منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الثامنة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية

ذ. محمد الغالي

0

الحلقة الثامنة:

فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛

دراسة أصولية تطبيقية

ذ. محمد الغالي

مقومات فقه التنزيل

تمهيد:

سبق وأن أشرنا إلى أن الصياغة العملية للتنزيل والانتقال من طور التجريد إلى طور التجسيد، لكي يصبح الحكم الشرعي واقعا عمليا في سلوك الإنسان في عبادته ومعاملاته، لابد أن يمر بمرحلة الفهم أولا، ثم مرحلة التنزيل التي تقوم على ثلاث مقومات أساسية؛ وهي: النقل والوحي من الكتاب والسنة، ثم العقل وهو الاجتهاد البشري، ثم المحل وهو واقع تنزيل الحكم.

      ومن عادة الباحثين أن يفتتحوا بأركان الموضوع ومقوماته، لكني تعمدت أن أختم به هذا المبحث للربط بينها وبين فاتحة المبحث الأخير من هذا الفصل، والذي سيتناول مقاصد وضوابط فقه تنزيل الأحكام.

       وفقه التنزيل باعتباره وسيلة للاجتهاد التنزيلي لا يقوم إلا إذا توفرت فيه ثلاثة مقومات ضرورية تدور معه وجودا وعدما، وهي أسس تعمل على تحصين منهج فقه التنزيل واعتداله وضرورة ارتباطه بالوحي -القرآن والسنة- من جهة، وتقيده بالعقل الاجتهادي من جهة أخرى، دون إغفال المحل مع مراعاة قدر الاستطاعة عند المكلف. هي ثلاثة مقومات لا ينبغي الفصل بينها: الوحي والعقل والمحل.

 نفصلها مستقلة في المطالب التالية:

المطلب الأول: الوحي من مقومات التنزيل.

      إن كل قاعدة من قواعد الإسلام الشرعية، وكل خطوة من خطوات الحركة النبوية، كانت منبعثة من القرآن الكريم مؤسسة على تعاليمه، متبعة لتوجهاته، إما محددة جلية، وإما مشيرة هادية. وفي العهد النبوي لم يكن من يمثل التطبيق العملي الكامل، لما ينزل من السماء سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبصحبته ومعيته رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه أشداء على الكفار رحماء بينهم.

       ولن نقف ونكرر ما خطه علماؤنا الأجلاء في هذا الباب، بقدر ما سنبين بشيء من التفصيل كيف يكون الوحي مقوما من مقومات التنزيل وركنا أساسيا في ضبط هذا المنهج من الاعوجاج والميلان.

  • أولا: الوحي والفطرة.

        والفطرة هي النظام الذي أو جده الله في كل مخلوق[1]، ففطرة الإنسان هي ما فُطر عليه؛ أي خُلق عليه الإنسان ظاهرا وباطنا، أي جسدا وعقلا. وحديثنا هنا سيكون عن تكامل الوحي مع طبيعة الإنسان وفطرته الغريزية والنفسية، وكيف تعمل الشريعة بتعاليمها على وقاية الإنسان وحمايته من الشرود والخروج عن هذه الفطرة.

        إن القصد من تنزيل الأحكام هو ترشيد حركة الحياة الإنسانية، “فالنفس البشرية مدفوعة من داخلها لتحقيق حركة الحياة بغرائز لا تقوى على الفكاك من ضغوطاتها أو التملص من السير نحو الهدف الذي تدفع إليه (…) كغريزة الجوع؛ التي تقف وراء حركة الحياة الزراعية والتجارية والصناعية، وغريزة الجنس؛ التي تقف وراء حركة الحياة الاجتماعية بعلاقاتها المختلفة وعناصرها المتعددة(…) وغرائز ثانوية تتسع بها حركة الحياة كغريزة الخوف وما تقف وراءه من بناء وحصون وعتاد وجيوش، وقل مثل ذلك في سائر ما جُبلت عليه النفس الإنسانية من غرائز”[2].

         فهذه الغرائز التي تمد الحياة بالحركة لم تدخل في دائرة التكليف، لأن الإنسان أمامها مجبور على وجه الجملة، وقد تقرر في الشريعة أن لا تكليف إلا بما يطاق[3]،  قال تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” (البقرة؛286)، لذا يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: “فلا تواب ولا عقاب على الخواطر ولا على حديث النفس لغلبتها على الناس، كما أن كل صفة جبلية –حسنة كانت أو قبيحة- لا كسب للإنسان فيها فلا أجر عليها ولا وزر”[4]، فإن ظهر من الشارع بادئ الرأي القصد في التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد، فذلك راجع للتحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه كما يقول الشاطبي[5].

         ولكي نفهم كيف نستعين بفطرة الأشياء وطبيعتها على فهم النصوص وتنزيلها نعطي بعض الأمثلة على ذلك:

– مثال ذلك ما ورد في النصوص بشأن النكاح والزواج؛ حيث نجد الجمهور يقضون بأن النكاح مندوب إليه بناء على عدم تصريح هذه النصوص بوجوبه، وهذا لا يدل على عدم تأكد طلبه والقصد إليه من الشارع، بل لتأكد قصد الشارع إلى تحققه لم يدعه بإرادة  المكلف وحدها، بل وكله إلى داعي الطبع والغريزة ليحض على تحققه بضمان أكبر، فصار تأكيد الوحي عليه بعد ذلك غير ضروري، إنما ينصب توجيه الوحي على ضبط هذه الغريزة وتوجيه مسارها، لا على تحقيقها، فهي كفيلة بتحقيق نفسها بتعبير الطاهر ابن عاشور[6]. ومن ثمة فالحكم الشرعي في النكاح يتراوح بين الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم.

– ونأخذ مثالا أخر يدل على الاستعانة بفطرة الأشياء وطبيعتها على الاجتهاد في تنزيل ما لا نص فيه من الوقائع، فقد ذكر ابن كثير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل ابنته حفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فأجابته أن: ستة أشهر أو أربعة أشهر. قال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك[7]. فهو اهتدى إلى استنباط هذا الحكم وتنزيله من خلال طبيعة المرأة، فهو منهج فطري في التشريع الإسلامي.

         والغفلة عن تكامل الوحي والفطرة في التشريع الإسلامي يجعل المجتهد خارج مقاصد التنزيل، كالقول بوقوع التحريم برضاع الكبير انطلاقا من قوله تعالى: “وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة” (النساء؛23)، فالآية تتحدث عن الرضاع الفطري الطبيعي والذي يكون في المراحل الأولى من الحياة، أما أن نُدرج في ذلك رضاع الكبير لعموم اللفظ فهذا يخالف الفطرة ويخالف مقاصد الوحي[8].

       وبهذه الغفلة أيضا أوقعت جملة من أهل العلم في ترك بعض الأحكام بحجة مخالفتها للقياس، ورد عليهم، تصويبا، الإمام ابن القيم الجوزية بقوله: “فهذا أيضا من كمال الشريعة، ومطابقتها للعقول والفطر، وقيامها بالمصالح، فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرة عنه ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد، لأن الوازع الطبعي كاف في المنع عنه، أما ما يشتد تقاضي الطباع له فإن غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له”[9].

         وأحكام الشريعة الإسلامية كما فيها إلزام للسلوك الظاهر الذي تقوم به الجوارح أن يكون السلوك الأمثل، “فيه إلزام للأحول النفسية لأن تكون على الحال الأحسن، فلأن السلوك تعبير عن هذه الأحوال أو ترويض للنفس عليها”[10]. لذلك نجد الشرع حرم الربا، لأنها زحزحة للنفس عن الفطرة، ولأن “التعامل بالربا يكمن في حاجة الطرف الضعيف إلى هذا التعامل، فهذا تحول من الرحمة والشفقة إلى مظاهر الجشع والاستغلال، وهو انحراف عن الفطرة، ولهذا كان أمره تعالى بالصدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقين، ولهذا جمع بينهما في قوله: “يمحق الله الربا ويربي الصدقات” (البقرة؛275). والأمثلة على هذا كثيرة لا يتسع المقال لجردها.

  • ثانيا: طرق استثمار الأحكام من القرآن الكريم وتنزيلها.

        إن مدار الاستثمار الصحيح يقوم على الفهم السليم للنص قبل تنزيله على الواقع أو المحل، “لذلك أولى العلماء بمختلف مشاربهم للفظ القرآني عناية فائقة واهتماما بالغا، كان الغرض منهما بلوغ درجة الدقة في فهم مضامينه وأحكامه”[11] .

        فالقرآن الكريم “هو العلم، وهو المنهاج، وهو البرنامج، وهو النور الهادي إلى صراط الله، وهو الفهم، وهو الحياة، هو الخطاب وهو المعرفة، وهو الحق، فالفهم عن الله لا يتم إلا بإتقان لغة القرآن”[12]، بالحفظ والمدارسة والتعهد بالليل والنهار.

      لذلك وضع العلماء قواعد لاستثمار الأحكام الشرعية، ولا يجوز لغير المتمكن من هذه الطرق أن يقول في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دون إلمام بها. وهذه الطرق تقوم على ثلاثة أمور هامة كما قرر ذلك العلماء[13]:

 الأول: القواعد الأصولية اللغوية،

الثاني: مقاصد التشريع العامة،

الثالث: معرفة الناسخ والمنسوخ والتعارض والترجيح.

       إن فهم وإتقان لغة القرآن، هي الآلة والوسيلة لفهم ما أنزل علينا بلسان عربي مبين. فلا بيان إلا بها، أي لا وضوح، وهي “خاصية لا تتوفر لأي لسان في الأرض، للتعبير عن مراد الله سبحانه في كتابه إلى الناس، كما أراد لكلامه أن يكون مبينا. فالبيان هنا مستخدم بالمعنى الأخص الذي يعبر عن القمة التي بلغتها اللغة في أداء مراد الله سبحانه، وهي قمة لم تبلغها أي لغة، في أي كلام أو فن من فنون الإنسانية : نثرًا أو شعرًا”[14]، ولذلك استحقت هذه اللغة أن تكون حاملة للإيمان مع القرآن ومتحدثة باسمه.

         ولما كان الكنز المودع في اللغة هو كتاب الله وسنة رسوله، وبما أنه لا يصلح لتوضيح الجادة البيضاء إلا لغة القرآن، “فإننا سنبقى صُمًا عن معنى ديننا إن لم نتقن لغة القرآن، بُكمًا عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رطانة الأعْجام على اللسان العربي المبين، ذلك أن لغة القرآن الحاملة لدعوة الإيمان، ستبقى اللغة الوحيدة القادرة على حمل رسالة الله إلى الإنسان”[15]، قال ابن تيمية: “إن نفس اللغة العربية من الدين”[16]، وقال الرافعي: “بلاغة القرآن وجزالته بمنزلة القطب من الرحى”[17]، ويؤكد أن “في العربية سرا خالدا هو هذا الكتاب المبين (القرآن) إذ هي لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم”[18].

        وبناء عليه، فمن يريد استنباط الأحكام و استثمارها و فهم القرآن و تنزيل مقاصده، فعليه أن يكون عارفا بالنحو، بصيرا بأساليب اللغة. فاقتران النحو و الفقه قرانا لا انفصام فيه، فالفقيه الذي يسعى إلى حصول العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية لابد له من فهم معاني ومقاصد النصوص الشرعية.

        ولذلك ذكر أبو نعيم الحافظ في كتابه رياضة المتعلمين؛ مراتب أنواع العلوم وما ينبغي أن يقدم تعلمه منها، فذكر الفقه، وأورد عليه ما أورد، ثم قال: “ثم يتلو الفقه من العلوم علم العربية والنحو، لأنه آلة لجميع العلوم، لا يجد منه بدا، ليقيم به تلاوة كتاب الله، ورواية كلام رسول الله، لكي لا يخرجه جدل الإعراب إلى إسقاط المعاني”[19].

         وأكد هذا الإمام السيوطي بقوله: “اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرض كفاية، لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع، ومعرفة الأحكام بدون أدلتها يستحيل، والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة، وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم. فإذا توقفت الأحكام الشرعية على الأدلة ومعرفة الأدلة، تتوقف على معرفة اللغة والنحو والتصريف. ومما يستوقف عليه الواجب المطلق وهو مقدور المكلف واجب، إذا معرفة اللغة والنحو والتصريف واجب”[20].

      ووقوفنا على اللغة العربية دون غيرها من طرق الاستثمار التي ذكرها علماء الأصول، باعتبارها -أعني علوم العربية- هي القاسم المشترك بين هذه الطرق كلها، ولأنها من العلوم الأساسية التي يتوقف عليها الفهم السليم، والاستنباط الأمثل، والاستثمار والتنزيل الصائب الموافق لمقاصد الشريعة.

         ويؤكد هذا قول الآمدي: “وأما علم العربية؛ فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية  من الكتاب والسنة، و أقوال أهل الحل و العقد من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة و المجاز و العموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد و الحذف و الإضمار و المنطوق و المفهوم و الاقتضاء و الإشارة و التنبيه و الإيماء و غيره، مما لا يعرف في غير علم العربية”[21].

         وخلاصة القول أن معرفة اللغة العربية بنحوها وصرفها، أمر لابد منه للمجتهد والفقيه وكل من أراد تنزيل الأحكام بعد استنباطها واستثمارها من القرآن الكريم والسنة النبوية باعتبارهما مقومان أساسيان في الاجتهاد التنزيلي.

  • ثالثا: ضوابط فهم السنة وتنزيلها.

         تعتبر السنة الشريفة الركن الثاني في الوحي والمصدر الثاني في التشريع[22]، فهي راجعة في معناها إلى القرآن الكريم، مفصلة لمجمله، مبينة لمشكله، باسطة لمختصره، ومقيدة لمطلقه. ولهذا فنحن مطالبين بحسن فهمها، وتنزيلها تنزيلا يتفق مع مقاصد الشريعة، وتفادي الفهم الناقص والمتناقض والتبسيطي الذي يهدم الكليات بالجزئيات وينقض القطعيات وينفيها بالظنيات، وهذا لا يتم إلا بالضوابط التالية:

  • تحري الصحيح والحسن من السنة:

         وهذا الضابط متعلق بالتحقيق في السند، وهو من الأهداف الكبرى لعلوم الحديث، وباعتبار الصحيح والحسن هما مظنة الاحتجاج عند العلماء، وهذا ما دفعهم إلى التحقيق في السند وعَدوه من الدين.

  • فهم السنة على ضوء القرآن الكريم:

         لأن السنة هي البيان النظري والتطبيق العملي للقرآن الكريم، ولهذا لا يمكن أن توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكم من القرآن الكريم.

  • جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد:

          وهو ضابط يجعل المجتهد يتفادى التسرع في إصدار الأحكام، لأنه قد يكون الحديث منسوخا بحديث آخر، وقد يكون عاما وخصصه حديث آخر، وقد يكون مطلقا وقيده آخر، وهكذا فإن لم يجمع الأحاديث بعضها إلى بعض لن يعرف الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص من السنة.

        وخير مثال ما رواه مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يصيب من المرأة ثم يكسل -لم ينزل- فقال: “يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ”[23]، فهذا حديث منسوخ بحديث أبي رابع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل”[24]، ودليله ما رواه أبو داود في سننه أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام، لقلة الثبات، ثم أمرنا بالغسل ونهى عن ذلك[25].

  • فهم الأحاديث في ضوء مقاصدها:

         لأن فهم الأحاديث فهما ظاهريا يناقض كليات الشريعة ويدخل الحرج على الناس، ومثال ذلك الحديث الذي ظاهره النهي عن إسبال الإزار (وهو ما يحتزم به، ولم تكن العرب تعرف السراويل)، وكيف اتخذه بعض المتعلمين سيفا قاطعا ضد المسلمين خصوصا في المساجد مع المصلين، لأنهم لم يفهموا قصد الشارع من ذلك النهي؛ فقد روى البخاري في “باب من جر إزاره من غير خيلاء” من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: “من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، قال: أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لست ممن يصنعه خيلاء “[26] ، فمظنة التحريم والنهي في الحديث هي: الخيلاء والكبر يا من ضيقتم على الناس واسع دينهم.

  • التعريف بين الحقيقة والمجاز و سائر أنواع البيان:

          وهو ضابط يرجع إلى التمكن من اللغة العربية –كما سبق معنا في طرق استثمار الأحكام من القرآن الكريم- ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بالبليغ والفصيح من اللغة، فجرى كلامه مجرى المعهود عند العرب، فنجده متضمنا للمجاز والحقيقة والكناية والتصريح والتشبيه والاستعارة وكل أنواع البيان العربي. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه و سلم لنسائه من أمهات المؤمنين: “أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدا”، فحملنه-رضي الله عنهن- على طول اليد الحقيقي المعهود، قالت عائشة : فكن يتطاولن، أيتهن أطول يد؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد ذلك إنما قصد طول اليد في الخير، و بذل المعروف، وهذا ما صدقه الواقع، فكانت أول نسائه لحوقا به هي زينب بنت جحش، كانت امرأة تعمل بيدها و تتصدق[27].

  • التمييز بين أنواع تصرفات الرسول صلى الله عليه و سلم:

         فهو صاحب الشريعة و هو المكلف بالتبليغ، فقد تصرف من أجل ذلك بالقول والفعل والتقرير، وقد تنوعت تصرفاته صلى الله عليه وسلم بأوصاف متعددة، ولكل صنف منها أحكامه الخاصة وأثاره التشريعية، ومنها:

  • التصرفات النبوية الجبلية[28]:

 وهي تصرفات صادرة عن أصل الخلقة، أي لا يخلو ذو الروح عن جميعها، كالقيام والقعود والسكون والحركة والأكل والشرب، فهذا النمط من التصرفات النبوية لا قربة فيه وغير متعبدين به، وأنه على الإباحة بالنسبة لأمته[29].

 ب- التصرفات النبوية البشرية الدنيوية:

       وهي التصرفات التي اجتهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، دون الاستناد فيها على الوحي، كالحيلة في الحروب، وتدبير الفلاحة وأسباب الحياة وطرق البناء…[30]، فهذا التصرف لا يفيد تشريعا يجب إتباعه وإنما هي تصرفات نبوية صادرة على تجربة بشرية كرأيه في تأبير النخل مثلا[31].

ج- التصرفات النبوية الخاصة:

        وهي تصرفات نبوية خاصة لا يشاركه فيها أحد “كاختصاصه بوجوب الضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه، وكاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم، والاستبداد بخمس الخمس، ودخول مكة بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة، إلى غير ذلك من خصائصه”[32].غير أن بعضا من هذه الأمور يكون مندوبا في حق الأمة كالضحى والوتر والتهجد.

د- تصرفات الرسول صلى الله عليه سلم التشريعية وتقريراته:

        وهذا النوع هو معظم السنة الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التصرفات التي ميز فيها العلماء بين الأقوال و الأفعال و التقريرات[33].

  • فالأقوال ألحقوها بكلام الله تعالى من حيث كيفية استنباط الأحكام، فما كان أمرا أعطي دلالة الأمر، و ما كان نهيا أعطي دلالة النهي و هكذا.
  • أما الأفعال، فالمقرر عند الأصوليين أن ما عرف كون فعله بيانا لنا فهو دليل من غير خلاف، إما بصريح المقال[34]، أو بقرائن الأحوال[35].
  • وأما التقريرات فهي فعل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو في عصره، وهو عالم به، قادر على إنكاره، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه، وهو دليل على مشروعيته.

المطلب الثاني: العقل مقوم ضروري لتنزيل مقتضيات الوحي على الواقع.

لقد تبين من خلال ما تعرضنا له في الفقرة الماضية أن القرآن والسنة -الوحي- مقومان أساسيان في بناء فقه التنزيل، وأن الواجب على المجتهدين وعموم المسلمين أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة الصحيحة من حيث الأخذ بهما كليهما في الاجتهاد التنزيلي. إلا أن ذلك لا ينفي الإقرار بقيمة وأهمية العقل باعتباره أسّ المسؤولية ومناط التكليف وأداة فهم النص وسبر أغواره وتنزيل أحكامه. ذلك لأن للعقل وظيفتين في علاقته بالوحي والواقع؛ وظيفة الفهم، ووظيفة التنزيل. وقد سبق أن فصلنا القول في وظيفة الفهم في محلها من فقه النص، أما الآن فنقف مع  وظيفة العقل  التنزيلية، وقبل ذلك، من باب المنهجية، نعرج على مفهوم العقل، وأي نوع من العقل نريد؟.

  • أولا: أي عقل نريد؟

        العقل عقلان؛ عقل موصول بالعالم المادي فحسب وبالدنيا ومشاغلها، ويقصي كل ما يمكن أن يتجاوز الماديات والمرئيات. وعقل موصول بالأصول وهي القرآن والسنة النبوية، “ويطلق على الأول العقل المعاشي في حين يطلق على الثاني العقل القرآني أو العقل المؤمن”[36].

      وعبارة العقل في القرآن الكريم لها صلة متينة بالقلب، ولذلك فإطلاق إسم العقل المعاشي المشترك بين البشر، قد يكون آلة للقلب يخدم تطلعاته إلى خالقه، و قد يكون آلة للهوس و الشهوات.

      وللدكتور طه عبد الرحمان تقسيم آخر مشابه، فهو يقدم العقل بثلاثة صفات، العقل المجرد، و العقل المسدد، و العقل المؤيد؛

  • فالعقل المُجرد: “عبارة عن الفعل الذي يطلع به صاحبه على وجه من وجوه شيء ما، معتقدا في صدق هذا الفعل، ومستندا في هذا التصديق إلى دليل معين”[37]، و يكون العقل عنده بهذا المعنى محدود، و يقع في نزعة تشييئية و تجزيئية.
  • أما العقل المُسدّد: فهو “عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة، متوسلا في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع”[38]. و قد يقع –في نظره – في آفات التظاهر و التقليد و التجريد.
  • و أما العقل المؤيد: فهو “عبارة عن الفعل الذي يطلب صاحبه معرفة أعيان الأشياء بطريق النزول في مراتب الاشتغال الشرعي، مؤديا النوافل، زيادة على إقامة الفرائض على الوجه الأكمل”[39]. وهذا في نظره هو العقل الكامل المتصف بالتبعية و الإخلاص.

 ومن قبل اعتبر الغزالي[40] العقل منبع العلم وأساسه، والعلم يجري منه مجرى الثمرة والنور من الشمس والرؤية من العين.

       فالعقل المقصود هنا، هو العقل الذي ذكره القرآن الكريم، و المرتبط بالوحي، فمادة “قلب” ذكرت في القرآن الكريم أكثر من مائة و ثلاثين(130) مرة؛ ما منها لفظة تنصرف للعضلة الصنوبرية اللحمية.  وذكرت في القرآن مادة “العقل” خمسين (50) مرة؛ ما منها لفظة تدل على الآلة المشتركة، و ذكرت مادة فقه عشرين(20) مرة، و مادة “فكر” ثمان عشرة(18) مرة، كل ذلك دلالة على الوظيفة القلبية الإيمانية، فيقترن ذكر العقل في القرآن بذكر القلب[41]، قال تعالى:”أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها” (الحج؛45)، يقول الإمام الشوكاني ومعنى (فتكون لهم قلوب يعقلون بها): “أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه، وأسند التعقل إلى القلوب، لأنها محل العقل”[42]. فالقلب المؤمن هو الذي يعقل عن الله، فالعقل المقصود إذن هو العقل المرتبط بالوحي والمتتلمذ عليه والذي يخدم مقاصد الشريعة ويتجاوز الهوى والأنانية، فهو شريط النقل في التنزيل، يقول ابن تيمية:” طرق العلم ثلاثة؛ منها ما لا يعلم إلا بالأدلة العقلية، وأحسن الأدلة العقلية التي بيَّنَها القرآن، وأخرى سمعية ومشتركة”[43].

  • ثانيا: العقل تابع للشرع.

         نعم، إن الشارع أوجب على العقل النظر والتفكر، ولكن بضوابط عاصمة له من الخطأ والزلل، فإطلاقه بدون هذه الضوابط الشرعية قد تعود على الإنسان بالضرر، ويتناقض مقصد الشرع، ولربما يبطل النص أو يعطله كما ظهر مع الباطنية والصوفية.

        وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المجتهد معرض للخطأ في اجتهاده، وأنه لا يملك العصمة، فقال: “من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد”[44]، فالمرجع في معرفة الصواب من الخطأ هو الوحي بنصوصه وقواعده ومقاصده، وبهذا يكون العقل تابعا لحكم الشرع في تحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة.

       وقد أكد الشاطبي هذه الحقيقة فقال: “فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل”[45]، لكن يبقى العقل تابعا للنقل على الدوام، حتى إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، “فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا، والعقل تابعا”[46].

  • ثالثا: تكامل العقل والنقل ودرء التعارض بينهما.

الوحي -النقل- أمر الله تعالى، والعقل خلقه سبحانه، فبدهي أن لا تعارض بين خلقه وأمره عز وجل، فالعاقل لا يقيم تعارضا بين الوحي المحكم وبين العقل المبرم، وعليه فإن “الواجب اعتقاد أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة؛ إذ العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالا وتفصيلا”[47].

وظهور التوافق والتكامل بين النصوص ومقررات العقول يكون على أوجه ثلاثة:

  • الوجه الأول: ورود النصوص مقررة حقا قررته الطباع قبلها، واستوعبته العقول فهما لحكمه وأبعاده، فمعظم ما تحث عليه الطبائع قد حثت عليه الشرائع، “لأن الله سبحانه وتعالى قد فطر عباده على معرفة معظم المصالح الدنيوية ليحصلوها، و على معرفة معظم المفاسد ليتركوها، و لو استقرئ ذلك لم يخرج عما ركزه الله في الطباع من ذلك إلى اليسير القليل”[48].
  • الوجه الثاني: ورود النص مقررا حكما لا تطال حكمته العقول بالإدراك، ومثل هذا يدرجه الأصوليون ضمن حقوق الله تعالى، وأصله التعبد، والتعبد راع إلى عدم معقولية المعنى إذ ليس للعبد أن يتصرف فيها بالتحوير أو الإسقاط لفقدان سببه، وهو إدراك الحكمة التي اقتضته. وهذا الذي ينبه عليه الفقهاء بقولهم: عبادة غير معلله[49].
  • الوجه الثالث: ورود نص مقرر حكما تفقه العقول حكمته على وجه الجملة لا على وجه التفصيل، فهو إدراك نسبي، ومثل هذا يدرج ضمن ما اجتمع فيه الحقان، حق الله وحق العبد، فيأتي الوحي مقررا حق العبد فيه من جهة، وهو الجانب الذي تطاله العقول بالإدراك، “ومن جهة أخرى فالعقل يدرك حقه بحدوده ولا يتجاوزه إلا على سبيل التعدي”[50].

       فإذا وُجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح، أو يكون صحيحا ليس فيه دلالة صحيحة على المدَّعَى، وإما أن يكون العقل فاسدا بفساد مقدماته[51]. ويحسم ذلك ابن تيمية بأن: “الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح العقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه”[52].

 وهذا ما عليه الصحابة والتابعين و يعتقده أهل السنة جميعا.

  • رابعا: العقل وأهميته في التنزيل:

        إن وظيفة العقل في التنزيل تهدف جعل المراد الإلهي الذي تحصلت صورته في الذهن قيما على أفعال الناس الواقعة بحيث تصبح جارية على مقتضاه في الأمر و النهي.

        فوظيفة العقل تتعلق بالوصل بين الوحي و الواقع-المحل- “على معنى تبين المسالك والكيفيات التي يأخذ بها الوحي مجراه نحو الوقوع، ويأخذ بها الواقع مجراه نحو التكليف بإلزامات الوحي”[53].

        وهذا ما عبرنا عنه  بالاجتهاد التنزيلي، والذي عبر عنه، بالمعنى، الإمام الشاطبي بتحقيق المناط الذي لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف، وذلك عند قيام الساعة، وهو يحتاج إلى فقه منهجي سميناه بفقه التنزيل الذي يتكامل مع الفقه الذي يكون به الفهم، أي فقه النص، وهما مختلفان في الطبيعة لاختلاف الخصوصيات بين الفهم والتنزيل؛ “من حيث إن الفهم تكون فيه العلاقة الأساسية بين العقل والوحي، في حين تكون العلاقة في التنزيل بين العقل وواقع الحياة على أساس من مقاصد الوحي:[54].

          وهذه العلاقة ينبغي أن تحكمها ضوابط بالغة الدقة، لأنها شديدة الأهمية، إذ أن الأحكام التي جاء بها الوحي وعقلها العقل، أحكام عامة تنصرف إلى أجناس الأفعال، وهي “في واقع الحياة على درجة كبيرة من التعقيد و التداخل من حيث أسبابها و نتائجها و ظروف فاعليها و مقاصدهم”[55].

          فإذا قلنا أن الخطأ في الفهم يؤثر سلبا على النتائج، فالأخطر منها الخطأ في تنزيل الحكم بطريقة لم تتوفر فيها شروط التنزيل، مما قد يسبب عواقب وخيمة و أضرارا بالمكلف، مع ما ينتج عن ذلك مخالفة لمقاصد الشرع، و هنا يكمن دور العقل و أهميته في تنزيل الحكم.

         وإذا كان العقل هو الرابط بين الوحي و الواقع، فإن هذا الأخير يعتبر ثالث مقوم من مقومات التنزيل و قد عبرنا عليه بمفهوم “المحل”. 

المطلب الثالث: المحل: المقوم الثالث للتنزيل.

         تظهر محورية المحل في التنزيل، لأن الخطاب الشرعي يفقد إمكانية التنزيل بفقدان المحل سواء كان فاعلا أو مفعولا به، وقبل أن نبين ذلك وجب التنبيه أن محور هذه العملية كلها هو الإنسان[56].

  • أولا: الإنسان هو القضية.

         يقول الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله: “الإنسان إذن هو القضية ! وهو مجال الاستثمار الرئيس للدين. وقضيتُه الكبرى دائرة بين أمرين اثنين: إما أن يكون عبدا لله، وإما أن يكون متمردا عليه، جل علاه! سواء في ذلك إيمانه وعقيدته، أو عبادته وكسبه، أو تشريعه وقوانينه، أو علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية(…) ذلك هو المنهاج الفطري الذي جاء به القرآن، واشتغل به الرسل والأنبياء، ومن سار على نهجهم من العلماء العاملين والحكماء الربانين”[57].

         فالإنسان، جسما وروحا، قلبا وعقلا، وعملا في الدنيا، ومصيرا في الآخرة هو محور الأمر كله. فالتنزيل هدفه الاهتمام بنفس الإنسان، يقاوم جموحها، وينزلها مقامها أمام الخالق سبحانه بالانقياد لأوامره ونواهيه، والانكباب على تحقيق الغاية من وجوده التي هي: عبادة الله. “فشرف الإنسان وكرامته وحريته تأتي من كونه مخلوقا سماويا بروحه، يثقله الجسم الأرضي بحاجاته، وظروفه الحيوية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، عن الصعود من سجنه الأرضي إلى سعادة الأبد. فيريد له الإسلام أن تعبد له الطريق، وتوفر له وسائل رحلة ناجحة، فيما بين نقطة ميلاده ولحظة موته، من حيوانيته لروحانيته، من غفلته عن الله عز وجل لذكره، من كبده في الدنيا لارتياحه بلقاء ربه وهو عنه راض”[58].

  • ثانيا: المحل المناط به الحكم الشرعي في التنزيل.

        فالحكم الشرعي لابد له من متعَلَّقٍ ليتم التنزيل عليه، لكي لا يصبح هذا الحكم مجرد معرفة ذهنية لا علاقة لها بواقع المكلف. “ولا يتنزل الحكم إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد”[59]، ويفيد قول الشاطبي هذا أن الحكم لابد له أن ينزل على محَلّه بالذات، وإلا فاتت المصلحة التي كان الحكم وسيلة إليها.

        ويعرف المحل بأنه ما أضيف الحكم إليه، والحكم إما أن يضاف إلى تصرفات المكلف كقوله تعالى: “كتب عليكم الصيام“(البقرة؛183)، وإما أن يضاف إلى الأعيان كقوله تعالى:”حرمت عليكم الميتة” (المائدة؛3)، وقوله تعالى:”حرمت عليكم أمهاتكم” (النساء؛23). ففي النوع الأول تكون مناطات الأحكام هي تصرفات المكلف، أما النوع الثاني حيث أضيف الحكم إلى العين فهذا إطلاق عرفي موضوع “للتعبير به عن تحريم الأفعال المضافة لتلك الذوات، وليس كل الأفعال، بل فعل خاص مناسب لتلك الذوات”[60].

        والمناسب من الأفعال المحرمة في المثالين السابقين هو الأكل للميتة، والنكاح للأمهات. فيصير القسم الثاني راجعا إلى الأول بهذا الاعتبار، ولذلك قالوا: “إن مناطات الأحكام هي تصرفات المكلفين”[61].

       وإذا كان المحل المناط به الحكم الشرعي في التنزيل عموما هو تصرفات المكلفين، فإن المحل المناط به حكم الحاكم، هو ما كان من تصرفات المكلفين متعلقا بنظر الإمام، وحكمه وتنفيذه، أو كان متعلقا بأمور الحكم ورعاية مصالح المسلمين.

       ومثال الأول ما جاء في باب الزواجر الشرعية من حدود وتعازير، وجملة هذه الأحكام موزعة على أبواب الفقه[62]؛ كقتل تارك الصلاة، وفسخ بيع آلات اللهو …وغيرها.

       ومن الثاني ما كان راجعا إلى نصب الولايات؛ كولاية القضاء، والحسبة والجهاد، وعزل الضعفاء، ومكافحة الأعداء، ووضع الجزية والخراج وتصريف الأموال[63] وغيرها، وما كان من جنسها مما يتعلق بها فقه التنزيل في هذا المقام .

        وكذلك حكم القاضي فهو مُناط بكل واقعة معروضة، ونظره في المقضي له والمقضي عليه قائم على تعيين المدعي من المدعى عليه، وحكم كل واحد منهما معلوم بقوله صلى الله عليه وسلم: “البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه”[64].

       ولكن تنزيل هذا الحكم على مختلف الدعاوى يفتقر إلى نظر وبذل جهد في تحديد كل منهما، حتى قيل “إن علم القضاء قائم على معرفة المدعي من المدعى عليه”[65].

       أما المقضي فيه فهو كل ما تعلق بحقوق الناس من المنازعات في الأصول كالوصايا والأحباس، والميراث، أو في العقود كالبيوع، والإجازات والأنكحة، وكانت المنازعة في “حادثة ودعوى صحيحة”[66]، وهذا يتطلب فقها زائدا عن العلم بالحكم الشرعي مطلقا، لأنه علم بالحكم وفهم للواقعة وتنزيل صحيح للحكم الكلي على الواقعة الجزئية.

       وما قلناه عن القاضي والإمام الحاكم نقوله عن المفتي وما يعرض عليه من مسائل وهي مختلفة باختلاف الزمان والمكان والأشخاص.

       ولما كان المستفتي مقلدا لمن يفتيه، قسَّم العلماء الأحكام إلى عقلية وشرعية:

  • أما العقلية: كمعرفة الصانع سبحانه وتعالى وصفاته، ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه، وغيرها من المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد فلا يجوز فيها التقليد[67]. وذلك لاشتراك الناس في العقل.
  • وأما الشرعية فهي نوعان: الأول: ما علم ضرورة من دين الله بالدليل القطعي، فلا يجوز فيها التقليد لاشتراك الناس في إدراك الدليل، كوجوب الصلاة، وحرمة الخمر…

           والثاني: ما علم بالنظر والاستدلال، وهي مسائل الاجتهاد، فهذه يسوغ فيها التقليد[68]، لقوله تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” (النحل؛43).

       والمراد بيانه في هذا الموضع هو ما كان من هذه المسائل متعلقا بحكم المفتي، بحيث يتوقف التزام الحكم الشرعي على فتواه، ليصحّ اعتباره منزلا للأحكام الشرعية على محل معين متعلقا به[69].

       وقد سبق أن المحل المناط به التنزيل عموما هو تصرفات المكلفين، وكل ما صدر من المكلف، قولا أو فعلا، ولم يكن منصوصا عليه أو مجمعا على حكمه، واحتاج إلى النظر والاستدلال لمعرفة حكمه الشرعي، كان محلا لاجتهاد المفتي في تنزيل الحكم المتعلق به.

      ومن التصرفات ما يكون منها محلا مشتركا، يدخله حكم المفتي، وحكم القاضي، وحكم الحاكم؛ مثال: مسألة اشتراط الولي في عقد الزواج، فقد تأتي فتوى المفتي بأن الولي شرط في عقد الزواج، و قد يحكم القاضي بفسخ عقد الزواج لأنه لم يحضره الولي، و قد ينشئ الإمام حكما في البلاد ينص على لزوم الولي في عقد الزواج[70]، فيكون المحل الواحد متعلقا بتنزيل الإمام و القاضي و المفتي، و المكلف نفسه يجتهد في تحقيق مناط الحكم عندما يكون محل هذا الحكم هو تصرفاته القولية منها والفعلية، لأنه الأعلم بحقيقة ما صدر عنه.

      فتنزيل الأحكام الشرعية حسب المحل تكون؛ إما تنزيل تطبيق مع الإمام، أو تنزيل إنشاء مع القاضي، أو تنزيل إخبار وإظهار مع المفتي، وإما تنزيل امتثال مع المكلف.

      هكذا نكون قد أمعنا النظر في المقومات الثلاث لفقه تنزيل الأحكام على الوقائع؛ (الوحي، و العقل، و المحل ) والتي رأينا أنها تمثل ركن وأساس كل اجتهاد تنزيلي.

يبقى السؤال المطروح من هذا المجال هو:

ما هي علاقة الحكم الشرعي المراد تنزيله بفقه النوازل والوقائع؟؟

ذاك ما سنراه في الحلقة المقبلة إنشاء الله تعالى.

يتبع…


[1]يقول الطاهر ابن عاشور: “فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية، فمحاولة أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية، والجزم بأن ما نشهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية”. مقاصد الشريعة الإسلامية، ص:875..

[2] الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل، رشيد سلهاط، ص:158- 159.

[3] ينظر: الإحكام، الآمدي،1/192. وإرشاد فحول، الشوكاني، 1/135. وأصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، ص:8.

[4] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/117- 118.

[5] ينظر: الموافقات، 2/73.

[6] ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص:79.

[7]سبق تخريجه. وقد ذكره ابن كثير في التفسير، 1/288، وابن حجر في التلخيص الحبير، 4/1264، قال النخشبي: حسن، غير أنه مرسل، تخريج الحنائيات، 2/1274.

[8] اعتمد الظاهرية في رضاع الكبير الحديث الوارد في ذلك عند مسلم عن زينب أم سلمة قالت: “قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ قالت: إن امرأة حذيفة قالت: يا رسول الله ! إن سالما –مولى أبي حذيفة- يدخل علي وهو رجل، وفي نفسي أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى يدخل عليك”.

     وفي رواية عن زينب بنت أبي سلمة: أن أمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة ، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا”. صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب رضاع الكبير، رقم: 1453.

[9]إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/84.

[10] الحكم الشرعي، رشيد سلهاط، ص:168.

[11] القرآن الكريم والعقل الفقهي –دراسة في اشتغال الدلالة اللغوية- عزالدين سليماني، ص:78.

[12] لغة القرآن الكريم، الصادق الرمبوق، ص:50.

[13] ينظر للتفصيل: طرق استنباط الأحكام من القرآن، عجيل جاسم النميشي، ص:21.

[14] عربية القرآن، عبد الصبور شامين، ص:15 .

[15] لغة القرآن الكريم، الصادق الرمبوق، ص:50.

[16] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، ابن تيمية، 1/528.

[17] تحت راية القرآن، المعركة بين القديم والجديد، مصطفى صادق الرافعي، ص:29.

[18]المرجع السابق، ص: 16 وص:39.

[19] الصعقة الغضبية، نجم الدين الطوخي، ص:241.

[20] الاقتراح، السيوطي، ص:78.

[21] الإحكام، الآمدي، 1/8. وينظر: البحر المحيط، الزركشي، 2/228.

[22] تجدر الإشارة هنا إلى أهمية التفرقة بين ما يعد من السنة تشريعا عاما ملزما للمسلمين في كل مصر وعصر، وما يعد تشريعا وقتيا أو زمنيا كتلك التي وردت في التفصيلات أو الجزئيات أو التنظيميات أو التطبيقات لمبدأ معين أو لقاعدة كلية فإنها لا تعد تشريعا عاما، وإنما هي تشريعات أو أحكاما يراعى فيها حال البيئة الخاصة بزمن التشريع. ينظر: في الفقه  السياسي الإسلامي – الشورى- العدل- المساواة- مبادئ دستورية، فريد عبد الخالق، ص11.

[23]أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب غسل ما يصيب من فرج المرأة، رقم:293. ومسلم في الصحيح، كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، رقم:346.

[24] أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب إلى التقى الختانان، رقم:291. ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب نسخ الماء بالماء، رقم:348

[25]  ينظر: صحيح أبي داود، الألباني، رقم:214. وعمدة القاري شرح البخاري، بدر الدين العيني، 3/246.

[26]أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب من جر إزاره من غير خيلاء، رقم: 5784.

[27]أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، من فضائل زينب أم المؤمنين، رقم:2453. والبخاري في كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، رقم:1354.

[28]نسبة للجبلة؛ و”جبلة الشيء طبيعته وأصله وخلقته”. لسان العرب، ابن منظور، (مادة جبل).

[29] ينظر: الإشارة، الباجي، ص:15. والبرهان، الجويني، 1/32.

[30] ينظر: مقاصد الشريعة ومكارمها، علال الفاسي، ص:112. والسنة مصدرا للمعرفة والحضارة، القرضاوي، ص:24.

[31] حديث التأبير أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا، رقم: 6276.

[32] ينظر: الإحكام، الآمدي، 1/143.

[33]ينظر: البرهان، الجويني، 1/321. والإحكام، الآمدي، 1/148.

[34] مثال ذلك حديث: “صلوا كما رأيتموني أصلي” الذي أخرجه البخاري في الصحيح عن مالك بن الحويرث، كتاب الآحاد، باب ماجاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، رقم: 623.

[35] ومثال ذلك: قطع يد السارق من الكوع بيانا لآية حد السرقة. ينظر: البرهان، الجويني، 1/300.

[36] بناء الدولة و مقومات الأمة -وحدة الأمة- الساسي الضيفاوي، كتاب جماعي، ص:162.

[37] العمل الديني و تجديد العقل، طه عبد الرحمان، ص:32 وما بعدها.

[38]المرجع السابق، ص:72 وما بعدها.

[39] العمل الديني و تجديد العقل، طه عبد الرحمان، ص:137 وما بعدها.

[40] ينظر: إحياء علوم الدين، 1/20.

[41] الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي، الحسين السلاسي، ص:162.

[42] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني، ص:968.

[43] الفرقان بين الحق والباطل، ابن تيمية، تحقيق الشيخ يوسف غزال، ص:161، وما بعدها.

[44] أخرجه البخاري عمرو بن العاص، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم:7352. ومسلم في كتاب الأقضية ، باب أجر الحاكم إذا اجتهد، رقم:1716.

[45] الموافقات، الشاطبي،  2/48.

[46]المصدر السابق، 1/87-88.

[47] النصوص الشرعية، خصائصها وضوابط الاستنباط منها، محمد يسري إبراهيم، ص:63.

[48] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 2/31.

[49] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 2/202.

[50] الحكم الشرعي، رشيد سلهاط، ص:182، وما بعدها.

[51]للتفصيل ينظر: منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، عثمان بن علي حسن، 1/366.

[52] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 2/364.

[53] خلافة الإنسان بين العقل و الوحي، عبد المجيد النجار، ص:107

[54] فقه التدين فهما و تنزيلا، النجار، ص:128.

[55] فقه التنزيل، أيت أمجوض، ص: 176-177.

[56] اهتم الصوفية المسلمون بفكرة الإنسان الكامل وكتبوا حولها مؤلفات وفصلوا فيها القول، وذلك انطلاقا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام” الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى {وضرب الله مثلا للذين أمنوا امرأة فرعون }، رقم:3769.

ينظر: الإنسان في القرآن–دراسة فلسفية مقارنة، أحمد بوعود، ص:162 وما بعدها.

[57] الفطرية: بعثة التجديد المقبلة من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام، فريد الأنصاري، ص: 38.

[58]  فقه التربية، عبد الباسط مستعين–كتاب جماعي- ص: 68-69.

[59] الموافقات، الشاطبي، 3/ 54-55.

[60] الفروق، القرافي، ص:1/172.

[61] فقه التنزيل، وسيلة خلفي، ص:98.

[62]وقد جمع منها الإمام ابن فرحون ما يزيد عن مئة وخمسين مسألة بين فيها حكم الحاكم. ينظر: تبصرة الحكام؛ 2/169.

[63] الفروق، القرافي، 2/172.

[64] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، رقم:1341، والدارقطني في السنن، رقم:43111، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم:2897.

[65] تبصرة الحكام، ابن فرحون، 1/105.

[66] الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص:106.

[67]ينظر: الفقيه والمتفقه، البغدادي، 2/66. والمستصفى، الغزالي، 2/390. والبحر المحيط، الزركشي، 6/277.

[68] ينظر: الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 4/229.

[69] فقه التنزيل، وسيلة خلفي، ص:141.

[70] ينظر: الفروق، القرافي، 4/50.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.