الحلقة السابعة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحلقة السابعة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
مرتكزات فقه التنزيل.
تمهيد:
إن الهدف من إيجاد الإنسان في الحياة الدنيا، هو تحقيق العبودية لله تعالى لنيل الدرجات العلا في الدار الآخرة وعمارة الأرض بما يصلحها، ويجب أن تكون جميع أفعال العباد وفق ما أمر ربنا سبحانه وما أراد.
ونعلم أن جميع التصرفات لا تخرج عن الأحكام الخمسة المعروفة عند الفقهاء وهي: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام.
ولتنزيل هذه الأحكام، سلك المشرع مسلك التدرج، والبدء بالأولويات، واعتبار الخصوصية الزمانية والمكانية، وخصوصيات الأشخاص. وهذا ما نسميه بفقه الأولويات؛ وهو أكبر ركيزة يعتمد عليها فقه تنزيل الأحكام. كما أن تفعيل مقاصد الشريعة في تنزيل الأحكام على الوقائع تحتاج إلى مبدأ الموازنة بين المفاسد والمصالح، وتقديم المصلحة الكبرى عن الصغرى، والعامة عن الخاصة، والعاجلة عن الآجلة، وهذا ما يصطلح عليه بفقه الموازنات، وهو ثاني ركيزة يحتاجها فقه تنزيل الأحكام على الوقائع.
فما معنى فقه الأولويات؟
وما ضوابطه وأهدافه؟
وأين تكن مهمته في تنزيل الأحكام على الوقائع؟
المطلب الأول: فقه الأولويات.
إن البدء بالأهم من الأمور ثم المهم وهكذا، هي من المعلوم من الدين بالضرورة، وغياب هذا النوع من أنواع الفقه في تنزيل الأحكام، لهو سبيل إلى الخلل والاضطراب وضياع الأهداف والوصول إلى الغايات التي رسم تحقيقها الدين الإسلامي الحنيف. وفي هذا المطلب سنتكلم عن فقه الأولويات من حيث التعريف والتأصيل وعن أهميته وضرورته وخطورة إغفاله، وعن علاقة هذا الفقه بفقه الواقع وفقه التنزيل.
الفرع الأول: تعريف فقه الأولويات وتأصيله.
- أولا: الأولويات لغة؛
من أولى اسم تفضيل، والأولى هو: الأحق والأجدر والأقرب، وفي الحديث “ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت السهام فلأولى رجل ذكر”[1]، أقرب في النسب إلى المُورَث.
ويمكن تقسيم المعنى اللغوي لأَوْلَى إلى ثلاث معاني متقاربة وهي:
- المعنى الأول: الأحق والأجدر، يقال فلان أولى من فلان في هذا الأمر؛ أي أحق به، ويقال (هو أولى) بكذا أي: أحرى به وأجدر.
ب- المعنى الثاني: الأقرب، ومنه قول الأصمعي: فعادى بين هاديتين منها **وأولى أن يزيد على الثلاث؛
أي قارب أن يزيد على الثلاث.
ج- المعنى الثالث: التهديد والوعيد، ومنه قوله تعلى: “أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى“(القيامة؛)35، أي قاربه ما يهلكه. وهذا قريب المعنى السابق، وهو القُرب[2].
- ثانيا: الأولويات في الاصطلاح؛
رغم استعمال بعض المتقدمين[3] لكلمة: الأولوية أو الأولويات (بالفرد أو بالجمع)، فإنهم لم ينشغلوا بتعريفه كمصطلح، والراجح أن استخدام العلماء – المعاصرين منهم والقدامى- لهذا المفهوم لا يخرج عن الاستخدام اللغوي له، كما هو مشار إليه في معنى الأولويات لغة، ومثال ذلك قول الإمام ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري في معرض حديثه عن الآذان: “إلا أن يستهموا؛ أي لم يجدوا شيئا من وجوده الأولوية”[4].
وقد كثر استخدام هذا المصطلح عند علمائنا المعاصرين لأهميته وضرورته، يقول الدكتور عدنان آل عرعور: “مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن في الدين أولويات، أولويات في قضايا الإيمان، وفي الأعمال، وفي الأمر والإنكار، وفي العلم، وفي التعليم، وأولويات في التبليغ والدعوة”[5].
والأولويات هي: “الأسبقيات الشرعية المراد إنجازها”[6]، حسب مكانتها وقيمتها في الضرورة.
- ثالثا: مفهوم فقه الأولويات:
سبق أن أشرنا أن العلماء المتقدمين لم ينشغلوا بشأن تعريف فقه الأولويات، وإنما انشغلوا بتأصيله وتطبيقه، وبيان “ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد على بعض”[7].
لكن هذا المفهوم أو هذا الفقه بالأحرى، وجد مساحة مهمة في كتب بعض العلماء المعاصرين، نختار منها التعاريف التالية:
1- تعريف الدكتور يوسف القرضاوي، يقول: “وأما فقه الأولويات فنعني به وضع كل شيء في مرتبته. فلا يُؤخر ما حقه التقديم أو يُقدم ما حقه التأخير، ولا يُصغر الأمر الكبير، ولا يُكبر الأمر الصغير”[8]. وفسر هذا الكلام في موضع آخر فقال: “وأعني به؛ وضع كل شيء في مرتبته بالعدل، من الأحكام والقيم والأعمال، ثم يُقدّم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة، يهدي إليها نور الوحي، ونور العقل، فلا يقدم غير الأهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح على الراجح، ولا المفضول على الفاضل أو الأفضل، بل يقدم ما حقه التقديم، ويُؤخَّر ما حقه التأخير، ولا يكبر الصغير ولا يهون الخطير، بل يوضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم، بلا طغيان ولا إخسار، كما قال تعالى:” وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان” (الرحمان؛8)”[9]. وهذا تعريف جيد، حيث تم وضع أهم ما في فقه الأولويات وهو وضع الشيء في مرتبته فلا يقدم الشيء أو يؤخر إلا بناء على معرفة هذا الفقه.
وأساس هذا: أن الأحكام والأعمال والقيم والتكاليف متفاوتة في نظر المشرع تفاوتا بليغا، فقها وتنزيلا.
2- تعريف الدكتور محمد الوكيلي: حيث عرف فقه الأولويات بقوله: “العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق التقديم على غيرها؛ بناء على العلم بمراتبها وبالواقع الذي يتطلبها”[10].
وقال مفسرا تعريفه لهذا الفقه: “ونعني بذلك:
أ- الفقه بأحكام الشرع وبمراتبها، وبالأهم منها من المهم، وبالقطعي منها على الظني، وبالأصل منها على الجزء، وبالكبير منها على الصغير، وبعبارة موجزة بالخريطة الشرعية للأحكام.
ب- فقه الضوابط التي يتم بناء عليها ترجيح حكم على آخر في حالة التزاحم أو في غير حالة التزاحم.
ج- فقه بالواقع والظروف التي يتحرك فيها المسلم الداعية. فالفقه بهذه الأمور كلها يخول للمسلم معرفة الحكم الأولى بالتقديم على غيره، وهذا كله يشكل فقه الأولويات”[11].
2- تعريف الدكتور عدنان آل عرعور: حيث عرف هو الآخر فقه الأولويات بأنه “ترتيب العالم أو الداعية لأوراقه الأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج، والأنفع للمدعوين فالأنفع”[12].
وقد ركز الدكتور عدنان في هذا التعريف الجيد على ترتيب الأوراق، إلا أن التعريف خص مجال الدعوة عن غيره من المجالات وهذا محله فقه الدعوة.
3- فقه الأولويات من الجانب التنزيلي: حاول الدكتور أحمد المعماري أن يطبق الجانب التنزيلي في فقه الأولويات، ويعني به: “العلم بتنزيل الأحكام تقديما وتأخيرا، بحسب تحقيق مقاصدها ومآلاتها الشرعية”[13].
ويشرح ذلك بقوله: “ونعني بذلك: قد يتقدم تنزيل الحكم الشرعي في وقت من الأوقات، أو يتأخر، وهذا التقديم والتأخير كله راجع إلى تحقيق المقاصد ومآلاتها وعدمها، فعند تحقيق المقاصد الشرعية من تشريع الحكم يتقدم التنزيل، وعندما تنعدم المقاصد في الحال والمآل عند التنزيل يتأخر الحكم إلى حين تحققها”.[14]
إذن لابد من اعتبار دلالة التنزيل، لأنها في بعض الأحيان تخفف من قطعية القطعي، وتزيد في قوة الظني، وهذا ما يؤكد قوة الجانب التنزيلي وتأثيرها على الأحكام قطعيها وظنيها، مع اعتبار المآل في فقه الأولويات.
- رابعا: فقه الأولويات من خلال القرآن والسنة وعمل الصحابة.
تعتبر الشريعة الإسلامية رحمة كلها ومصالح كلها، وُضعت لعلاج ما يستجد من أحكام وما ينزل في حياة الناس من وقائع، وأحداث جديدة، ولذلك يعتبر فقه الأوليات فقه شرعي منضبط له أصوله الشرعية وقواعده المقاصدية التي ينطلق منها.
1- ففي القرآن الكريم نجد مجموعة من الآيات تلمح وتشير إلى هذا الفقه وأهميته، كما في قوله تعالى: “أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله” (التوبة؛19). فبينت الآيات الكريمات أن جنس أعمال الجهاد أولى وأفضل من جنس أعمال الحج، مع أن حجهم واعتمارهم جاء من باب التطوع والتنفل، أما الجهاد ومقاومة الإلحاد والكفر والعلمانية، وبجميع الوسائل الممكنة لهو الواجب والأولى. ومثله في قوله تعالى: “لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة” (النساء؛94)، فبين القرآن الكريم أن الناس ليسوا متساوين في منازلهم، وإن كانوا متساوين في إنسانيتهم، وإنما متفاوتون بأعمالهم وبعلومهم .
2- ولبيان ضرورة فقه الأولويات للفقيه والداعية أكد الرسول صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل عن هذا الفقه -حين بعثه إلى اليمن- فقال له: “إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”[15].
فبين الحديث ضرورة تسلح الداعية بفقه الأولويات، ومعرفة ما يجب أن يقدم أو يبدأ به، مما يضمن له حسن القيام بما وجب عليه مع تحقيق المصلحة المرجوة.
ومن تتبع ما جاء في القرآن الكريم، ثم ما جاء في السنة المطهرة في هذا المجال، جوابا عن سؤال أو بيانا لحقيقة، رأى أنها قد وضعت أمامنا جملة معايير لبيان الأفضل والأولى والأحب إلى الله تعالى من الأعمال والقيم والتكاليف[16]، وبيان ما بينها من تفاوت كبير، مثال ذلك حديث: “سبق درهم مئة ألف درهم”[17]. وفي الجانب المقابل وضعت معايير لبيان الأعمال السيئة، كما بينت تفاوتها عند الله، من كبائر وصغائر، وشبهات ومكروهات، وذكرت أحيانا بعض النسب بين بعضها، مثال ذلك حديث: “درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم، أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية”[18]. وكما حذرت من أعمال اعتبرتها شرا من غيرها، وأسوا مما سواها، مثل حديث: “شر ما في الرجل شحٌّ هالعٌ وجبنٌ خالعٌ”[19].
3- وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم حريصين كل الحرص على أن يعرفوا الأوْلى من الأعمال، ليتقربوا إلى الله تعالى به، ولهذا كثرت أسئلتهم عن أفضل العمل، وعن أحب الأعمال إلى الله تعالى، وقد ذكرنا هذا في مبحث سابق، ونكتفي هنا بذكر مثال آخر في حديث عن عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله؛ ما الإسلام؟ قال: أن يُسْلِم لله قلبك، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، قال فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقِر جواده وأُهْرِق دمُه”[20].
ويؤكد التزام الصحابة بهذا الفقه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما اختلف مع الصحابة في قتال المرتدين، بين لهم الأولوية في الشريعة الإسلامية التي توجب ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : “لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه”[21]. لأن فقدان فقه الأولوية في هذه الظرفية يؤدي إلى ضرر في الدين وإلى تخبط في التخطيط والعمل، وربما يؤدي إلى الفشل وهدم ما بني من الأعمال.
الفرع الثاني: أهمية فقه الأولويات في الاجتهاد التنزيلي وضرورته.
إن فقه الأولويات مدخل جديد ومنهج فريد في عملية فقه تنزيل الأحكام على واقع الحياة الإنسانية بكل تحدياتها وسلبياتها، لنبحث عن الأولى والأنفع من الحلول والوسائل لننقل الدعوة إلى الشريعة من الأحلام والنظريات إلى واقع ملموس وحقيقة عملية، نتلمس آثارها النافعة ونجد فيها مصدرا للقوة والحياة، ولا يمكن أن نحقق ذلك إلا بالتخطيط السليم الذي يحدد الهدف ويرتب سلم الأولويات[22].
كما يعتبر من الخطورة بمكان، فمراعاته في فقه التنزيل لها أهمية كبيرة، كما أن إغفاله خطورة ومجازفة، “فلا يمكن تطبيق حكم شرعي ونضمن له النفاذ والاستمرار والحرمة في قلوب العباد، إلا باعتماد الأولويات في ذلك، حتى تألفه النفوس ويقابل بالرضى والقبول، بعدما تلين قلوب الناس إليه ويمتثلون له طواعية ورغبة، وهذا كله لن يتم بالعنف والتخويف وإنما بالحكمة والتدرج وفقه واقع الناس”[23]. ولذلك يكون فقه الأولويات هو السبيل إلى كسب القلوب وتألفها وتوحيد الكلمة والصف والقضاء على النزاعات والخلافات وتقوية الروابط الداخلية.
كما أن فقه الأولويات يعتبر الأساس في ترتيب أجندة المسلم ، وهو “فقه لا يمكن أن يستغني عنه كل فقيه مجتهد”[24]، لأن غياب فقه الأولويات يؤدي إلى “الانشغال بالجزئيات دون الكليات، وغيابه سبيل لترسيخ التقليد والتبعية”[25].
وهذا ما وقع للمسلمين في عصور الانحطاط ولازال قائما إلى يومنا هذا، حتى صارت الحياة في مجتمعاتنا منحرفة عن دينها ومبادئها، وشعوب الأمة منهزمة نفسيا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا. وذلك لأنهم “أهملوا فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة: كالتفوق العلمي والصناعي والحربي، الذي يجعل الأمة مالكة لأمر نفسها وسيادتها حقا وفعلا، لا دعوى وقولا (…) ومثل الاجتهاد في الفقه واستنباط الأحكام، ومثل نشر الدعوة إلى الإسلام، ومثل إقامة الحكم الشوري القائم على البيعة والاختيار الحر، ومثال مقاومة السلطان الجائر، المنحرف عن الإسلام”[26].
وفي واقعنا المعاصر نرى أن الأمة أهملت بعض الفرائض العينية، ولم تعطيها القيمة التي تستحق، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي قدمها القرآن على الصلاة والزكاة في وصف مجتمع الإيمان. في قوله سبحانه وتعالى وهو يصف المومنين والمومنات: “يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله” (التوبة؛72).
كما تلاحظ في المقابل أنه تم الاهتمام ببعض الأركان أكثر من بعض، فاهتموا بالصوم أكثر من الصلاة، فلهذا لم يكد يوجد مسلم مفطر في نهار رمضان ولا مسلمة، ولكن هناك من يتكاسل من المسلمين والمسلمات عن الصلاة ، كما أن أكثر الناس المهتمين بالصلاة لا يهتمون بالزكاة، مع أن القرآن الكريم والسنة المطهرة قرنت بينهما في أكثر من موضع.
واهتم الناس ببعض النوافل في العبادة وكأنها فرائض، وأغفلوا كثيرا من الواجبات الاجتماعية، مثل: بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الجار، والرحمة بالضعفاء، وإنكار المنكر، ومقاومة الظلم. وانشغلوا بالعبادات الفردية أكثر من العبادات الاجتماعية كالعدل والشورى، ورعاية حقوق الإنسان الضعيف. واهتموا بفروع الأعمال وأهملوا أصول البناء، ولذلك حرموا الوصول.
ومما وقع فيه الخلل والاضطراب، اشتغال كثير من الناس بمحاربة المكروهات أو الشبهات، أكثر مما اشتغلوا بحرب المحرمات المنتشرة، أو الواجبات المضيعة، كمسائل التصوير والغناء والنقاب ونحوها. في حين هم “غافلون عن القضايا المصيرية الكبرى التي تتعلق بوجود الأمة ومصيرها وبقائها على الخريطة. ومثالها انحراف الكثير إلى مقاومة الصغائر مع إغفال الموبقات كضياع الشورى، والعدالة الاجتماعية، وغياب الحرية، وكرامة الإنسان، ونهب ثروة الأمة وتوسيد الأمر إلى غير أهله”[27]. كل ذلك سببه إغفال فقه الأولويات وعدم اعتباره في الفهم والتنزيل.
وقد استنكر الإمام الغزالي قديما على بعض الفرق التي لا تراعي الأولويات في أعمالها فقال:”وفرقة أخرى حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض، وترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى، وبصلاة الليل، وأمثال هذه النوافل، ولا يجد للفريضة لذة(…)قال: وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور”[28]. والمسألة لا تتحدد في تاريخ معين أو مكان محدد أو في فرقة بعينها، ولكن هي مسألة فهم وذهنيات في كل زمان.
ولا يتم هذا العلم إلا بفقه الأحكام، والموازنة بينها، وفقه المقاصد والمآل، وفقه الواقع. فالنصوص الشرعية جاءت لتحقيق مقاصد شرعية من خلال أحكام شرعية تكفل تحقيق تلك المقاصد في الواقع العملي، ولأن “المقاصد الشرعية التي تعرف من خلال استقراء النصوص، والتي تشكل الإطار المرجعي والكلي، والبنيوي للفقه الإسلامي؛ ترشد الفقيه إلى كيفية بناء الحكم من خلال استكناه العلل المؤثرة التي بني عليها الحكم، ومدى تحقيق المقصد، والعلة في الواقع العملي مما يستدعي اختلاف الاجتهاد بناء على الواقع التطبيقي. وعند تزاحم التكاليف في إطار زمني أو مكاني يستدعي ذلك آلية واضحة التقديم، تبنى من خلال الإطار المقاصدي والواقع التطبيقي، وهذا ما ينظمه فقه الأولويات”[29].
وينسجم فقه الأولويات بفقه المقاصد في علاقة جدلية متكاملة تمكن من الفهم والتنزيل الصحيحين، يقول طه جابر العلواني: “العلاقة بين فقه المقاصد، وفقه الأولويات علاقة جدلية؛ ففقه المقاصد يمكن من فهم الوحي، وفقه الأولويات يمكن من فهم الواقع، ويتأسس على فهم دقيق لوظيفة التدين، والتدين هو: محاولة لتكييف الواقع البشري على الوحي الإلهي، وهي محاولة كثيرا ما تقف بعض الضروريات في وجهها: من ضعف بشري، أو ظرف طارئ”[30].
كما أن فقه الأولويات يبحث في أي الأمور يجب تقديمها في حالة التزاحم، فيعالج الجانب التطبيقي مسترشدا بفقه المقاصد الذي يعالج الجانب النظري عند تنزيل الأحكام على أرضية الواقع.
الفرع الثالث: ضوابط فقه الأولويات وآدابها عند التنزيل.
إن أكبر ما أُخذ على المسلمين، في عصور التخلف والانحطاط –ولا يزال- أنهم كبروا الأمور الصغيرة، وصغَّروا الأمور الكبيرة، وعظموا الشيء الهيِّن، وهوَّنوا الشيء العظيم. والواجب على الأمة المحافظة على “النِّسب التي جعلها الشرع بين التكاليف والأعمال المختلفة، حتى يبقى كل عمل في مرتبته الشرعية لا ينزل عنها ولا يعلو عليها”[31]، وذلك وفقا لمجموعة من الآداب والضوابط، نذكرها على الشكل التالي:
- الرفق والتدرج في تنزيل الحكم وتنفيذه:
لقد مكث الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما وهو يصلح القلوب ويطهر النفوس ويمهد الطريق لتنزل الأحكام، “فقد تَنزل بعض الأحكام، وتُؤجل أخرى، وقد تُقدم أحكام على أحكام لخصوصيات ذاك الحكم وخطورته، مُراعيا لخصوصيات الواقع، والحاجة الماسة الآنية إلى حكم دون حكم”[32].
والنفوس قد تألف الاعوجاج إذا عاشت فيه دهرا طويلا، وتتصلب على ما تألف من المعاصي، وإذا أردنا لها نقلة مفاجئة سريعة، صاحت وتمردت وتفلتت تبغي التملص، فيُضطر إلى الترفق والتدرج في حملها على تنفيذ الحق والعمل بالشرع.
والأساس الفقهي الذي تستند إليه “قاعدة التدرج”، يكمن في “قواعد ترجيح المصالح الكبيرة، والعظيمة الدائمة على سواها من المصالح الصغيرة، والجزئية والمنقطعة”[33]، يؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها “إنما نزل أول ما نزل منه -أي القرآن الكريم- سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام ؛ نزل الحلال والحرام”[34]. فالغاية من التدرج[35] إذن هو الإعداد والتهيئة النفسية والأخلاقية والفكرية والاجتماعية، وإعطاء فرصة أرحب لإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المنحرفة[36]، وهذا يتطلب:
- تحديد الأهداف بدقة وبصيرة؛
ب- تحديد الوسائل الموصلة إليها بعلم وتخطيط دقيق؛
ج- تحديد المراحل اللازمة للوصول إلى الأهداف.
وهي مراحل تتداخل بينها وتتكامل حتى يؤدي ضابط المرحلية والتدرج دوره المنشود المتمثل في تنزيل شريعة الإسلام في واقع الناس.
إن التدرج المطلوب لا يقصد به التملص من بعض الشرع، فإن الشرع كامل وكله واجب، ولكن تطبيقه على الناس في أول أيام الحكم أو في دعوة الناس له قبل الحكم، أو في تربية الدعاة عليه يسوّغ للعالم المتأمل أن لا يتحدث به أو يطبقه دفعة واحدة، بل لابد من الرفق والتدرج واحترام المرحلية واعتبار واقع وخصوصيات الناس والمجتمعات.
ويدل على صواب هذا المنهج ما روي عن عمر بن عبد العزيز لما جاء إلى الحكم بعد مظالم كثيرة ارتكبها بعض حكام بني أمية فتدرج ولم يستعجل، ودخل عليه ولده –عبد الملك- يوما، فقال :”يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل ؟ فو الله ما كنت أبالي لو غلت بيَّ و بك القدور في ذلك، قال: يا بني؛ إني إنما أروِّض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل، فأؤخر ذلك حتى أُخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه”[37]، أي يخرج طمعهم بالموعظة والتأني ليكون عن قناعة لا بخوف من السطوة والعقاب.
ويبدوا أن هذا الولد الصالح قد حاز حماسة، فاقت التي عند أبيه، فدعته إلى معاودة الاستغراب من سياسة التأخير والتدرج فكان منه أن: “دخل على أبيه فقال: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك، فقال: رأيتَ بدعة فلم تُمِتها أو سنة فلم تُحيها؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرا، يا بني: إن قومك قد شدُّوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقا يكثر فيه الدماء. والله لزوال الدنيا أهون عليَّ من أن يُراق بسبـبي محجمة من الدم، أَوَ ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة”[38].
فقه الواقع وفقه الأولويات وفقه التنزيل حكمة ! وقد شهد الحسن البصري رحمه الله على حصول ذلك اليوم الذي استشرفه الخليفة عمر بقوله: “ما ورد علينا قط كتاب عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سنة، أو إماتة بدعة، أو رد مظلمة”[39].وقد شهد التاريخ أن مرحلة التدرج التي طبقها عمر بن عبد العزيز خلال خلافته أنتجت من الإنجازات ما يفرض على أهل الإصلاح والتغيير تأملها.
- الاستثناء والتأجيل:
المراد بالاستثناء هو: “إسقاط تطبيق الحكم الشرعي في حق عينة من العينات – الأفراد أو الحالات- في حين يطبق على سائر العينات الأخرى المشابهة لها”[40].
ويقصد بالتأجيل هنا: “العدول عن تطبيق الحكم الشرعي في ظرف معين، وإسقاط العمل به في ذلك الظرف، حتى يحين ظرف آخر مناسب، يعاد فيه ذلك إلى التطبيق”[41].
وإن كثيرا من الوقائع والأحداث تجري بما يخالف النسق العام في الحياة، وذلك لخصوصية هذه الوقائع، فتنزيل الأحكام الشرعية عليها دون اعتبار خصوصيتها يؤدي إلى مضرة ومفسدة، بدل ما يراد منه من مصلحة، وذلك “بوجود موانع وعواقب في تطبيق الحكم، تجعله لا يؤدي مقصود الشارع من وصفه، فيستلزم هذا الأمر ذو الخصوصية تأجيل الحكم، حتى تتوفر في الوقائع الجزئية الشروط التي تجعل تطبيق الحكم مؤديا غرضه، مع مراعاة نفسية المكلف في صعوبة تركه لما ألفه، وفي تأنيسه للحكم النازل ليلقاه بالرضى”[42]. وفي حالة العكس تكون النتائج مخالفة لمقاصد الشريعة من تنزيل الحكم.
وهذا المنهج في التنزيل، أجري بالمصلحة وأجري على وجه التأنيس، وكان أكثرها على أسباب واقعة، فكانت أوقع في النفوس حيث صارت تنزل بحسب الوقائع، “وكانت أقرب إلى التأنيس حين تنزل حكما حكما، وجزئية جزئية، لأنها إذا نزلت كذلك لم ينزل حكم إلا و الذي قبله قد صار عادة، واستأنست به نفس المكلف الصائم عند التكليف وعن العلم به رأسا، فإذا نزل الثاني كانت النفس أقرب للانقياد له”[43]. كما قد توجد موانع ذات خصوصية أدق في حق مشخَّصات الأفراد، فيستثني الحكم في هذه الحالة، كما وقع الأمر في تأجيل تطبيق حد السرقة عام الرمادة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستثناء أرض العراق من حكم تقسيم الفيء على المقاتلين، وتأجيل حصة المؤلفة قلوبهم لما عز الإسلام، وقوى المسلمون.
وكذلك الأمر في واقعنا الراهن وما يسوده من نظم علمانية غربية تنتشر فيها البنوك الربوية التي تقوم عليها أغلب الأنظمة المالية في مجتمعاتنا المسلمة، مما جعل الناس في حرج من أمرهم.
رغم أنه لا مناص من التعامل مع هذه البنوك، خاصة مسألة رواتب الموظفين، فإن هذه المشكلة يمكن حلها في مبادئ الشريعة بطرق عديدة، إما “بالإستناد إلى قاعدة الضرورات أو الحاجات والتدابير الاستثنائية الموقوتة، إلى أن يقام في المجتمع الإسلامي نظام اقتصادي متجانس يغني الناس عن الالتجاء إلى نظام الفائدة”[44]، حينها تكون مؤسسات الدولة المدنية تابعة وخاضعة لقوانين وأحكام الدعوة الإسلامية.
ومن هنا يظهر لنا أن التغافل عن الاستثناء والتأجيل باعتبارهما قاعدة فقهية في تنزيل الشريعة، وعدم مراعاتها عند إجراء الأحكام على واقع الحياة، “يؤدي إلى حرج شديد، قد يذهب بالمقصد الذي من أجله وضعت تلك الأحكام”[45].
ويعتبر هذا الضابط، وهو فقه قائم على الاستثناء والتأجيل، شرط ضروري لضمان تحقيق المقاصد الشرعية من تطبيق الأحكام في واقع الحياة، وضابط أساسي في فقه الأولويات.
- تقديم الأصل على الفرع:
وهذا من تقديم الأهم على المهم، والمهم على غير المهم، “فالبدء بالأصول العقدية والأصول العبادية بدءٌ بما بدأ به الشارع الحكيم، فالقرآن المكي أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم لتأكيد هذه الأصول، ودعوات الأنبياء عليهم السلام جاءت كلها مقررة لهذا المعنى”[46].
إن التنازع في مسائل الفروع ينبغي ألا يصل إلى حد التكفير أو التبديع والتفسيق، وهذه سمة أهل الفرق والأهواء قديما وحديثا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد بكفر ولا فسق ولا معصية”[47].
ولا شك أن الاشتغال بالفروع وحمل الناس والعامة خصوصا على بعض الفروعيات والمسائل الخبرية، والتشدد عليهم في ترك بعض السنن الخفيفة، وإغفال الأصول، وعدم أولويتها، لا شك يزيد في الأمة فرقة وضعفا وتخلفا أكثر مما هي عليه الآن.
- تقديم الفرائض على المندوبات والمصالح الضرورية على الحاجية والتحسينية.
أ- الفرائض الركنية؛ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، هي “من الأولويات التي يجب الإتيان بها و الدعوة إليها، و يدخل فيها كل ما كان من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة”[48].
وفقه مراتب الأعمال يقتضي تقديم الأصول والفرائض القطعية على ما سواها من المندوبات والأحكام الظنية، وهذه المراتب أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”[49] . فحتى الترقي في مراتب الإيمان يجب ألا يتم قفزا، وإنما بتتبع شعبه تدريجيا.
وعندما أوصى أبو بكر الصديق بالخلافة لعمر في وداعه الأخير للدنيا، قال له: “إن لله تعالى حقا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله في الليل حق لا يقبله في النهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة”[50]. وللفقهاء قاعدة في هذا المقام؛ تقول: “أن المندوب قد يترك تأليفا للقلوب”[51]، لأن اجتماعها واجب وتحصلها مُقدم على تحصيل المستحبات.
فهذا الفقه – فقه مراتب الأعمال- لا سبيل إلى إغفاله، ودرجاته من أهم الأمور التي تجب على الفقيه والمجتهد والداعية فقهها والعمل بها، حتى لا تشغلنا قضايا هامشية أو إصلاحات ثانوية عن فرائض و قضايا قطعية كالتهاون في ترك الصلوات أو أصول الأخلاق .
ب- أما تقديم المصالح الضرورية على الحاجية و المصالح الحاجية على التحسينية، سيظهر لنا من خلال سلم الأولويات حسب نظرة العلماء لهذه المراتب :
فالضروريات هي: مما لا بد منه في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم، وهذه الضروريات خمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال[52].
وأما الحاجيات: فهي المصالح التي يحتاج إليها الناس لرفع الحرج والمشقة عنهم، وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة، ولكن يلحق الناس المشقة والعنت. والحاجيات كلها راجعة إلى رفع الحرج عن الناس، فشرعت الرخص في العبادات والبيوع المستثناة من القواعد العامة للمعاملات كالسلم والإجارة والاستصناع والقرض وغيرها.
أما التحسينيات: فهي التي تجعل أحوال الناس تجري على مقتضى الآداب العالية والخلق القويم، وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة ولا يلحق الناس مشقة، ولكن تصير حياتهم على خلاف ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق، كستر العورات والامتناع عن النجاسات، والتحلي بالآداب العامة.
بناء على هذا السلم الأولوي أباح الفقهاء[53] كشف العورات إذا اقتضى هذا علاج وجراحة؛ لأن ستر العورة أمر تحسيني والعلاج أمر ضروري لحفظ النفس. وأوجب الشارع الفرائض والواجبات على المكلفين ولو شَقَّ ذلك عليهم كمشقة الصيام والحج، لأن الفرائض والواجبات أمر ضروري لحفظ الدين، ورفع المشقة والحرج أمر حاجي، فلا يراعى الحاجي إذا تعارض مع الضروري.
وعند تزاحم الضروريات[54]– تعارض بين حكمين شرعيين- يقدم حفظ الدين على النفس، و يقُدم حفظ النفس على ما به حفظ العقل، و ما به حفظ العقل يقدم على ما يكون حفظا للنسل، و إن كان هناك خلاف بين الأصوليين في تقديم العقل على النسل ، وما يكون حفظا للنسل مقدم على ما به حفظ المال. فالجهاد واجب لحفظ الدين، و إن أدى إلى هلاك النفس، لأن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، و شرب الخمر مباح لمن أكره على شربها أو اضطر إليها لأن حفظ النفس مقدم على حفظ العقل و هكذا.
وكذلك فإن المصلحة العامة تقدم على الخاصة، والمصلحة الأكيدة تقدم على المصلحة الظنية، والمصلحة الدائمة على المنقطعة، والمصلحة المتعدية على القاصرة، والمصلحة الأطول نفعا على المحدودة، والمصالح الجوهرية على الشكلية، والمصالح المستقبلية على الآنية الضعيفة، وغيرها من الضوابط المعتبرة في هذا الباب[55]. أما إذا تزاحمت المفاسد فيقدم بالدرء ما مفسدته خالصة أو راجحة، لأن القاعدة الفقهية تقول: “يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، والضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف، وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررا بارتكاب أخفها”[56].
وأن تتساوى المفاسد والمصالح في الأمر ذاته، فدرء المفاسد يقدم على جلب المصالح، لأن الشارع اعتنى بالمنهيات أشد منه في المأمورات، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم”[57].
وأحكام المقاصد أولى بالاعتبار من أحكام الوسائل عند التزاحم في العمل بالأحكام الشرعية، فالقاعدة تقول: “يُغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد”[58].
وهكذا يظهر لنا أن النظر المصلحي إلى الأعمال وفقه مراتبها من خلال ما يترتب عليها من نفع أو ضرر يعتبر أساسا لفهم الأولويات.
وختاما لهذا المطلب نقول: أن فقه الأولويات يعتبر مرحلة مهمة وحاكمة في عملية الاجتهاد التنزيلي خاصة أن هدف فقه التنزيل يرتبط بمصلحة المكلف، ومعرفة الأولويات شرط أساسي بل ركن عظيم في تنزيل الأحكام الشرعية لتحقيق المصالح للأمة، ودرء المفاسد عنها.
كما أن اعتبار فقه الأولويات عند التخطيط ووضع الاستراتيجيات الدعوية والإصلاحية أمر ضروري للغاية، و”فقدان هذا النوع من الفقه عند الممارسة العملية، والتأثر بردود الأفعال الانعكاسية أو عدم التفكير إلا عند وجود الأزمات فقط، يوقعنا في حرج بين خيارين أحلاهما مرُّ؛ فإما أن نستسلم للأزمة أو نعالج الحدث بعد فوات الأوان وضياع الفرص”[59].
المطلب الثاني: فقه الموازنات وعلاقتها بفقه التنزيل.
يمكن اعتبار الموازنات جزء من الأولويات أو باب من أبوابه لا يجمل الفصل بينهما، كما يجوز أن نعتبر فقه الموازنة مرحلة سابقة عن تحديد الأولويات، وذلك باعتبار فقه الموازنات وسيلة ترتيب الأولويات. فما علاقة فقه الموازنات بفقه الأولويات؟ وما الرابط الذي يجمع بين فقه التنزيل بفقه الموازنات؟ و قبل هذا و ذاك ما معنى فقه الموازنات و ما هي أقسامه و ما الحاجة إليه؟
الفرع الأول: فقه الموازنات: تعريفه و أقسامه.
1: تعريف الموازنات:
أ- لغة: من (وزن) والوزن هو رَوْزُ الشيء لمعرفة ثقله وخفته وقدره، و وَزَنَ الشيء نفسه ثقل: فهو وَازن، وما أقمت له وزنا كناية عن الإهمال والإطراح، وتقول العرب ليس لفلان وَزْنٌ أي: قدر لخسَّته، وهذا وِزَانُ ذاك وزِنتُهُ أي: معادله. وهو أيضا ثقل شيء بشئ مثله، كوزّان الدراهم[60].
والموازنة مصدر من الفعل وازن، وهي بمعنى المعادلة والمقابلة والمحاذاة، نقول وازن بين الشيئين، أي ساوى وعادل وقابل وحاذى بينهما. قال تعالى: “وأنبتنا فيها من كل شيء موزون” (الحجر؛19)، أي أن كل ما أوجده الله تعالى، خلقه باعتدال[61].
ب-اصطلاحا: إن المتتبع لهذا المصطلح في استخدام العلماء القدامى يجد أنهم استخدموه باللفظ أو بالمعنى دون أن يضعوا له تعريفا محددا، فهذا العز بن عبد السلام رحمه الله يقول: “قاعدة في الموازنة بين المصالح والمفاسد: إذا تعارضت المصلحتان وتعذر جمعهما فإن عُلم رجحان إحداهما قُدمت”[62]، ولمثل هذا أشار ابن تيمية حينما كان يتحدث عن مطلوب الشريعة فقال: “ترجيح خير الخيرين إذا لم يكن أن يجتمعا جميعا، ودفع شر الشرين، إذا لم يندفعا جميعا”[63]. فتكون الموازنة هي: “المقابلة بين الضر والنفع بهدف اكتشاف الراجح منهما”[64].
2- في معنى“فقه الموازنات”:
مفهوم “فقه الموازنات” مصطلح حديث ذو جذور ممتدة، وبهذا لم نجد عند السابقين تعريفا محددا لهذا الفقه. وقد انشغل به العلماء المعاصرون وفصلوا فيه تفصيلا، نذكر من ذلك ما يفيدنا في البحث:
– تعريف الشيخ ناجي السويد: حيث عرف فقه الموازنات بقوله: “تعارض المصلحتين وترجيع أحدهما، أو ترجيح خير الخيرين، وشر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما”[65]، حيث وضح أهم ما في فقه الموازنات هو الترجيح بين المصلحتين أو المفسدتين.
– وعرف الشيخ عبد الله الوكيلي فقه الموازنات بقوله: “المفاضلة بين المصالح المتعارضة والمتزاحمة لتقديم الأولى بالتقديم منها”[66]، وقد ركز التعريف على المفاضلة بين المصالح في حالة التعارض أو التزاحم، وأغفل التطرق إلى الحكم الشرعي كسابقه.
– تعريف الشيخ أبو حدايد: وقد عرف فقه الموازنات بقوله: “هو العلم الذي يتوصل به المجتهد للترجيح بين المصالح و المفاسد المتعارضة لاختيار الأولى، ليعمل به”[67]، فبين فيه توصل المجتهد إلى الترجيح بين المصالح و المفاسد المتعارضة، مع عدم ضبطه للعلم فتركه مطلقا ولم يقيده.
– واستفاد الدكتور عمر لطفي الجزار من التعريفات السابقة وقيد العلم بالأحكام الشرعية فقال بأن: “العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق الترجيح على غيرها عند التعارض، بناء على العلم بفقه المقاصد و بفقه الواقع”[68]، وزيادة على بيان أن الترجيح يكون عند التعارض ربط العلم بالأحكام الشرعية بفقه المقاصد وفقه الواقع وأغفل فقه التنزيل الذي لا يستغني عنه أي مجتهد عند الموازنة بين الأمور المتعارضة. “ذلك لأن فقه الموازنات الذي نقصده في ضوابط فقه التنزيل؛ هو الفهم في إدراك نسبية المصالح والمفاسد الشرعية عند تنزيل الأحكام”[69].
– وفصل الدكتور يوسف القرضاوي في تعريفه فقال: “أما فقه الموازنات فنعني به جملة من الأمور:
الموازنة بين المصالح بعضها وبعض. والموازنة بين المفاسد بعضها وبعض. والموازنة بين المصالح والمفاسد، إذا تعارضتا بحيث نعرف متى تقدم درء المفسدة على جلب المصلحة، ومتى تغتفر المفسدة من أجل المصلحة”[70].
وبهذه المعاني يكون فقه الموازنات هو مجموعة من الأسس والمعايير التي تضبط عملية الموازنة بين المصالح المتعارضة، أو المفاسد المتعارضة مع المصالح، ليتبين بذلك أي المصلحتين أرجح فتقدم على غيرها، وأي المفسدتين أعظم خطرا أو أشد ضررا فيقدم درؤها.
3-أقسام فقه الموازنات:
انطلاقا من التعاريف السابقة نستنتج أن لفقه الموازنات ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
- الموازنة بين المصالح-والموازنة بين المفاسد-والموازنة بين المصالح والمفاسد.
أولا:الموازنة بين المصالح؛
لقد سبق معنا عند الحديث عن ضوابط فقه الأولويات والإشارة إلى تقديم الضروريات عن الحاجيات والتحسينات عند التزاحم أن المصالح التي أقرها الشارع وبنى عليها الأحكام قد تبدو متعارضة في بعض المسائل المعروضة، ولذلك وجب العمل بفقه الموازنة من أجل أن يراعى الترتيب بين هذه المصالح، لأنها ليست في رتبة واحدة من القوة. ولذلك فالضروريات مقدمة على الحاجيات والتحسينيات، والحاجيات تقدم على التحسينيات والكماليات، كما أن الضروريات مرتبة حسب الأهمية؛ فالدين مقدم على جميع الضروريات الأخرى نظرا لأهميته العظمى، والنفس مقدمة على ما سواهن وهكذا ….
وأن تُقدم المصلحة الشرعية التي اعتبرها الشارع على المصلحة الملغاة والمرسلة.
وفي الموازنة بين المصالح: “تقدم المصالحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو الموهومة، وتقدم المصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة، وتقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وتقدم مصلحة الكثرة على مصلحة القلة، وتقدم المصلحة الدائمة على المصلحة العارضة أو المنقطعة، وتقدم المصلحة الجوهرية والأساسية على المصلحة الشكلية والهامشية، وتقدم المصلحة المستقبلية القوية على المصلحة الآنية الضعيفة”[71].
والمثال على هذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، حيث قدّم المصالح الأساسية المستقبلية على المصالح والاعتبارات الشكلية، التي يتشدد الناس في التمسك بها. فقد وافق عليه الصلاة والسلام في هذا الصلح على بعض الشروط التي تبدو في النظرة السطحية أن فيها رضا بالدون، حيث قبل عليه الصلاة والسلام بحذف البسملة المعهودة من وثيقة الصلح، وكتابة “باسمك اللهم” بدلها، وأن يكتفي باسم “محمد بن عبد الله” ويحذف وصف الرسالة[72]. ولكن الواقع أتبث أن القرآن الكريم كان صائبا، إذ تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهدنة لنشر الدعوة، فانتشر الإسلام وقويت شوكة المسلمين ولذلك وصف الله هذا الصلح بالفتح المبين.
ثانيا:الموازنة بين المفاسد.
اعتبارا بأن المفاسد هي كذلك متفاوتة بينها تماما كتفاوت المصالح، فمن الواجب مراعاة هذا التفاوت في عملية الموازنة وقت بيان الأحكام، وتنزيلها على واقع المكلفين. فالمفسدة التي تعطل ضروريا غير التي تعطل حاجيا، وغير التي تعطل تحسينيا. والمفسدة التي تضر بالمال دون المفسدة التي تضر بالنفس، والتي تضر بالنفس دون التي تضر بالدين والعقيدة، فكل مفسدة تتفاوت خطورتها وآثارها عن الأخرى.
ومن هنا قرر الفقهاء جملة من القواعد[73] التي تبين وتضبط أحكام المفسدة، نذكر منها:
لا ضرر ولا ضرار. والضرر يزال بقدر الإمكان. والضرر لا يزال بمثله أو أكبر منه. ويرتكب أخف الضررين وأهون الشرين. ويتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى. ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام…
ثالثا:الموازنة بين المصالح والمفاسد:
وإذا اجتمع في أمر من الأمور مصلحة ومفسدة، أو مضرة ومنفعة، فلابد من الموازنة بينهما، والعبرة للأغلب والأكثر، فإن للأكثر حكم الكل.
فإذا كانت المفسدة أكثر وأغلب على الأمر من المنفعة أو المصلحة التي فيه: وجب منعه لغلبة مفسدته، ولم تعتبر المنفعة القليلة الموجودة فيه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم في قضية الخمر والميسر في إجابته عن السائلين عنهما، قال تعالى: “ويسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس” (البقرة؛217)، فلما كانت المضرة والمفسدة التي تحصل بشرب الخمر أكثر من المصلحة والمنفعة القليلة التي تحصل من الشرب ولعب القمار، جاء الأمر بالاجتناب عنه في قوله تعالى:”إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” (المائدة؛92).
وفي المقابل إذا كانت المصلحة والمنفعة هي الأكبر والأغلب، يُشرع الأمر وتهدر المفسدة القليلة الموجودة فيه، يقول ابن تيمية رحمه الله: “والواجبات والمستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب”[74].
وقد وضع الفقهاء جملة من القواعد المهمة الضابطة لهذا التعارض منها:
- المفسدة الصغيرة تغتفر من أجل المصلحة الكبيرة. وتغتفر المفسدة العارضة من أجل المصلحة الدائمة. ولا تترك المصلحة المحققة من أجل مفسدة متوهمة. ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة[75].
الفرع الثاني: فقه الموازنات: الحاجة والحجية.
أولا: شذرات في التأصيل.
فقه الموازنات هو فقه ثابت ومتأصل في مصادر التشريع الإسلامي، وثمة أدلة نقلية وعقلية كثيرة تدل على مشروعيته نأخذ منها في هذا المقام بعض الأمثلة الدالة على حجية فقه الموازنات:
- فقه الموازنة في القرآن الكريم:
لقد وردة في القرآن الكريم آيات كريمة على حجية فقه الموازنة ومشروعية العمل به، منها قوله تعالى: “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم” (الأنعام؛109)، فقد منع الله عز وجل في هذه الآية سب آلهة المشركين، لأن ما سيترتب عن هذا الفعل أعظم وأقبح من مصلحة السب المرجوة، “فإذا كان في سب أوثان المشركين مصلحة تحقيرها واستصغار شأنها وشأن العاكفين عليها، فإن ما سيترتب عن ذلك من المفاسد أعظم وأكبر، كدفع المشركين إلى سب الله تعالى شأنه وتقدست صفاته، فنهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لدرء هذه المفسدة الكبيرة، وهذا يدل على أنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة، وكانت المفسدة أعظم من المصلحة، فترك المصلحة لدرء ما هو أعظم منها من المفسدة واجب”[76].
وقال تعالى: “ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يُثخِن في الأرض، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة“(الأنفال؛68)، هذه الآية تدل على أنه في معركة بدر تعارضت مصلحتان -الفدية والقتل- وكلاهما شرعيتان، إلا أنهما متفاوتتان بحسب النفع وبحسب الأولوية في تلك المرحلة الدعوية وبداية نشأة الدولة، فكانت مصلحة القضاء على الأسرى أعظم نفعا للدعوة ولبناء الدولة الفتية، لما في ذلك من مصلحة قطع دابر صناديد المشركين وكسر شوكتهم، لهذا كان يجب تقديم قتل الأسرى على افتدائهم. “فالقضاء على الأسرى مصلحة معنوية، وأخذ الفدية مصلحة مادية، وقد بين القرآن الكريم أن المصلحة المعنوية كانت هي الأولى بالتقديم والعمل، لأنها الأنسب في تلك المرحلة، بل إن الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عاتب على اختيار المصلحة المادية وتقديمها على المصلحة المعنوية”[77]، لأن المصلحة المادية في هذه المرحلة نفعها محدود وضعيف الأثر على مسار الدعوة الإسلامية في مقابل مصلحة اجتثاث الكفر والشرك.
- فقه الموازنات في السنة النبوية:
كثيرة هي الأحاديث النبوية الشريفة التي تفيد أن الأعمال الصالحة متفاوتة عند الله تعالى وليست بمنزلة واحدة، والتفاوت بينها إنما يكون بحسب ما تنطوي عليه من مصالح، وفي أحاديث كثيرة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُسأل عن فضل الأعمال أو أحبها، فيجيب كل سائل بما يناسبه، وقد أوردنا أمثلة عن هذا في المباحث الماضية، ونذكر هنا أمثلة أخرى تزكي مشروعية الأخذ بفقه الموازنات في تنزيل الأحكام على الوقائع:
روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض الصحابة، وقد سأله أن يرخص له في قتل بعض المنافقين: “دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه”[78] ، ووجه الاستدلال بالحديث أن فيه موازنة بين المصالح والمفاسد، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن في قتل المنافقين مع كون ذلك مصلحة، حفاظا على ما هو أعظم منها، وهي تأليف قلوب الناس على الإسلام، والبعد عن الشائعات التي قد يثيرها المرجفون، ليشوهوا بها صورة الدين لما ينشرونه بين العامة من أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ومن معه، وهي مفسدة تزيد على مصلحة القتل بكثير، فترك المصلحة دفعا للمفسدة الكبيرة.
وروى البخاري ومسلم وغيرهما أن أعرابيا بال في ناحية المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: “دعوه، وأهرقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”[79]، والحديث يتضمن الموازنة بين مفسدتين: مفسدة بول الأعرابي في المسجد، ومفسدة ترويع الأعرابي الذي قد يفضي إلى نفوره من الدين، وبما أن مفسدة ترويع الأعرابي، أكبر بكثير من مفسدة بوله في المسجد، فقد دُرئت المفسدة الكبرى بتحمل ما هو أدنى منها، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الناس أن يتركوا تعنيف الأعرابي، بالرغم من ضرر تنجيس المسجد لما في النهر من الضرر عليه. وهو ضرر الصحة، قال ابن حجر تعليقا على الحادثة: “لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة، ولم يقل لهم لِمَ نهيتم الأعرابي؟ بل أمرهم بالكف عنه، للمصلحة الراجحة وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأمرهم عند فراغه بصب الماء”[80].
ج- فقه الموازنات في عمل الصحابة ومن جاء بعدهم:
كان الصحابة الكرام مجمعين على أهمية هذا الفقه وضرورة العمل به، فقد طبقوه منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما اجتمعت لديهم مصلحتين عظيمتين، وتعارض لهم قضية الإسراع في دفن المصطفى عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ومصلحة تنصيب خليفة المسلمين.
وفي ضوء استيعابهم لفقه الموازنات وإدراك التفاوت بين المصلحتين، وإن إحداهما أصغر من الأخرى، اختار الصحابة رضوان الله عليهم الإسراع بالتنصيب وانتخاب خليفة للمسلمين، لأن بقاء الأمة المسلمة من دون خليفة يشكل خطرا جسيما على الإسلام من تأخير دفن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فالأولى اختيار الخليفة للضرورة والأهمية في الحفاظ على وحدة وكيان الأمة والدولة الإسلامية، تقديما للمصلحة الكبرى على المصلحة الصغرى، عملا بفقه الموازنات، فكان هذا بمثابة إجماع.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم! قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك”[81]، وهو دليل على تفاوت المفاسد في درجات الذنب.
وعموما فقد أجمع العلماء -القدامى منهم والمعاصرون- على مشروعية التمسك بفقه الموازنات، وأن تقديم راجح المصالح على مرجوحها، والسعي لتحصيل أعلاه على ما دونها، أمر مستحسن مطلوب، يقول العز بن عبد السلام: “لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن”[82]. وتطبيق هذا كثير في فتاوي علمائنا[83].وهو دليل عقلي يرى العمل بفقه الموازنات أمرا جائزا و مشروعا و محمود حسن، و هو دليل واضح، يعزز الأدلية النقلية، على أهمية هذا الفقه في تنزيل الحكم الشرعي.
الفرع الثالث: أهمية فقه الموازنات وعلاقته بفقه التنزيل.
- أولا: أهمية فقه الموازنات:
ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى فقه الموازنات – فقه التعارض والترجيح- باعتباره علما شرعيا مهما، خاصة بعد أن أصبحنا بسوء فهمنا ونقصان التزامنا نهول ونعظم الحقير، ونهون ونحقر العظيم، ونقدم ما حقه التأخير، ونؤخر ما حقه التقديم، ونكبر ما حظه التصغير، ونصغر ما حظه التكبير، ونأخذ الصالح ونترك بل ونفرط في الأصلح، ونجتنب الفاسد لكن نرتكب ما هو أفسد منه.
فأهمية فقه الموازنات تظهر في مراعاة المراتب الموجودة في كل مجال من مجالات الإسلام والتي ترتبط بقضايا الحياة الإنسانية وما يترتب على ذلك من آثار طيبة على العقيدة والعبادة والدعوة والإصلاح.
ولابد لكل عاقل من العمل بفقه الموازنات، ولا مناص للفقيه والمجتهد وفي كل عصر من التمسك بمبدأ الموازنة، فلا سبيل للخروج من كثير من مسائل الخلاف إلا بفقه الموازنات، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ فحينما استقبل الناسُ الصحابة الكرام، بعد عودتهم من غزوة مؤتة، وقال لهم الناس: “يا فرار فررتم في سبيل الله!”، رد عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال للمجاهدين العائدين من الغزو: “ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله”[84]، تحفيزا وتشجيعا ورفعا للهمم، حتى لا يصيبهم اليأس.
وهذا يبين أهمية فقه الموازنات في فقه الدعوة إلى الله تعالى، والوصول إلى روح الشريعة وأهدافها. ولا بد منه في السياسة الشرعية، لأن غيابه يؤدي إلى اختلال العلاقات بين الأفراد والجماعات والدول. كما أن إغفال هذا الفقه ينتج عنه في الأمة انتشار مظاهر التضليل والتفسيق والتكفير للعلماء والعامة على حد سواء، لعدم وجود النظرة الشمولية، وعدم الموازنة بين المصالح بعضها ببعض، وبين المفاسد بعضها ببعض، وذلك واضح في استحلال الخوارج لدماء الصحابة رضي الله عنهم[85].
وعليه يمكن القول أن فقه الموازنات من أهم العلوم الشرعية منزلة وهو خليط من علوم العقليات واللغات وعلم أصول الفقه.
و بمراعات فقه الموازنات، بالإضافة إلى فقه المقاصد وفقه الواقع وفقه الأولويات، نكون سلكنا الطريق الأمثل للنهوض بالأمة من هذا الواقع المزري الذي تعيش فيه شعوبها.
- ثانيا: ما هي الروابط التي تجمع فقه الموازنات بفقه التنزيل؟
لا يقل فقه الموازنات عن فقه الأولويات أهمية بل هما متلازمان وهما معا من أهم مرتكزات فقه التنزيل.
فباعتبار الموازنات مقابلات بين المصالح، أو بين المفاسد، أو بين المفاسد والمصالح، بقصد الراجح من المرجوح، فإن فقه الموازنات هو العلم بأسس تلك المقابلات والترجيحات وأنواعها وشروطها وضوابطها ولوازمها.
ومن جملة تلك الأسس، معرفة مراتب المصالح والمفاسد واعتبارات الموازنات المتعلقة بمقاصد المكلفين وأحوالهم وأعرافهم ومآلات أفعالهم، وكل ما يلزم لتحقيق المناط بمفهومه العام، باعتباره اجتهادا في تعيين محل الحكم.
وعلى هذا يعتبر فقه الموازنات لب فقه التنزيل، وسائر أنواع الفقه السابقة إنما هي خادمة لهذا الفقه، لأنه أساس الاجتهاد في تحقيق المناط الذي جعله الإمام الشاطبي قسيما للاجتهاد في الاستنباط.
ففقه الموازنة هو فهم المصالح والمفاسد والتمييز بينها عند التنزيل، وحقيقة فقه الموازنات هو الفقه والفهم الذي يمكِّن المجتهد من إعمال ميزان المفاضلة والترجيح عند التعارض. والمصالح والمفاسد نسبية، قد تكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت، كالميتة فإن أكلها في حالة الاختيار مفسدة، وفي حالة الاضطرار مصلحة، فهي نسبية من حيث الوقت.
يقول ابن تيمية: “وإنه كثيرا ما يجتمع بالفعل الواحد، أو في الشخص الواحد الأمران، فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما (…) فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان”[86].
وتكمن أهمية فقه الموازنات في فقه التنزيل، حيث لا تخلو مصلحة من شائبة مفسدة، ولا تخلوا مفسدة من وجه مصلحة، ولهذا “فهو فقه تشتد حاجة الناس إليه في حياتهم، ولا سيَّما في عصرنا الذي تختلط فيه الأمور بعضها ببعض، وتتشابك المصالح والمفاسد، والخيرات والشرور، بحيث يعسر أن نجد خيرا خالصا أو شرا خالصا، بل يمتزج كل منهما بالأخر، امتزاج الملح بالماء”[87].
وتبرز أهمية فقه الموازنات في الاجتهاد التنزيلي لفقه المصالح والمفاسد في الأوجه التالية[88]:
– أن إعمال فقه الموازنات في الاجتهاد التنزيلي لفقه المصالح والمفاسد يمثل البداية الصحيحة الرشيدة لفقه التنزيل، ويحقق المقاصد الجزئية التي أرادها الشارع الحكيم.
– للموازنة أهمية كبرى في تمييز المصالح الحقيقية ومعرفة ما هو أولى وأصلح لتقديمه على غيره، وكذلك بالنسبة للمفاسد، فما كان منها أشد وأعظم ينبغي درؤه، وإنما يعرف كل ذلك بفقه الموازنة.
– أن فقه الموازنات يعين المجتهد على معرفة أحكام القضايا المستجدة، “ما دامت الحياة مستمرة فهناك مسائل وقضايا ووقائع تستجد، ولابد أن لهذه المستجدات أحكام تتعلق بها، وذلك يستوجب البحث الدقيق لمعرفة تلك الأحكام حتى يعمل المكلفون بمقتضاها، والموازنة بين المصالح إحدى الوسائل والطرق التي يمكن اعتمادها، للكشف عن أحكام تلك المستجدات”[89]. مع ضرورة استحضار العلاقة بين فقه الموازنات وتحقيق المناط، “بحيث إذا ثبت الحكم بمدركه الشرعي، فإن فقه الموازنات هو أحد سبل النظر في محل هذا الحكم وتنزيله على واقع المكلف”[90].
وفقه الموازنات كذلك له دور كبير في تقوية وتدعيم فقه التمكين، لذلك كانت المحافظة على الأفراد الذين هم عماد الدولة، وتوحيد الصف الداخلي والقضاء على النزاعات والخلافات من أولى الأوليات، حيث يصب هذا في تثبيت أركان الدولة الإسلامية.
ويؤكد هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وصبره على الدعوة في المرحلة المكية، ثم انتقل في المرحلة المدنية بحل النزاع بين الأوس والخزرج، وبالمآخات بين المهاجرين والأنصار.
بل إن فقه الموازنات عند التمكين والوصول إلى الحكم الإسلامي، يبرز حكمة المسلمين ويدحض فكرة عجز الإسلام عن تقديم الصورة العصرية للحكم، وهذا يؤكده فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة، حيث بدأ بالأهم، فبنى المسجد، ثم ميثاق التحالف بين كل القوى الموجودة بالمدينة، فكان بمثابة دستور.
خلاصة:
إن فقه تنزيل الأحكام لابد له من مرتكزات أساسية عمادها فقه الأولويات وفقه الموازنات وفروعها فقه المقاصد وفقه الواقع، ومقومات تعتمد على النقل والعقل والمحل، حتى يصبح الحكم الشرعي واقعا عمليا في سلوك الإنسان في عبادته ومعاملاته وفي حياته كلها.
وفقه التنزيل لا يقوم إلا إذا توفرت فيه ثلاثة مقومات ضرورية تدور معه وجودا وعدما،
فما هي إذن هذه المقومات؟
هذا ما سنتطرق إليه في الحلقة المقبلة إن شاء الله.
يتبع……….
[1] أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، الحديث رقم: 6351.
[2] ينظر: معجم مقايس اللغة، ابن فارس. ومختار الصحاح، الرازي. ولسان العرب، ابن منظور. وتاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي(مادة : أولى).
[3] مثال ذلك قولهم:
- “لا أولوية بدون ترجيح”، ينظر: شرح التلويح على التوضيح، التفتزاني، 2/199.
- “لا أولوية مع التساوي”، ينظر: الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 4/462.
- “الأولوية درجة متوسطة بين التساوي والتعيين المانع من النقيض”، ينظر: المحصول،الرازي، 6/118.
- وورد عندهم من قبيل: “خلاف الأولى” و “قياس الأولى” ينظر: البحر المحيط ، الزركشي،1/239.
[4] فتح الباري، ابن حجر، 2/96.
[5] منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر، آل عرعور، 1/16.
[6] فقه الأولويات، دراسة في الضوابط، محمد الوكيلي، ص15.
[7] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، 1/12.
[8] فقه الأولويات، ص9، وفي أولويات الحركة الإسلامية في الرحلة القادمة، يوسف القرضاوي، ص38.
[9] في فقه الأولويات، يوسف القرضاوي، ص:9.
[10] فقه الأولويات، دراسة في الضوابط، محمد الوكيلي، ص:16.
[11]المرجع السابق، ص:16.
[12] منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر، آل عرعور، 1/16.
[13] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص: 491.
[14]المرجع السابق، ص: 491-492.
[15] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقات، رقم: 2448 واللفظ له. ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعوة للشهادتين، رقم:19.
[16] ينظر: في فقه الأولويات، القرضاوي، ص11-12.
[17] أخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم: 3347، وقال شعيب الأرناؤوط: “إسناده حسن”، تخريج شرح السنة،6/180. وأخرجه النسائي مطولا في السنن، رقم:2527 واللفظ له، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم:3606.
[18] أخرجه أحمد في المسند،36/288، رقم:22007 ، والبزار، رقم:3381 واللفظ لهما. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم:1033.
[19] أخرجه وأبو داود في السنن، كتاب الجهاد باب في الجرأة والجبن، رقم: 2511. وابن حبان في صحيحيه، رقم:3250. وصححه الألباني في صحيح الترغيب، برقم:2605، وفي تخريج مشكاة المصابيح، برقم:1815.
[20] أخرجه أحمد في المسند، مسند جابر بن عبد الله،3/114، رقم:17027، قال الهيثمي: “رجاله رجال الصحيح”، مجمع الزوائد،3/210. وقال الألباني: “رجال إسناده ثقات رجال الشيخين فهو صحيح”، السلسلة الصحيحة، 2/92.
[21] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الاعتصام بالكتاب، باب الاقتداء بسنة النبي، رقم: 7264.
[22] ينظر: مقامات للنهوض بالعمل الدعوي، عبد الكريم بكار، ص:34 و42.
[23] فقه الأولويات في الإسلام، مجدي الهلالي، ص:7.
[24] أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، القرضاوي، ص:41.
[25] فقه الأولويات، الوكيلي، المقدمة، ص: ت.
[26] في فقه الأولويات، القرضاوي، ص: 23.
[27] في فقه الأولويات، القرضاوي؛ ص:25.
[28]إحياء علوم الدين، الغزالي، 3/625.
[29] فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، ص:31. وينظر كذلك: فقه مقاصد الشريعة، فوزي بالتابث، ص:262.
[30] مقاصد الشريعة الإسلامية، طه جابر العلواني، ص125.
[31] السياسة الشرعية، القرضاوي، ص:306.
[32] فقه مقاصد الشريعة، فوزي بلثابت، ص:262.
[33] أثر المنهج الأصولي في ترشيد العمل الإسلامي، مسفر القحطاني، ص: 106.
[34] سبق تخريجه.
[35] والتدرج أنواع؛ ومنه: التدرج في البلاغ: لأن الشريعة نزلت على الرسول على سبيل التدرج. والتدرج في التشريع: المرحلة المكية عرفت بترسيخ الإيمان، ومرحلة المدينة عرفت بالتشريعات. والتدرج في التطبيق: في ظروف تحقق المصلحة للعباد دنيا وأخرى. ينظر: مقاربات في السياسة الشرعية، عبد الكريم بكار، الصفحات: 115-120.
[36] ينظر: فقه الاجتهاد التنزيلي، فوزي بلثابت، ص:262. و في فقه الأولويات، القرضاوي، ص97.
[37] عمر بن عبد العزيز؛ خامس الخلفاء الراشدين، الشيخ عبد الستار، ص:226.
[38] تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، ص:240. وقد جاء عند الشاطبي بلفظ: “فقال له عمر لا تعجل يا بني، فإن الله دم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة”، الموفقات، 2/71. وينظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/129. والبداية والنهاية، ابن كثير، 9/200.
[39] عمر بن عبد العزيز، عبد الستار، ص:204.
[40] فقه التدين، النجار، ص:239.
[41]المرجع السابق، ص:239.
[42] فقه الاجتهاد التنزيلي، فوزي بالتابت، ص:265.
[43] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 2/77.
[44] المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا، 1/293.
[45] فقه التدين، النجار، ص:240.
[46] الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح الفوزان، ص:27.
[47]مجموع الفتاوى، 3/229.
[48] اثر المنهج الأصولي، مسفر القحطاني، ص:97.
[49]أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، رقم:9، ومسلم في كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، رقم:35.
[50] كتاب الزهد ويليه كتاب الرقائق، عبد الله بن المبارك، ص:319.
[51] الوجيز في القواعد الفقهية، عبد الكريم زيدان، ص197. وينظر: مجموع الفتاوي، ابن تميمة، 24/170.
[52]حصر الشاطبي مقاصد الشريعة في خمس وقد توصل إلى مجموعة المقاصد هذه، فيما يبدو، من استقراء الأحكام الفقهية التي تنظم الحياة الداخلية للجماعة، من أحكام معاملات وقصاص وغيرها، ولو أنه اعتبر الأحكام التي تحدد مهمات الأمة تجاه الجماعات الإنسانية المغايرة لوجد مقاصد أخرى. يقول الدكتور لؤي صافي: “ذلك أن ما أسماه الشاطبي مقاصد الشريعة ليست سوى المقاصد العامة للأحكام القانونية الحقوقية، وليست هي مقاصد الوحي بكلياتها. فالشريعة في مصالح الفقهاء هي مجموع الأحكام الشرعية التي تنظم الحياة الجماعية ، و هي بذلك لا تطابق في معناها المصطلح القرآني” ينظر: العقيدة والسياسة،معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية، لؤي صافي، ص42..
[53] ينظر في الموضوع: الموافقات، الشاطبي،2/17-44. والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف العالم، الصفحات: 155- 173. والوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان، الصفحات: 375- 379. وأصول الفقه الإسلامي، مصطفى شلبي، الصفحات:511-521. وأصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، 2/ 1017-1207.
[54] ينظر: فقه الأولويات في الإسلام، مجدي الهلالي، ص:30-31،.
[55] ينظر: ضوابط المصلحة، البوطي، ص:217. وفقه الأولويات، القرضاوي، ص:99 و126. وفقه الموازنات، مسفر بن علي القحطاني، ص:55-66.
[56] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص:187.
[57] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب توقير النبي وترك إكثار سؤاله، رقم: 1337.
[58] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص:93.
[59] أثر المنهج الأصولي في ترشيد العمل الإسلامي، مسفر بن علي القحطاني، ص94.
[60] ينظر: ولسان العرب، ابن منظور(مادة: وزن). والقاموس المحيط، الفيروزآبادي، (مادة: وزن). تاج العروس، الزبيدي(مادة: وزن).
[61] مفردات القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق صفوان داودي، ص: 868.
[62] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، 1/51.
[63] مجموع الفتاوى، تحيق عبد الرحمان النجدي وابنه، 23/343.
[64] تأصيل فقه الأولويات: دراسة مقاصدية تحليلية ، محمد همام وعبد الرحيم ملحم ، ص:50.
[65]فقه الموازنات بين النظرية والتطبيق، ناجي السويد، ص:27.
[66]تأصيل فقه الموازنات، الكمالي، ص:49.
[67]دور المقاصد في توجيه الحكم بين الرخصة والعزيمة، بكر أبو حدايد، ص:28.
[68] فقه التمكين و أثره في تطبيق الأحكام الشرعية، عمر لطفي الجزاز، ص:55.
[69] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:493 .
[70] السياسة الشرعية، يوسف القرضاوي، ص:279. وينظر كذلك كتابه: فقه الأولويات، ص:29 وما بعدها.
[71] فقه الأولويات، القرضاوي، ص:30-31.
[72]السيرة النبوية، ابن كثير، تحقيق مصطفى عبد الواحد، 3/320.
[73] ينظر: الأشباه والنظائر، السيوطي، الصفحات: 83،86،87.
[74] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 28/26.
[75] ينظر: الأشباه والنظائر، السيوطي، ص87. والأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص95.
[76] قواعد الموازنة والترجيح المصلحي عند الإمام الشاطبي من خلال الموافقات، عبد الواحد الوزاني، ص:55.
[77] ينظر: أولويات الحركة الإسلامية، القرضاوي، ص:30. وقواعد الموازنة والترجيح، الوزاني، ص:54.
[78] أخرجه البخاري في بدئ الوحي، باب قوله تعالى: {سواء عليهم استغفرت لهم ..} رقم: 4905، وفي باب قوله تعالى {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة}، رقم: 4807. و مسلم، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، رقم : 2584.
[79] أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، بدء الوحي، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم: 6128. 6025.و مسلم في عن أنس بن مالك، كتاب الرفق، في باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات، رقم: 284.
[80] فتح الباري، ابن حجر، 1/325.
[81] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر}، رقم:4483، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، رقم:86.
[82] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ابن عبد السلام، 1/6-7.
[83] ينظر: الفتوى بين البناء المقاصدي والتنزيل المصلحي –دراسة في ضوابط النظر والتنزيل في نوازل المالكية- عبد الكريم بناني، ص: 59-62 .
[84] أخرجه الترميذي في السنن، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف رقم: 1716 وقال حديث حسن. ينظر في غزوة مؤتة: السيرة النبوية الصحيحة، ضياء العمري، ص:525.
[85] ينظر: الفقه الإسلامي في طريق التجديد، محمد سليم العوا، ص:46. فقه الموازنات، السويد، ص:27
[86] مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 10/366.
[87] فقه الأولويات، الوكيلي، ص: د.
[88] ينظر: مهارات الاجتهاد التنزيلي لفقه المصالح والمفاسد، سالم الشيخي، ص:165-166.
[89] الموازنة بين المصالح، أحمد الطائي، ص:185.
[90] تكوين ملكة المقاصد، يوسف حميتو، ص:116.