكم الشرعي بأنه حكم كلي مجرد، الذي يسعى المجتهد إلى تنزيله على الواقع الجزئي المقيد. ومعرفة طبيعة الحكم الشرعي طريقة لمعرفة التنزيل الصحيح.
المطلب الثاني: تنزيل الحكم الشرعي على النوازل.
الفرع الأول: فقه النوازل وعلاقته بتنزيل الحكم الشرعي.
يعتبر فقه النوازل من أبواب الفقه الضرورية للناس في حياتهم، يجيبهم عن مسائلهم ونوازلهم، ويبين لهم الحلال والحرام في قضاياهم، خاصة “الفقهية المعاصرة”، فهو- أي فقه النوازل- يقوم على الدراسة الشاملة لجميع ما يتعلق بالنازلة من كافة أبعادها الشرعية، والتاريخية، والاجتماعية، والقانونية، والنفسية، ومن تم إعطاء الحكم الشرعي المناسب لها، وربط ذلك بواقع النازلة. ويشكل فقه النوازل جزءا من فقه الواقع، وهو ما يتعلق بفقه واقع التنزيل الذي يشمل تحقيق المناط في الفرع.
فما معنى فقه النوازل؟ وما علاقته بتنـزيل الحكم الشرعي؟
- أولا :تعريف فقه النوازل.
1- تعريف النوازل لغة:
النوازل في اللغة[54]: جمع نازلة، والنازلة: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالقوم، أو المصيبة الشديدة تنزل بالناس. فالنازلة إذن هي المصائب الشديدة والأمر الشديد الذي يقع أو ينزل أو يحل بالناس.
2– تعريف النوازل اصطلاحا:
إسم النوازل يطلق بوجه عام على “مجموع الوقائع والمسائل التي تستدعي حكما شرعيا، والنوازل بهذا المعنى تشمل جميع الحوادث التي تحتاج لفتوى تبينها، سواء أكانت هذه الحوادث متكررة، أم نادرة الحدوث، سواء أكانت قديمة، أم مستجدة”[55]. والنوازل بهذا المعنى ترادف وقائع الفتاوى .
وقد اعتنى العلماء بالنوازل، جمعا وترتيبا، ضمن علم الفتوى، باعتباره “علما تُروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوقائع الجزئية ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم”[56].
والعرف الإستعمالي لهذا المصطلح غلب عليه إسم “الوقائع”، لأن خاصية الوقوع هي أهم ما يميز النوازل على الفروع الفقهية المدونة في علم الفقه، وخاصة ما عرف بالفقه الافتراضي.
وعليه تكون النازلة هي: “كل واقعة تعلقت بتصرفات المكلفين، واحتاجت إلى اجتهاد في تنزيل الحكم الشرعي المتعلق بها”[57]. وبالتالي فالنازلة المقصودة هنا هي الواقعة المطلوب بيان حكمها.
أما المفهوم المركب “فقه النوازل” فإنه لم يُعرف له تعريف اصطلاحي في المصادر القديمة عن العلماء الأوائل، لكن يمكن استنباطه من التعاريف العامة للنازلة، ومن بعض تعاريف العلماء المعاصرين الذين اجتهدوا في تحقيق هذا المفهوم.
ومضمون هذه التعاريف إجمالا اعتبرت فقه النوازل بأنه؛ علم يبحث في المسائل الجديدة[58]،والمشكلات المعاصرة، التي تتميز بالتعقيد والتشابك[59]، والتي تعترض المسلم في حياته اليومية.
وباختصار أدق هو: علم بالأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالقضايا الفقهية المستجدة والمعاصرة.
- ثانيا:خصائص فقه النوازل وفوائده.
يتميز فقه النوازل بعدة خصائص[60] نوجزها في ما يلي:
1- تعتبر النوازل لونا جديدا من المسائل التي لم يسبق حدوثها، وبالتالي فهي عند عموم الناس غريبة يصعب فهمها من أول وهلة.
2- تعتبر المسائل التي بحثت في فقه النوازل ثروة جديدة، ومادة قانونية صحيحة قابلة للاستثمار .
3- يختلف فقه النوازل عن الفقه الافتراضي أو الافتراضات النظرية، باعتبار النوازل مسائل واقعية تحدث للناس، وغيره لم يقع بعد.
4- تتميز المسائل المتعرض لها في فقه النوازل بالتعقيد وكثرة تشابكها ودقة فهمها وصعوبة حل معضلاتها، لذا فهي تحتاج إلى مزيد من جهد وإلى إمعان نظر وعدم التسرع في الحكم والاجتهاد فيها.
وتظهر أهمية فقه النوازل في فوائد كثيرة[61]؛ بعضها يتعلق بصفة المسائل الواقعية التي تعرض صورا من المجتمع الذي نزلت فيه النازلة، وفوائد تتعلق بالفتوى أو الحكم الشرعي، وله فوائد تعود على الفقيه المجتهد الناظر في الواقعة. و لنذكر بعضها بشكل مختصر:
أ- فقه النوازل من العلوم المهمة التي تعرض الفنون الضرورية في حياة الناس اليوم .
ب-من الناحية الاجتماعية يقدم فقه النوازل الكثير من الإشارات إلى أحوال المجتمع الإسلامي في منطقة النازلة من عادات في الأفراح و الأتراح، وعن حياة الناس وعاداتهم في السلم والحرب والعمران، وغير ذلك.
ج- ومن الناحية الفكرية، يعرفنا فقه النوازل بالعلاقة بين المذاهب الفقهية والفرق الكلامية، وكيفية مواجهة الأفكار المنحرفة .
د- ومن الناحية السياسية ينقل لنا فقه النوازل صور واقعية لحوادث تاريخية[62] تمس ذلك المجتمع الذي وقعت فيه النازلة لفهم أحداث الزمان.
و-ومن الناحية الاقتصادية تقدم النوازل جملة من الصور الاقتصادية التي تمر بها البلاد الإسلامية، وعن الملكية والتجارة والبنوك…وغيرها.
كل هذا وغيره من الفوائد العلمية والتاريخية، والأجر والثواب والحرص على تأدية الأمانة، والتعرف على أسماء العلماء والمجتهدين؛ يبين أن فقه النوازل علم ضروري يساعد على وضع أصول و ضوابط لمواجهة نوازل العصر.
- ثالثا: فهم النازلة في تنزيل الحكم الشرعي.
حدد الفقهاء مجموعة من الضوابط[63] ينبغي مراعاتها قبل النظر في النازلة، منها: إخلاص النية لله عز وجل، والتأكد من وقوع النازلة، والفهم الدقيق والإلمام الكامل بالمسألة محل الاجتهاد، واستشارة أهل الخبرة وأهل الاختصاص والتثبت قبل القول في المسألة، وغيرها.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: “صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده،(…) وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته وإتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق وترك التقوى”[64].
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى، والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع الذي يراد الحكم عليه والموقف منه، وفهم الواجب في هذا الواقع، وهو فهم حكم الله تعالى الذي يحكم به على لسانه أو على لسان رسوله صل الله عليه وسلم على هذا الواقع أو على نظائره وتطبيق أحدهما على الآخر.
ولصحة الفهم والفقه في النوازل والموقف منها، لابد لك – بعد توفيق الله تعالى – من “العلم بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى، والعلم بالسنن الإلهية، والعلم بفقه الموازنات والأولويات وفقه المآلات”[65] .
والمقصود بفهم النازلة؛ نعني به التصور الصحيح لها، وهو ضابط في تنزيل الحكم المتعلق بها، لأن غيابه يؤدي إلى اضطراب التنزيل، إما بإيقاع الحكم على صورة من التصرفات ليست متدرجة فيه، أو بإيقاعه على صورة مندرجة فيه ولكنها غير مستجمعة لشروط التنزيل.
كما يختلف ضابط الفهم بين نوازل الفتوى التي تعرض على المفتي للنظر في حكمها الشرعي، ونوازل القضاء باعتبارها خصومات معروضة على القاضي للفصل فيها.
الفرع التاني: تنزيل الحكم الشرعي وتحقيق الوقائع.
الوقائع جمع مفرده الواقعة، وهي النازلة، ولذلك ينبغي أن يكون “فقه النوازل” معبرا عن فقه تصوير الواقعة باعتباره فرعا من فقه التنزيل يبحث في قواعد الفهم العميق للوقائع بهدف الوصول إلى بناء تصور صحيح واضح عنها من جميع جوانبها. ولذلك لا بد من فقه الوقائع قبل تنزيل الحكم عليها.
- أولا: فقه الوقائع.
فقه الوقائع قسمان: قسم هو جزء من الفقه في الدين، ولا يتم الفقه في دين الله على كماله إلا به، وقسم هو مقدمة للتدين الصحيح، وهداية الواقع بهذا الدين. وتحقيق ذلك يتم على الشكل التالي:
1-النوع الأول؛ تحقيق الواقعة التي ورد بشأنها نص شرعي:
إن نصوص الوحي في القرآن والسنة تمثل محور الهدي الذي تعود إليه مختلف الأدلة، وهي الأصل لغيرها على سبيل مشابهة الفرع للأصل في كتاب القياس .
وبالتالي فإن تحقيق هذه الوقائع[66]، تحقيقا تُضبط فيه أبعادها وتشخص فيه ظروفها، يمر عبر تحقيقها في عهد نزول الوحي، وذلك للوقوف أكثر على دلالات النصوص ومقاصدها من جهة، لتتضح سبيل بيان الهدي في الوقائع المختلفة انطلاقا من هدي الله فيها، أو تحقيقها يتم في كل عصر لاحق، يكون أهله في حاجة إلى العمل بالنص الوارد فيها، ليتبين مطابقة الواقعة لجنسها في العهد النبوي، ويتم ذلك عبر تحقيق البعد النفسي والاجتماعي للواقعة.
أو تحقيق واقعة النص الشرعي في غير العهد النبوي، ويتم ذلك باعتبار تطور ونمو العلاقات الاجتماعية والمادية بين الناس، تكون تبعا لتطور المجتمع وتعقد شبكة العلاقات فيه.
والقصور عن إدراك النمو الحاصل في العلاقات الاجتماعية والمادية بين الناس تؤثر سلبا على قراءة الواقع، كما يعبر ابن خلدون[67].
2-النوع الثاني؛ تحقيق الواقعة التي لم يرد بشأنها نص شرعي:
إن تحقيق الواقعة التي لم يرد بشأنها نص شرعي تعد مقدمة لاستنباط الحكم من فحوى النص ومعقوله، سواء كان ذلك من نص واحد أو من عدة نصوص.
ورغم تسجيل التباين بين واقع المجتمع النبوي البسيط في علاقاته الاجتماعية بين الأفراد وتعاملاته المالية، أو بين واقع المجتمعات التي جاءت بعده المتسمة بالتطور والتعقيد في جميع المجالات، فإن ذلك لا يؤثر في مقصد الحكم باعتبار العلاقات هي العلاقات[68]. ومهما كان المجتمع فالإنسان في المجتمع البسيط هو الإنسان في المجتمع المعقد، وإنما هو تباين اقتضته سنة النمو والتطور في المجتمع الإنساني.
ولضبط الانتقال من الحكم في المجتمع النبوي البسيط إلى مثله في المجتمعات المعقدة المتطورة فيما بعد، “فإن الشريعة في أصلها وُضعت بهذا الوضع في مصادرها الأساسية قصد ضبط انتقال الهدي عبر الاجتهاد من البسيط إلى المعقد من العلاقات والمجتمعات، ضبطا يقي الفقيه من الوقوع في الزلل الذي يشذ عن مقاصد الدين شذوذا بعيدا”[69] .
ذلك لأن القرآن الكريم صِيغ صياغة كلية في أغلبه، فحاط بذلك بكل المجتمعات، وإن تعددت وتطورت وتعقدت فهي تجد نفسها لا تزال تحت سقف القرآن. وكذلك السنة النبوية؛ فأغلب “معالجاتها التشريعية فجزئية تفصيلية، لها صلة بالمكان والزمان، فعالجت العلاقات الإنسانية في أبسط صورها”[70]،وبذلك تكون قد أحاطت بالمجتمعات من أسفل كما أحاط بها القرآن من أعلى.
ونستنتج من هذا كله النتائج التالية:
أ- وجوب الاهتداء بالقرآن والسنة معا دون الاستغناء عن أحدهما .
ب- أن الفعالية في التشريع وهدي المجتمعات تعود في أصلها إلى القرآن الكريم عبر كلياته المحيطة بكل شيء، وإلى السنة الشريفة عبر جزئياتها المفصلة لكل شيء. وهذا ما قرره ابن القيم “من أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، وهي وحدها كافية وافية بها”[71].والطريق إلى ذلك يتم عبر سلوك اجتهاد مزدوج الوظيفة، كما يجمع المتخصص بين الصيدلة والطب والمختبر.
- ثانيا:تنزيل الأحكام على الوقائع.
إن الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في القضاء أو الفتوى لا يستغنى عنه بالتقليد، بل هو فريضة في كل نازلة، لأن كل واقعة قضائية أو فتوية نازلة مستأنفة لم يسبق لها مثيل، فتحقيق المناط فيها متجدد لا ينضبط بمناط واحد، فلا يمكن التقليد فيها، يقول الشاطبي في هذا: “لا يمكن أن يستغنى ها هنا بالتقليد، لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد؛ لأن كل صورة من صور النازلة، نازلة مستأنفة في نفسها ولم يتقدم لها نظير، فلابد من النظر فيها بالاجتهاد”[72].
ويقول الدريني في بيان أهمية التطبيق على الوقائع: “من الواضح أن الاجتهاد في التطبيق أضحى لا يقل خطرا على الاجتهاد في الاستنباط الفقهي المجرد إن لم نقل؛ إن الأول أعظم خطرا، لأنه يتعلق بالثمرات الواقعية، والآثار العملية في حياة الأمة، وهي الغاية القصوى من التشريع كله”[73] .
فتنزيل الأحكام على الوقائع مما لا يتم الحكم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، “فالوقائع يتكرر نزولها، ولا يطابق بعضها بعضا بل تختلف عنها قليلا أو أكثر بحكم ما يحف بها عند وقوعها من علل دافعة، أو عوارض مانعة، أو ظرف زماني أو مكاني فلا يمكن التقليد فيها”[74]، فوجب الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في كل قضية تعرض على القاضي أو المفتي.
ولو فرضنا ارتفاع هذا الاجتهاد، لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن، لأنها مطلقات وعمومات، ولأن الأفعال تقع معينة مشخصة، وبهذا كان ضروري من هذا الاجتهاد في كل زمان، فالتكليف لا يحصل إلا به.
خلاصة:
بناء على ذكرنا سلفا، فإن فقه النوازل يشكل جزءا من فقه واقع التطبيق الذي يشمل تحقيق المناط في الفروع، وتحديد الواقعة إلى أي أصل تنتمي، وعلى أي أصل تقاس، وكيفية تخريج أحكامها. وكل ذلك جزء أصيل من فقه التنزيل المتعلق بفقه الواقع.
وإن تنزيل الأحكام على الوقائع أو تطبيق الأحكام الكلية على الواقعة بعد اكتمال الشروط الضرورية لذلك، مشروع في كل نازلة، بل هو واجب لتحقيق المناط بتعيين محل الحكم الشرعي الكلي وإيقاع الحكم على محله.
ولكمال الفهم في الموضوع وجب التطرق إلى فقه المآلات وتأثيره على تنزيل الأحكام، وهذا ما سنلاحظه في الحلقة العاشرة من هذه الدراسة بحول الله.
………يتبع………
[1]ينظر: لسان العرب، ابن منظور(مادة: حكم ). والقاموس المحيط، الفيروزأبادي، (مادة: حكم ).
[2]التعريفات، الجرجاني، ص :132.
[3] جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، القاضي عبد رب النبي الأحمد نكري، تحقيق وتعريب: حسن هاني فحص،2/50.
4 ينظر: الإحكام، الآمدي، 1/89. والبحر المحيط، الزركشي، 1/91. والمحصول، الرازي، 1/107. والإبهاج، البيضاوي، 1/43. وإرشاد الفحول، الشوكاني، 1/25.
[5] قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين، الحطاب، ص:13.
[6] الإجزاء عند الأصوليين مفهومه وأحكامه، دراسة أصولية تطبيقية، محمود عبد المنعم، ص:17
[7] روضة الناظر وجنة المناظر، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق عبد العزيز السعيد، 1/98.
[8] ينظر: مختصر التحرير شرح الكوكب المنير، تقي الدين محمد ابن النجار، تحقيق: وهبة الزحيلي ونزيه حماد،1/345.
[9] ينظر: الإحكام، الآمدي، 1/126. والمسودة في أصول الفقه، ابن تيمية، تحقيق: محيي الدين المدني، 1/32.
[10]أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم:7288.
[11] ينظر: الحكم الشرعي بين النقل والعقل، الغرياني، ص:23 وما بعدها.
[12]روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة المقدسي،1/98.
[13] الحكم الشرعي ، الصادق الغرياني، ص:29 .
[14] ينظر: فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:140.
[15] شرح الكوكب المنير، ابن النجار، 1/413.
[16] ” …فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا…” (النور؛33).
[17] ينظر: التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب، خليل بن اسحاق المالكي، 1/142.
[18] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 1/151 و3/326.
[19] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء). أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الجماعة والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة، رقم: 618.
[20] روضة الناظر وجُنة المناظر، ابن قدامة، 1/99.
[21] ويرى الحنفية والمالكية والشافعية، أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مجزئة. ينظر: تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، الزيلعي، 5/227.
[22] أصول الفقه، أبو زهرة، ص:40.
[23]المرجع السابق، ص:40
[24] ينظر: حاشية البناني على شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع لابن السبكي، 2/80.
[25] أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، رقم:1164.
[26] أخرجه البخاري عن المغيرة بن شعبة، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا}، البقرة:273، رقم:1419. ومسلم في كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، رقم:3340.
[27] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطلاق، رقم:2178، وابن ماجة في السنن، رقم:2178. قال ابن الملقن: إسناده صحيح، خلاصة البدر المنير،2/218. وهو مرسل.
[28]الموافقات، الشاطبي،3/190.
[29] روضة الناظر، ابن قدامى،1/99.
[30] الإحكام، الأمدي، 1/144.
[31] الموافقات، الشاطبي، 1/147.
[32] نهاية السول شرح منهاج الوصول، الإسنوي، ص:19.
[33] الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 1/73.
[34] فقد عد الإسنوي وابن الهمام وابن الحاجب الرخصة والعزيمة في الحكم التكليفي، ينظر: التمهيد، ص:12. ومختصر ابن الحاجب، 2/7. وحاشية التفتزاني عليه، 2/8.
أما الصحة والفساد فقد صرح ابن الحاجب وابن الهمام، بأن الحكم فيهما عقلي وليس شرعيا، ومن الأصوليين كالبيضاوي من أدرجها في الحكم التكليفي، ينظر: المنهاج مع شرح الإسنوي، 1/37. ومسلم الثبوت، 1/120.
[35] ينظر: الحكم الشرعي بين النقل والعقل، الغرياني، ص 48 وما بعدها.
[36] الإحكام لأصول الأحكام، الآمدي، 1/127.
[37] ينظر: الوجيز في أصول الفقه،عبد الكريم زيدان، ص:44.
[38]روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة، ص:30.
[39] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 1/260.
[40] ينظر: جمع الجوامع بحاشية البناني، 2/20، وتنقيح الفصول، القرافي، ص:82.
[41] ينظر للتفصيل: الحكم الشرعي بين العقل والنقل الغرياني، ص:54-55.
[42] شرح تنقيح الفصول، القرافي، ص:82.
[43] المصدر السابق، ص:82.
[44] ينظر: مختصر ابن الحاجب، ص:42، والإحكام، الآمدي، 1/120، 193، وأصول الفقه، أبو زهرة، ص:61.
[45] ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه، 1/249.
[46] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 1/20-23.
[47] ينظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي،1/82 وما بعدها. ومناهل العرفان، والزرقاني،1/109 وما بعدها.
[48] ينظر في الموضوع: “من فقه الأقليات المسلمة”لخالد عبد القادر.
[49] اقتصادنا، محمد باقر الصدر، ص:21.
[50]الحكم الشرعي، رشيد سلهاط، ص:131.
[51] الموافقات، الشاطبي،؛ 4/91.
[52] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 29/153.
[53] الموافقات، 3/78-79.
[54] ينظر: لسان العرب، ابن منظور(مادة: نزل). ومختار الصحاح، الرازي، والمصباح المنير، الفيومي، (مادة: نزل).
[55]دراسة فقهية في قضايا طبية معاصرة؛ المدخل إلى فقه النوازل، عبد الناصر أبو البصل، كتاب جماعي،2/ 632.
[56] مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، طاش كبرى زادة، 2/173.
[57] فقه التنزيل، وسيلة خلفي، ص:171.
[58]يقول الشيخ بكر أبو زيد في تعريف النوازل: “هي الوقائع والمسائل المستجدة، والحادثة المشهورة بلسان العصر باسم النظريات والظواهر” ينظر كتابه: فقه النوازل، 1/8.
[59]قال الشيخ سلمان العودة عن النوازل: “هي قضايا مستجدة يغلب على معظمها طابع العصر المتميز بالتعقيد والتشابك” ينظر كتابه: ضوابط الدراسات الفقهية، ص:89.
[60] ينظر: مدخل إلى فقه النوازل، عبد الحق حميش، ص:13.
[61]ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم،1/163. وعون المعبود وحاشية ابن القيم، محمد أشرف العظيم آبادي، 9/371.
[62]يقول ابن القيم: “وقد كان أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره. وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي صل الله عليه وسلم في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقالوا: لم يُرِد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس”. إعلام الموقعين، 1/193.
[63] ينظر: فقه النوازل وفقه الواقع- مقاربة الضوابط والشروط، الدكتور عبد المجيد قاسم، بحث محكم، نشر في بحوث مؤتمر: الفتوى واستشراف المستقبل، ليبيا، ص:463-471.
[64]إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/87.
[65] فقه النوازل في ضوء الكتاب والسنة، عبد العزيز ناصر الجليل، ص:9 – 10.
[66] ينظر للتفصيل: الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل، رشيد سلهاط، من ص: 203 إلى ص:214.
[67] يقول: “ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال، بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوى شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة ولا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليفة” المقدمة، ص:28.
[68] ينظر: في فقه التدين فهما وتنزيلا، عبد المجيد النجار، 2/87 وما بعدها.
[69]الحكم الشرعي،رشيد سلهاط، ص:231.
[70]مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص:94.
[71]إعلام الموقعين، ص:237.
[72]الموافقات، الشاطبي، 4/91-92.
[73] المناهج الأصولية، فتحي الدريني، ص:33.
[74]تنزيل الأحكام على الوقائع القضائية والفتوية في الفقه الإسلامي، الشيح عبد الله بن محمد بن خنين ، ص:7.