الحلقة السادسة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة، دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحلقة السادسة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،
دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
في الاجتهاد التنزيلي
تمهيد:
إن الاجتهاد الرشيد فرض كفائي عام في حق أهل العلم، وهو عيني في حق من لزمته النازلة بحسب الوسع والمستطاع، سواء في معرفة الأحكام، أو في استنباط الأحكام وانتقائها، أو في تنزيلها على الواقع.
في هذه الحلقة سوف نتحدث عن الاجتهاد عموما، والاجتهاد الجماعي بشكل خاص، وحظنا منه ما توصل إليه علماؤنا وقرروه، وباعتبار ثمرة هذا الاجتهاد هو الحكم الشرعي من جهة الدليل والمسمى الاستنباط، أو من جهة الواقعة والمسمى التنزيل.
وبعد الوقوف على معنى الاجتهاد عموما والاجتهاد التنزيلي خصوصا، سنبحث موضوعه، وسنتطرق للغاية منه ودواعي قيامه، وبعض ضوابطه، وعلاقة كل هذا بمستجدات الواقع وتنزيل الأحكام وبالتجديد.
المطلب الأول: مفهوم الاجتهاد التنزيلي.
أولا: الاجتهاد لغة.
يدور معنى الاجتهاد في اللغة[1] بين أربعة معاني وهي: بذل الوسع، والطاقة، والمشقة، والمبالغة والغاية.
ففي معنى المشقة يقال: الجَهد ما جهد الإنسان من مرض أو أمر شاق. وفي معنى بلوغ الغاية يقال: بلغت به الجهد؛ أي الغاية، من جَهَد في الأمر؛ أي طلبه حتى بلغ غايته في الطلب. وفي معنى بلوغ نهاية الشيء؛ يقال: “جهْدُ البلاء” وهي الحالة الشاقة التي تأتي على الرجل يختار عليها الموت. ومنه حديث الدعاء “أعوذ بك من جهد البلاء”[2]، أي الحالة الشاقة.
والاجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر، واجتهد في الأمر: بذل وسعه وطاقته في طلبه ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته. ويلزم عنه أن يختص اسم الاجتهاد بما فيه مشقة ليستبعد ما يدرك بالضرورة[3].
ثانيا: الاجتهاد اصطلاحا:
تعددت تعريفات الأصوليين لمصطلح الاجتهاد، وذلك حسب نظرة كل واحد منهم إلى ماهيته وبيان حده ومسائله؛ فمنهم من عمم مفهوم الاجتهاد ليشمل طلب القطع والظن، والحكم الشرعي العملي وغيره من الأحكام. ومنهم من صرح بقيد العلم أو بقيد الظن، ومَن جعل الاجتهاد متعلقا بفعل المجتهد-استفراغ الجهد- ومن اعتبره صفة له وملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام، وغير ذلك.
يضم الاتجاه المعمم كلا من[4]: الرازي، والبيضاوي، والشيرازي، والفتوحي، والإسنوي، وغيرهم، حيث الاجتهاد عندهم هو “استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية”[5]، فهو يشمل القطع والظن، لعدم تقييد درك الأحكام. كما يشمل الحكم الشرعي العملي وغيره من الأحكام مما لا يرتبط بأفعال المكلفين.
أما الاتجاه الذي يأخذ بعين الاعتبار قيد العلم، نجد: الغزالي وعلاء الدين البخاري ومن حدا حدوهما؛ يقول الغزالي: “صار-الاجتهاد- في عرف العلماء مخصوص ببذل المجهود في طلب العلم بأحكام الشريعة، والاجتهاد التام؛ أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحسُّ من نفسه بالعجز عن مزيد الطلب[6]. و نحوه في “كشف الأسرار”[7]للبزدوي. ويقصد بالعلم مطلق الإدراك الشامل للظن والقطع.
وذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى جعل الظن قيدا في تعريفاتها بدلا من العلم، ومنهم الآمدي[8] وابن الهمام[9]، وابن الحاجب الذي اعتبر الاجتهاد: “استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي”[10].
وجمع الإمام الشاطبي بين الظن والعلم في تعريفه، حيث نص على أن الاجتهاد: “استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم”[11].
ولإعادة الاعتبار إلى الجانب التنزيلي في الاجتهاد، نظرت طائفة من العلماء المعاصرين[12]، منهم: عبد الله دراز والشيخ أبو زهرة، وعبد الصمد الرضى، ومحماد رفيع… بنظرة شمولية تجمع بين استنباط الحكم وتنزيله، فيكون الاجتهاد بهذه المعاني هو: بدل الوسع والجهد العلمي من قبل عالم الشريعة، أو جماعة علماء متمكنين حسب الاختصاص، لاستنباط حكم شرعي أو مجموعة أحكام عملية، والنظر في تنزيلها بحسب المقصود الشرعي من هذه الأحكام والأحوال التي تتطلب ذلك.
ثالثا: المقصود بالاجتهاد التنزيلي وعلاقته بفقه التنزيل :
لم يكن للفظ “الاجتهاد التنزيلي” في مدونات المتقدمين ذكر، لكن ذكرت معانيه وصوره المتمثلة في القياس، وتحقيق المناط، والاستحسان، وسد الذرائع، … وغير ذلك مما ذكرناه في مطالب سابقة.
وقد استعمله المعاصرون بمفاهيم متعددة كلها تدل على معنى “الاجتهاد التنزيلي”. بعض هذه المصطلحات تدل على فرع من فروع فقه التنزيل، مثل: فقه الواقع، وفقه النوازل، والتكييف الفقهي، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات. وأخرى أقرب منها تعبر عن مراد “التنزيل” و”التطبيق”.
وعرفه بعض العلماء بـ: “الاجتهاد في التطبيق” وسوى بينه وبين الاجتهاد الاستنباطي في الأهمية، يقول الدكتور فتحي الدريني: “وليس الاجتهاد في التفهم والاستنباط بأولى من الاجتهاد في التطبيق (…) إذ التفهم للنص التشريعي يبقى في حيز النظر. ولا تتم سلامة تطبيقه إلا إذا كان ثمة تفهم واع للوقائع بمكوناتها وظروفها، وتبصر بما عسى أن يسفر عنه التطبيق من النتائج لأنها الثمرة العملية المتوخاة من الاجتهاد التشريعي كله. على أن النظر إلى نتائج التطبيق ومآلاته أصل من أصول التشريع”[13].
وذهب الدكتور النجار إلى تسميته بـ: “الاجتهاد في الصياغة” فقال: “وربما كان الاجتهاد في الصياغة أبين في فقه الفتاوى منه في فقه الأحكام، فهذا الفقه عند الأئمة المجتهدين خاصة يمثل قمة الاجتهاد في الصياغة بما هو تنزيل للحكم الشرعي المجرد على نوازل عينية مشخصه تنزيلا يصاغ فيه من تلك الأحكام ما يعالج تلك النوازل العينية فيتحقق التدين المطلوب”[14].
وأغلب من تعرض لموضوع الاجتهاد التنزيلي يربطه بفقه التنزيل، فهو يذكر الاجتهاد التنزيلي عرضا، ويقصد به فقه التنزيل.
أما المعنى الحقيقي للاجتهاد التنزيلي فهو ما توصل إليه الدكتور عبد الصمد المساتي بقوله:”إيقاع الأحكام الشرعية التي توصل إليها المجتهد بنظره في مدارك الأحكام، وفقه الواقع وحيثياته وملابساته، وأحوال المكلفين، على الوقائع بما يحقق مصالحهم في العاجل والآجل، وفق مقصود الشارع “[15]، بمعنى بذل المجتهد الوسع لتنزيل حكم شرعي عملي على واقعة معينة على نحو يفضي فيها هذا التنزيل إلى المقصد الشرعي من الحكم المعني.
وهذا يعني أنه لا يمكن أن نسميه اجتهادا تنزيليا إلا إذا توفرت فيه الأركان التالية:
- بذل فيه الجهد والوسع بدرجة قصوى من خلال الدليل التفصيلي ؛
- التوصل إلى تنزيل حكم شرعي على الوقائع الجزئية؛
- يجب أن يحقق المقصد الشرعي ويطابق روح دين الله تعالى ومقاصده، إذ التشريع مقاصد وسائلها الأحكام.
أما علاقة فقه التنزيل بالاجتهاد التنزيلي فهي علاقة علم بالعمل بمقتضاه، أو علاقة منهج بإعماله ونظر بممارسة، لأن “مرحلة تحصيل فقه التنزيل تتقدم مرحلة إجراء الاجتهاد التنزيلي في آحاد الوقائع، على نحو يجعل فقه التنزيل شرطا ضروريا في أهلية الاجتهاد التنزيلي، وعلما يحصل لزوما قبل القيام ببذل الوسع في تنزيل الأحكام على المحال المعينة المعروضة على نظر فقيه التنزيل”[16]. وبالتالي اعتبار فقه التنزيل وسيلة الاجتهاد التنزيلي وشرطه، والمنهج الذي يسدد العمل الاجتهادي.
المطلب الثاني: غاية الاجتهاد التنزيلي ومجالاته.
انتهينا في المطلب السابق إلى أن الاجتهاد التنزيلي هو بذل الوسع من ذي ملكة متخصصة لتعيين محل حكم شرعي عملي على نحو يفضي إلى المقصد الشرعي من ذلك الحكم، فالنظر إذن في المحل من حيث تعلق الحكم الشرعي به هو موضوع هذا النوع من الاجتهاد، لأن موضوع كل علم هو “الشيء الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له، تمييزا عن غيره”[17]. وتقدم أن فقه التنزيل هو وسيلة الاجتهاد التنزيلي وشرطه، فما غاية هذا الاجتهاد وما دواعي قيامه؟
- أولا: الغاية والدواعي.
غاية الاجتهاد التنزيلي هو تطبيق الحكم الشرعي بما يوافق مقاصد الشريعة. فإذا كانت ثمرة الفقه والأصول هو الحكم الشرعي كما قرر ذلك الإمام الغزالي؛ “إذ الحكم هو غاية الاجتهاد الاستنباطي”[18]، فإن الاجتهاد التنزيلي المقاصدي ينظر إلى مدى إفضاء الحكم إلى المقصد. فالثمرة المرجوة من ذلك هي المقصد الشرعي.
ويستلزم ذلك الإحاطة بعلوم الفقه واللغة والكلام، كما يحتاج ذلك العلم بالواقعة المراد تنزيل الحكم عليها، أو كما يعبر ابن القيم بالتمكن من شروط الفتوى والحكم وفهم الواقع والفقه فيه.
كما يحتاج النظر في مدى إفضاء الحكم إلى مقصده إلى العلم بمقاصد الشريعة، لأن الاجتهاد “إن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص لها أو مسلمة من صاحب الاجتهاد في النصوص فلا يلزم العلم بالعربية، وإنما يلزم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة”[19]. ومنه يكون استمداد علم الاجتهاد التنزيلي من علم الأصول وعلم المقاصد وعلم الواقع.
أما ضرورة قيام الاجتهاد لتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع وفق مقاصد الشريعة فيمكن حصرها في سببين اثنين هما:
- أن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية؛
- أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد؛
- النصوص متناهية والوقائع غير متناهية؛ وهذا ما ذهب إليه ابن القيم في استدلاله على الحاجة إلى الاجتهاد “لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث، ومن له مباشرة لفتاوى الناس، يعلم أن المنقول وإن اتسع فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعها، وأنت إن تأملت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة لا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم”[20]. وهذا ما تقرر عند أغلب الأصوليين، حيث أن الوقائع عندهم التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها، وهي تزيد على المنصوصات، زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد[21]، لأن الأولى غير متناهية والثانية متناهية، و “حيث لا يخفى على من شدا طرفا من التحقيق أن مآخذ الشريعة مضبوطة محصورة وقواعدها معدودة محدودة، فإن مرجعها كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآي المشتملة على الأحكام، وبيان الحلال والحرام معلومة، والأخبار المتعلقة بالتكاليف في الشريعة متناهية”[22].
وأكد هذا المعنى الإمام السرخسي بقوله: “ومعلوم أن كل حادثة لا يوجد فيها نص، فالنصوص معدودة متناهية، ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة”[23].
والشريعة وإن لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، فقد أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر من الوقائع وأفعال المكلفين، كما يعبر الشاطبي. ومقتضى الاجتهاد التنزيلي هو البحث عن حكم كل واقعة معينة على حدة مما يستوجب تنزيل تلك الأمور الكلية والعبارات المطلقة على الصورة الواقعة والمشخصة للنازلة.
والعلماء عندما تأملوا النصوص التشريعية في الكتاب والسنة، وجدوها متناهية، وعندما نظروا في الوقائع وتغييرها وجدوها غير متناهية، وقد ثبت لديهم أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، تقرر لديهم التوفيق بين المتناهي واللامتناهي للقدرة على استيعاب الوقائع من جهة الأحكام، هذا ما تطلب منهم نوعين من الاجتهاد: الاستنباطي والتنزيلي، قال الشاطبي: “الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة، الثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا(…) قال: فأما الأول: فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط”[24]؛ وهو ما نعنيه بالاجتهاد التنزيلي.
- الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد؛ بعيدا عن فوضى العواطف، وذرائع انحراف العقل الفردي، فأينما توجد المصلحة فثم شرع الله، وما وضعت الشرائع إلا لمصالح العباد في الآجل والعاجل معا.
أما كون الشريعة مصلحة، فهو أمر مسلم به لدى عامة المسلمين وخاصتهم، قال بذلك جمهور العلماء من كل عصر ومن كل مصر، ومن كل مذهب سوى الظاهرية.
ومن أقوال العلماء[25] المعبرة عن هذا المعنى القواعد التالية:
- الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد.
- الشريعة نفع ودفع.
- الشريعة جاءت لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها.
- الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا.
- الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها.
- حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، وحيثما شرع الله فثم المصلحة.
وهذه المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، وهي ما يسمى بمقاصد الشريعة، والأحكام التي جاءت بها الشريعة مُبوّءة لتحقيق هذه المقاصد.
والحكم يجب أن يؤول إلى تحقيق المقصد الشرعي منه عند التطبيق، مما استلزم هذا اجتهادا يعتبر في مبناه النظر في المناط والنظر في مآل الوقائع بعد تنزيل الحكم عليها. والنظر في مآلات الواقع أصل معتمد في الشرع، وعليه تفرعت بعض القواعد: كالاستحسان، وسد الذرائع، ومنع الحيل، ومراعاة الخلاف.
أما النظر في المناط فهو الشق الأكبر من الاجتهاد القياسي، وقد ثبتت مشروعيته عند أهل الأصول. وأما اعتبار قصد المكلف والعرف والعوائد فهي ثابتة عند أهل العلم[26] وظاهرة في أقوالهم “العادة محكمة” و”أن الأعمال بالنيات” و”المقاصد معتبرة في التصرفات، من العبادات والعادات” والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر. وهذا المسوغ وسابقه استلزم قيام هذا النوع من الاجتهاد وبين ضرورته.
- ثانيا: مسائل الاجتهاد ومجاله.
معرفة المسائل التي يمكن الاجتهاد فيها مهم في التنزيل، باعتبارها المادة الأساسية التي يتعامل معها المجتهد فهما وتنزيلا. وأغلب الأصوليين[27] الأوائل عبروا عن ذلك وتكلموا فيه عند حديثهم عن المُجتهَد فيه، وخلاصة ما وصلوا إليه أن الاجتهاد يكون في المسائل الشرعية التي ليس فيها دليل قاطع.
ولم يختلف العلماء المعاصرون عن هذا، ورائدهم في ذلك الدكتور يوسف القرضاوي حيث يقول: “والذي يظهر لي –والله أعلم- أن مجال الاجتهاد: هو كل مسألة شرعية ليس فيها دليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، سواء كانت من المسائل الأصلية الإعتقادية أم من المسائل الفرعية العملية”[28]. وتبعه في ذلك الدكتور وهبة الزحيلي حين قال: “مجال الاجتهاد أمران: ما لا نص فيه أصلا، أو ما فيه نص غير قطعي، ولا يجري الاجتهاد في القطعيات، وفيما يجب فيه الاعتقاد الجازم من أصول الدين”[29]. وذهب الدكتور فتحي الدريني إلى أن: “كل نص قاطع في الدلالة على معناه، بحيث أصبح مفسرا، تتضح فيه إرادة الشارع، دون لبس أو غموض؛ لا يجوز الاجتهاد فيه، بل يحرم”[30].
والنتيجة؛ أن ثمة شبه اتفاق بين معظم الأصوليين القدامى وأكثرالعلماء المعاصرين على كون مجالات الاجتهاد قاصر على المسائل التي لم يرد فيها نص على الإطلاق، والمسائل التي لم يرد فيها نص قطعي ثبوتا ودلالة.
ووجب التنبيه أن الاجتهاد الذي نتحدث عنه يكون في تنزيل الحكم، وليس في تحصيل الحكم الشرعي، والاجتهاد مع وجود النص يعتبر تحديا للنص ولواضعه، واستدلال البعض باجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعطيل حد السرقة مع وجود النص القرآني عام الرمادة، فهم في غير محله، حيث أن عمر جمع في اجتهاده بين قول الله تعلى: “والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما“المائدة؛33، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ادفعوا الحدود بكل شبهة”[31]، وكانت الشبهة هي المجاعة، وقد روي عن عمر رضي الله عنه قوله كذلك: “لأن أعطل الحدود بالشبهات، أحبُّ إلي من أن أقيمها بالشبهات”[32].
والملاحظ أن الأصوليين وأغلب المعاصرين تكلموا عن النص المُجْتَهَد فيه والواقعة مجال الاجتهاد من حيث الورود والدلالة، ولم يصرحوا بدلالة التنزيل، رغم أنها مضمنة بدلالة النص. لأن دلالة التنزيل أحيانا تزيد من قوة النصوص، وأحيانا تخفف من قطعيتها، والنص لا يكتسب القطعية الكاملة إلا إذا استجمع الشروط الثلاثة (الثبوت، والدلالة، والتنزيل) .
ودلالة التنزيل هي انطباق النص على الواقعة مع احتمال الخلاف وعدمه، فالأول دلالة التنزيل الظنية، والثاني دلالة التنزيل القطعية. والجديد في هذا التقسيم أن “وجود النص القطعي في الثبوت والدلالة، لا يعني انه قطعي في تنزيله، لأن إدخال دلالة التنزيل، يعني إعطاء المجتهد المساحة الواسعة للنظر في تنزيل النصوص، وجعل دلالة التنزيل خارج دائرة الثبوت والدلالة ستؤدي إلى الخلل في تطبيق الأحكام، والهدف هو تقليل الخطأ في تنزيل الشريعة على الواقع”[33].
المطلب الثالث: الاجتهاد التنزيلي والتجديد.
لا يكاد ينفك أمر التجديد عن الاجتهاد التنزيلي المطلوب، لأن الاجتهاد نفسه يعتبر من طرق التجديد، “فقد يكون الاجتهاد مرتبطا بما هو تشريعي، وإن اختلفت مجالاته، غايته التوصل إلى حكم شرعي، لكن التجديد لا يقف عند ما هو تشريعي فحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى الدين كله، كما لا ينحصر نشاطه في الحكم الشرعي، وإنما يستهدف حياة الإنسان كلها تقويما وتوجيها، فكرا وسلوكا، اجتهادا وجهادا”[34].
ولا ينبغي أن نفهم أن تجديد الدين بمعنى تسويغ البدع، ومطاوعة الرغبات، وإتاحة العبث بالنصوص والأصول من سولت له نفسه ذلك، بل إن تجديد الإسلام هو “إحياء علومه والكشف عن جوهره كما نزل من عند الله، وتجديد الإسلام هو هداية الفِطر أن تلمح بريقه، وتأخذ طريقه، وتصون حقوقه بدافع من الحب والرضا والاقتناع.
وتجديد الإسلام هو إحكام الصلة بينه وبين قافلة الحياة، لا ليلاحق سيرها فحسب، بل ليشرف على هذا السير، ويهيمن على اتجاهاته، وبذلك يكون الزمام لهدايات الرحمن، لا لهزات الشيطان(…) ونقل الناس من نطاق أهوائهم إلى حيث يرضى الله”[35].
ويعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم أول من تكلم عن التجديد في تاريخ التشريع الإسلامي، وتعتبر رسالته مجددة لدين الله تعالى ولواقع الناس، ولأن “أداة التجديد في الفكر الديني قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كانت مرهونة ببعثة الأنبياء، يتعاقب الأنبياء نبيا بعد نبي ورسولا بعد رسول يصدق كل واحد منهم أخاه الذي سبقه ويطور شريعته ليناسب تطور الزمان. ولكن بعد الرسالة الخاتمة أصبح الأمر محكما وأصبح التجديد منوطا بالعلماء وجماعة المسلمين”[36].
وفقه التجديد فقه شامل لا يعني بالجزئيات العبادية والتربوية والاقتصادية وغيرها لتحقيق أحكاما معزولة بعضها عن بعض، لكنه يعنى بجمع هذه الأحكام كلها في نظرة شمولية، ووضع كل منها موضعها في البنية الاسلامية السليمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعالميا كما يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.
روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”[37]، ومعنى التجديد في الشرع لا يبعد عن معناه في اللغة، فلا يعني تبديل الدين ولا تغييره على رأس كل مائة سنة، وإنما إعادته إلى جوهره الصحيح الذي كان عليه في زمن النبوة، وتنقيته من الشبهات والأباطيل التي قد تعلق به بسبب الغلو في الدين والتحريف، والاجتهادات الخاطئة، فتجديد الدين باختصار هو: إعادته إلى الحياة بعد تنقيته من التحريف والابتداع، وإحياء ما تم إغفاله ونسيانه من أحكام الكتاب والسنة والعمل به بعد فقه واقعه والاجتهاد في تنزيله.
لقد حض الإسلام على الاجتهاد والتجديد والتقويم والمراجعة، “وعلى الأخص كلما طال الأمد، وكاد الركود والتقليد الجماعي، والاستنقاع الذي يورثه التقليد وإلف العادات، أن يسيطر على المجتمع، لحماية الأمة ومتابعة النهوض”[38]. وهذا ما دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث تجديد الدين على رأس كل مائة سنة، وهذا الحديث لا يجوز أن يقتصر فهمه على الإخبار بما سيكون فقط وإنما له أبعاد أخرى متعددة، يأتي في مقدمتها وعلى رأسها بُعْدٌ تكليفي أيضا، يتضمن حمل الأمانة واستشعار المسؤولية عن هذا الدين، وحراسة النصوص، والاجتهاد لاستمرار عطائها وتحقيق الانفعال بها في حياة الناس. ذلك “أن من لوازم الخاتمية استمرار سلامة النص الإلهي في الكتاب والسنة، ليصبح التكليف في حياة الناس من جانب، وامتلاك المقدرة لتحقيق خلوده بالاجتهاد في تنزيل أحكامه على واقع الناس، وإنتاج النماذج الإسلامية على الأصعدة المتعدد من جانب آخر”[39] ذلك أن المُسَلّم به أن صوابية الاجتهاد لعصر معين لا تعني بالضرورة صوابيته لكل عصر.
وتظهر أهمية الاجتهاد في تجديد الدين، وفي مواكبة مستجدات الزمان والمكان، وفي الإجابة على النوازل والواقعات، وهو بحق يعتبر “العقل الساهر على نمو الفقه الإسلامي وازدهاره وعدم جموده، ودليل على وفاء الشريعة بحاجة الناس جميعا مهما تطورت حياتهم، وتشابكت نوازلهم، فإنها تبقى مواكبة لتطورات الفكر الإنساني ونتاج الحضارة إلى قيام الساعة”[40]. ومثل لذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم “فقه الزكاة” بقوله: “ثم هناك أمور جدت في عصرنا لم يعرفها فقهاؤنا القدامى ولا المتأخرون، وهذه الأمور تحتاج إلى إصدار حكم في شأنها، يريح الناس من البلبلة، ويرد على الأسئلة الحائرة على ألسنة جمهور المسلمين، هناك ثروات ودخول حديثة غير الأنعام والنقود والزروع والثمار، هناك العمارات الشاهقة التي تشيّد للإيجار والاستغلال، والمصانع الكبيرة والآلات والأجهزة المتنوعة، وشتى رؤوس الأموال الثابتة أو المنقولة التي تدر على أصحابها أموالا غزيرة من إنتاجها أو كرائها للناس، كالسفن والسيارات والطائرات والفنادق والمطابع وغيرها”[41].
وهذا المثال في الزكاة ممكن إسقاطه على مجالات عدة تدعوا إلى الاجتهاد التنزيلي والتجديد في أحكامها في هذا العصر، ومنها مراعاة العرف والعادة، لأن الأعراف أو بعضها تغيرت في عصرنا هذا، كما هو الحال في كل عصر من العصور، وهذا يقتضي تجديد الحكم السابق، أو الأخذ بمقتضى العرف الجديد لتتحقق مصالح الناس في التعامل، وحتى لا يقع حيف أو ظلم.
ومن ملامح هذا التجديد في الفقه والدين هو تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة، بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية. والاجتهاد ينبغي أن يساير الواقع المتغير دوما حتى يحقق مقاصد الشريعة، فنحن في حاجة إلى اجتهاد معاصر[42] يسهر على تطوير مؤسسة القضاء، ومؤسسة الحكم والوقف والاجتهاد والشورى والحسبة، وتطوير فقه المرأة بعد أن اختلف وضعها من حيث الاستطاعة والطاقة، وتطوير فقه الأقليات بعد اندماجهم في المجتمع، وانبثاق مؤسسات اجتماعية عن فريضة الزكاة، وتحويل زكاة الركاز إلى صندوق تنمية العالم الإسلامي، وتطوير النظرة إلى تقسيم العالم إلى دارين أو ثلاث، وغير هذا كثير.
المطلب الرابع: الاجتهاد الجماعي والشورى.
سبقت الإشارة إلى أن تحقيق المناط هو فهم الواقع لمعرفة مواقع الأمر والنهي الشرعيين وتنزيلهما فيه، فهو تطبيق الشرع على الواقع، أو هو معالجة الواقع ليحكمه الشرع لا ليحكمه الهوى. وقلنا أنه بدون هذا الفهم وهذا التنزيل وهذا التطبيق تبقى الشريعة نظرية عائمة في الفضاء، وهذا كله يحتاج إلى اجتهاد.
وما أسلفناه في تعريف للاجتهاد يعتبر عاما، إلا أن العلماء يقصدون به الاجتهاد الفردي المعروف، فقد كان العالم الواحد يجمع نصيبا من القرآن ومن الحديث، ومعرفة عميقة باللغة وأسرارها، ومخافة الله تعالى، فيصْلُح للاجتهاد، وهذا كان شأن الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، وكان الرجل الواحد يستطيع أن يجتهد في كل أو جل أبواب الفقه، وكانوا يُبيحُون تفرد العالم بالاجتهاد في باب واحد من أبواب العلم.
أما اليوم، فإن الاجتهاد يجب أن يكون قضية جماعية شورية، لأن ما يعرفه واقع المسلمين من تعقيد وتشابك، وقد استفحلت مشاكله وتفاقمت، وكثر الشرود عن الدين، لا يستطيع الفرد مهما أوتي من مؤهلات ومواهب أن يفك ألغازه أو يلم بأطرافه.
فما معنى الاجتهاد الجماعي؟
وما علاقته بالشورى؟
ومن له الحق في هذا الاجتهاد؟
وكيف يتم الاجتهاد الجماعي في واقع الدولة الإسلامية؟
- أولا: تعريف الاجتهاد الجماعي.
يعبر الدكتور الريسوني عن الاجتهاد الجماعي بأنه: “هو الذي ينبثق مضمونه ويصدر عن جماعة من العلماء، بعد التشاور والتحاور في المسألة المجتهد فيها”[43]، فأدخل عنصري (الجماعة، والتحاور) في الجهد الاجتهادي، وفي الموافقة على نتيجته، حتى يعطي الاجتهاد صفة “الجماعي”.
وبمعنى آخر، فإن الاجتهاد الجماعي هو “استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعا أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور”[44]؛ والقول: ب”أغلب الفقهاء”، قيد لبيان أن الاجتهاد الجماعي يختلف عن الاجتهاد الفردي في كونه جهد جماعة وليس جهد فرد، وإن هذه الجماعة تُكون أغلب العلماء المجتهدين أو أكثرهم[45]، وقولهم: “واتفاقهم جميعا أو أغلبهم على الحكم” قيد لبيان أن الاجتهاد الصادر من جماعة لا يكون جماعيا بالمعنى المقصود، إلا إذا نتج عنه حكم متفق عليه من جميع أولئك المجتهدين أو من أغلبهم[46]. أما إذا لم يتفقوا، وظل كل مجتهد محتفظ برأيه واجتهاده، فلا يتحقق الاجتهاد الجماعي، وإنما تكون النتيجة مجموعة من الاجتهادات الفردية المختلفة.
والفرق بين الاجتهاد الجماعي والإجماع، أن الإجماع يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي، بينما الاجتهاد الجماعي يكفي فيه اتفاق مجموعة من العلماء المجتهدين أو أكثر العلماء المجتهدين، ولا يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين، إذ لو تم هذا لكان ذلك إجماعا، وأيضا يكفي في الاجتهاد الجماعي اتفاق أغلب المشاركين في الاجتهاد[47].
وقولهم: “بعد تشاورهم” فيه بيان بأن الاجتهاد الجماعي لابد أن يكون الحكم الصادر عنه قد أتى بعد تشاور أولئك العلماء وتبادلهم للآراء، وتمحيصهم للأفكار، ومناقشتهم للأقوال بطريقة شورية، من خلال وسيلة يحددونها (كالمجالس أو المجامع أو المؤتمرات أو غير ذلك)، أما إذا حدث توافق بين آراء مجموعة من العلماء في حكم شرعي، وكان ذلك دون سابق تشاور بينهم حول ذلك الحكم، فإن هذا ليس اجتهادا جماعيا، وإنما هو توافق في الاجتهاد.
وبهذا المعنى جاء الأمر الإلهي للأمة أن تكون مجتمعة فلا تتفرق، وجمع شتات المسلمين لا يتم إلا باجتهادهم واجتماعهم، وذلك لا يكون إلا بالاجتماع العقلي والعلمي الذي يؤدي إلى الاجتماع الروحي والسلوكي. فقد جاء الأمر بأن يكون اعتصامنا بالله وحده لا شريك له وبكتابه ودينه، فلا يجوز الاعتصام بأحد من البشر، ولا بأية قوة من القوى، ولا بشرق أو غرب، وإنما نعتصم بحبل الله، قال تعالى:” واعتصموا بحبل الله جميع ولا تفرقوا“آل عمران؛103، والأمة الإسلامية أمة واحدة، فلا يصح أن نفرقها أو نمزقها إلى أمم وشيع وفرق أو كيانات صغيرة، وضعيفة، قال جل جلاله: “وأن هذه أمتكم أمة واحدة” المومنون؛52، كما نهى ربنا عن التنازع والخلاف المؤدي إلى الفشل وذهاب القوة قال تعالى:”ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” الأنفال؛46.
وخلاصة الصيغة الجماعية للاجتهاد؛ هو أن يمارس الاجتهاد العملي في مؤسسات علمية تضم كفاءات علمية نابغة متطلعة في مختلف التخصصات، بحيث “تتنوع إلى مؤسسات قطرية محلية تتولى دراسة قضايا الواقع المحلي بحثا عن الحلول الشرعية لها، ومؤسسات إقليمية تهتم ببحث الإشكالات الكبرى والقضايا المركزية التي تواجه الأمة الإسلامية”[48]، وتعالجها من مختلف الزوايا العلمية.
والمطلوب من هذه المؤسسات حتى تؤدي رسالتها، أن تتكامل في عملها وتتعاضد ضمن إستراتيجية علمية واضحة تقوم على مبدأين متكاملين:
أ- العمل على إيجاد الحلول الشرعية لإشكالات العصر.
ب- التنظير العلمي والتخطيط الاستراتيجي لإعادة بناء المعرفة الإسلامية المتكاملة في العقل الجماعي للأمة، وعقول أفرادها وذلك في أفق استئناف الحياة الإسلامية في الأمة[49].
والاجتهاد المعاصر لا يمكن أن يكون إلا اجتهادا جماعيا، اجتهاد تتكامل فيه الخبرات العلمية مع العلم بالنصوص، والتخصص الفقهي، وبعد النظر الأصولي. وإلى جانب المفسر المحدث، والأصولي الناظر، والفقيه المتخصص، لابد من خبراء في جميع مجالات الحياة ليساعدوا رجال الشريعة على تحقيق مناط الأحكام، وابتنائها بالصيغ الصالحة للتطبيق بما يؤدي للمصلحة. رغم ما يواجه ذلك من تحديات معاصر في تدبير المعارف اللازمة في مختلف الفنون، سواء تعلق الأمر بعلوم النص، أو بعلوم محله.
- ثانيا: الاجتهاد الجماعي شورى بين العلماء العابدين.
الاجتهاد اليوم مع تعقد الواقع واتساع المعمور، وتباين أحوال الناس وتشتت المسلمين لا شك يحتاج إلى اجتماع وهو ما نسميه بالاجتهاد الجماعي، فهو عبارة عن “عقد قران بين روح الشريعة ومقاصدها وبين الواقع المتطور والمصالح المتجددة”[50].
وقد سجل التاريخ التشريعي أن الاجتهاد الجماعي كان منهجا متبعا في عهد الخلفاء الراشدين، تطبيقا لوصايا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، فقد روى الطبراني رحمه الله في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال علي: يا رسول الله! أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك؟ قال صلى الله عليه وسلم: “تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة”[51].
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن علي رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا؟ فقال: “تشاور الفقهاء والعابدين ولا تجعلونه برأي خاصة”[52]. والحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح عن ابن عمر في سنّ الآذان، وفيه: “كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم غير ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا بلال، قم فنادي بالصلاة”[53]. وسنذكر حديث رؤيا الصحابة وتوافقها في صيغ الأذان لا حقا.
ومن هذه الأثار يتجلى مبدأ من مبادئ الإسلام العظيمة ألا وهو مبدأ الشورى، يقول أحمد الريسوني: “ولعل العنوان الجامع لأشكال الاجتهاد الجماعي ومجالاته في هذه الحقبة هو: “الشورى” وخاصة في المجالات الثلاث:الشورى في تدبير القضايا السياسية وغيرها من المشاكل والقضايا العامة.والشورى في استنباط الأحكام الشرعية التي لا نص فيها. والشورى في الأحكام القضائية”[54].
وعمل الفرد واجتهاده لا يصبح اجتهادا جماعيا إلا بعد التشاور حوله، وشورى الاجتهاد تكون بين فقهاء عابدين؛ إذن لا بد من توفر هذين الشرطين: العلم والإيمان.
وتتجلى قيمة الشورى في الاجتهاد في كون رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد. وبالنقاش الشوري، على مائدة البحث والاجتهاد، يلمح العالِم جانبا في الموضوع لا ينتبه له مجتهد آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطا كانت خافية، أو تجلى أمورا كانت غامضة، أو تذكر بأشياء كانت منسية، وهذه كلها من بركات الشورى، ومن ثمار العمل الجماعي دائما، وهو ما نسميه اليوم بعمل الفريق أو عمل المؤسسة.
وقد كان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه يفعل ذلك حينما ينزل عليه أمر. فقد روى ميمون بن مهران: “أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به ، قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم، فيقولون قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به”[55].
وكان عمر الفاروق رضي الله عنه يفعل ذلك، “فكان إذا لم يجد في القضية كتابا ولا سنة ولا قضاء من أبي بكر، دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به”[56]. فعن الزهري قال: “كان مجلس عمر مُغْتصا عن القراء شبابا وكهولا، فربما استشارهم ويقول:لا يمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه ، ولكن الله تعالى يضعه حيث يشاء”[57].
ونقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أنه كان إذا جلس حضر أربعة من الصحابة، فاستشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه[58]، ونقل مثل ذلك عن علي رضي الله عنه.
وإذا تأملنا فعل الخلفاء الراشدين واجتهادهم في القضايا والأحداث المستجدة التي ليس فيها نص من كتاب أو سنة وجدناه هو الاجتهاد الجماعي حقيقة، وهو امتثال لأمر الشارع في قوله تعالى لرسوله الكريم:” وشاورهم في الأمر” آل عمران؛159، وقوله عز وجل لجماعة المؤمنين:” وأمرهم شورى بينهم” الشورى؛38.
ومما لا ريب فيه أن رؤوس الناس وخيارهم، الذين كان يجمعهم أبو بكر وعمر- وعثمان وعلي- وقت عرض الحادثة، ما كانوا جميع رؤوس المسلمين وخيارهم، لأن عددا كبيرا من مجتهدي الصحابة كان في مكة والشام واليمن وفي ميادين الجهاد، ولم يرد أن أبا بكر أو عمر أجل الفصل في خصومة، حتى يقف على رأي جميع مجتهدي الصحابة في مختلف البلدان، “بل كان يمضي ما اتفق عليه الحاضرون لأنهم جماعة، ورأي الجماعة أقرب إلى الحق من رأي الفرد،(…) وهو في الحقيقة تشريع الجماعة لا الفرد”[59].
وقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، يجمعون في المسجد النبوي رؤوس الناس من ذوي الرأي، “فيستشرونهم في الأمور الخطيرة، ويحرصون أن يكون هذا المنهج الجماعي الشوري في الاجتهاد، هو الأسلوب الذي ينبغي أن يسير عليه ولاة الأمور في الأقاليم”[60].
وشهدت فترة حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز محاولة استرجاع للعمل بفكرة الاجتهاد الجماعي، فقد نقلت كتب السيرة عنه أنه: “لما ولي أمر المدينة نزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم: عروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عيينة، وأبو بكر بن عبد الرحمان، وأبو بكر بن سليمان، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر، وخارجة بن زيد، وهم إذ ذاك سادة الفقهاء، فلما دخلوا عليه أجلسهم، ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم”[61]. كان رحمه الله مجددا في زمن العض والاستبداد، فترة حكمه كانت نقطة نور في ظلام الحكم العاض.
وبعد عصر الصحابة وفترة بعض الملوك الصالحين لم يتحقق إجماع من أكثر المجتهدين لأجل التشريع، ولم يصدر التشريع عن الجماعة، بل استقل كل فرد من المجتهدين باجتهاده في بلده وفي بيئته، وكان التشريع فرديا لا شوريا[62]. ويمكن إرجاع السبب إلى خوف العلماء من هيمنة الساسة على مجامع أو مجالس الاجتهاد الجماعي، حيث إن السلطة بعد الخلافة الراشدة قد آلت إلى ملوك وأمراء-أغلبهم- لا يهمهم شرع الله ولا مصلحة الأمة[63].
ولن يكون الاجتهاد الجماعي ذا فاعلية إلا إذا توفرت له حماية من الدولة، كما كان الشأن في عهد الخلافة الراشدة، فالاجتهاد الجماعي سبيل لجبر ما انكسر ورتق ما انفتق من دين الله تعالى، على أن يتحرر العلماء المجتهدون من إسار الخوف من السلطان وأن يتجردوا في نظرهم إلا من الحق الذي لا يُعلى عليه، وأن يشمل اجتهادهم وبحثهم في فقه الأمة ما هي أحوج إليه في شؤونها التعبدية والسلوكية، وأيضا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
يجمل هذا كله الامام عبد السلام ياسين في قوله:”رأينا أن الاجتهاد لمستقبل الاسلام، مواكبا لإنشاء الأركان وإقامة الدولة، ينبغي أن يكون جماعيا شوريا يبتغي الاجماع ما أمكن”[64]. وفي دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوية يجب أن يكون الاجتهاد قضية جماعية شورية، فقد “استفحل الواقع، وتفاقمت مشاكله، وأمعن في الشرود عن الدين، وتجاوز كل ما ورثناه من فقه حتى أصبح مناط الأحكام فيه لا يكاد يبين. من أين نمسك الواقع لندخله في حوزة الشرع، كيف نراوده، كيف نرغمه، كيف نتدرج إلى تطويعه؟ لا يستطيع المجتهد الفرد أن ينهض لذلك وحده مهما كان تمكنه من علوم الشريعة. لا بد من إشراك ذوي الاختصاصات المتنوعة، لا بد من معاهد ترعاها الدولة الاسلامية”[65]، يوم تكون الدولة خادمة للدين لا جانية عليه.
هكذا يكون الاجتهاد الجماعي الشوري هو الحل في النهوض بالأمة وتوحيدها بعد قيام دولة العدل والشورى.
- ثالثا: الاجتهاد الجماعي التكاملي سبيل لتوحيد الأمة.
الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة، من أي وقت مضى إلى اجتهاد جماعي يوحد كلمتها، ويحل مشاكلها، ويرفع إرادتها، ويصحح نقلها ويرشد عقلها. ولعمري هذا لن يتأتى إلا برؤية منهاجية جماعية من طرف جماعة منظمة من العلماء ذوي الاختصاصات المتعددة وبمشاركة علماء الخبرة لتحقيق مناط الأحكام وتحديد مآل كل أمر مرجوّ من الحكم. يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: “وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع (النصوص المسموعة من القرآن والسنة)، واصطحب فيه الرأي والشرع (…) فلا تصرُّف بمحض المعقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد”[66]، وهذا لا يكون إلا بتجاوز الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد المؤسساتي، يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب: “ولا يجوز الاجتهاد بالرأي لفرد واحد مهما أوتي من المؤهلات والمواهب، لأن التاريخ قد أتبث أن الفوضى التشريعية في الفقه الإسلامي كان من أكبر أسبابها الاجتهاد الفردي، حيث تتشعب الآراء، وتكثر الخلافات التي تفرق وحدة الأمة إلى مذاهب وشيع”[67]، وتتطور الخلافات إلى نزاعات وخصومات وتكفير متبادل فحروب وهرج ومرج وفتنة.
وبنفس النبرة عبر الشيخ عبد الوهاب خلاف في قوله: “الذين لهم الحق في الاجتهاد بالرأي هم الجماعة التشريعية الذين توافرت في كل فرد واحد منهم المؤهلات الاجتهادية التي قررها علماء الشرع الإسلامي، لا يسوغ الاجتهاد بالرأي لفرد مهما أوتي من المؤهلات والمواهب، لأن التاريخ قد أتبث أن الفوضى التشريعية في الفقه الإسلامي كان من أكبر أسبابها الاجتهاد الفردي”[68].
ولذلك فإن في الاجتهاد الجماعي يكمل العلماء بعضهم بعضا، وما أحوجنا إلى هذا النوع من الاجتهاد التكاملي، خاصة وقد صار من المتعذر اليوم وجود المجتهد المطلق، وكاد أن يتعذر المجتهد الجزئي، فصار الاجتهاد الجماعي هو الممكن والمعوض لنا عن المجتهد المطلق والمسدد والمقارب بين المجتهدين الجزئيين.
ورغم أن المؤسسات الاجتهادية الرسمية الآن تفتقر إلى المصداقية والفعالية والاستقلالية؛ فإن بعض العلماء المعاصرين[69] اقترحوا نماذج للاجتهاد الجماعي المعاصر، لكل منها وظيفة معينة، نذكر منها على سبيل المثال:
- مجمع اجتهادي محلي ينظر في قضايا ومسائل محلية، لها ارتباط بقُطر ما وبأعرافه ومصالحه المجتمعية المحددة.
- مجمع اجتهادي إقليمي ينظر في مسائل وقضايا لها اتصال بإقليم ذي صفات وعادات وتقاليد ومصالح مشتركة ومحدودة.
- مجمع اجتهادي أممي ينظر في مسائل وقضايا أممية لها مساس بعموم الأمة بغض النظر عن أقطار أفرادها.
لكن في واقعنا المعاصر هناك تحديات وعقبات خصوصا ما يخص الأنظمة الحاكمة في أغلب الدول الإسلامية والتي يغلب عليها التوجه العلماني والليبرالي. صحيح الوضع حرج، لكن “نحتاج فيه إلى فقه الموازنات وترتيب الأولويات حتى يأذن الله عز وجل بعد اجتماع الدعوة والدولة في يد أمينة”[70]، فينجمع للمسلمين أمرهم، وتعود لهم عزتهم على جميع المستويات، وما ذلك على الله بعزيز.
خلاصة:
لم تكن مشروعية الاجتهاد الجماعي وأولويته، يوما، موضع اختلاف. ورغم أن المتقدمين، من الفقهاء والأصوليين، لم يناقشوا هذا الموضوع بنفس الاصطلاح المتداول اليوم، إلا أن كتبهم ومؤلفاتهم زاخرة بنماذج عملية وفعلية للاجتهاد الجماعي، وخاصة في العصر الأول، العصر الأمثل؛ العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
وإذا كان الاختلاف حول محل الاجتهاد، سواء كان فرديا أو جماعيا، هل يكون مع وجود النص أو غيابه، أو مع النص القطعي الدلالة أو ظني الدلالة، فإنه يمكن الخروج بخلاصة مفادها؛ أن الاجتهاد عموما يكون في النص، وليس مع النص، إذ أن هناك فرقا كبيرا بينهما، والاجتهاد الذي نعنيه؛ يكون بمعرفة شرط تطبيق النص، ولو كان قطعيا ومفسرا، وظروف تنزيله على الواقع العملي باستخراج مقصده، وتحقيق مآربه، وهذا يتطلب: فقه الواقع المتعلق بالنص، وفقه مقاصده، وفقه الموازنات والأولويات، والنظر إلى مآلات الأفعال، وهذا ما يصطلح عليه في بحثنا بمرتكزات الاجتهاد التنزيلي ومقومات فقه التنزيل، كما سنرى في المبحث الموالي إن شاء الله تعالى.
في الحلقة القادمة سنتعرف معكم على أولى مرتكزات فقه التنزيل ومقوماته.
“فقه الأولويات”
يتبع….
[1] ينظر: لسان العرب، ابن منظور(مادة: جهد). والقاموس المحيط، الفيروزآبادي. والمصباح المنير، المقري، (مادة: جهد).
[2] أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء، رقم: 5987.
[3] ينظر: المستصفى، الغزالي،2/382. والإحكام، الآمدي،4/169. والبحر المحيط ، الزركشي،6/197.
[4] ينظر: المحصول، الرازي،6/6. ونهاية السول، الإسنوي، 4/528. واللمع، الشيرازي، ص:129. وشرح الكوكب المنير المسمى مختصر التحرير، الفتوحي، 4/458.
[5] نهاية السول في شرح منهاج الوصول، الإسنوي،4/528.
[6] المستصفى، الغزالي، 2/301.
[7] كشف الأسرار على علم أصول فخر الإسلام للبزدوي، علاء الدين البخاري، 4/20 .
[8] ينظر: الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 4/396.
[9]ينظر: التحرير في أصول الفقه، كمال الدين ابن الهمام، ص:523.
[10]مختصر المنتهى، ابن الحاجب، 2/252.
[11] الموافقات، الشاطبي، 4/93.
[12] ينظر: هامش الموافقات، تعليق: عبد الله دراز، 4 /89.و أصول افقه، أبو زهرة، ص:396. والاجتهاد تأصيلا وتأريخا وتجديدا، محماد رفيع، ص:13. والاجتهاد في السياسة الشرعية، عبد الصمد الرضى، ص:34.
[13] المناهج الأصولية، فتحي الدريني، ص:5.
[14] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار،1/176.
[15] الاجتهاد التنزيلي والتغيرات المعاصرة، عبد الصمد المساتي، ص:41.
[16]المرجع السابق، ص:44.
[17] الأحكام، الآمدي، 1/7.
[18]المستصفى، الغزالي، ص:45.
[19] الموافقات، الشاطبي،4/117.
[20]أعلام الموقعين، ابن القيم، 4/ 204.
[21] البرهان، الجويني، 2/499 وما بعدها.
[22] بداية المجتهد، ابن رشد، المقدمة، 1/1 .
[23] أصول السرخسي، السرخسي، 2/108.
[24]ينظر:الموافقات 4/64-65.
[25] ينظر: الاجتهاد النص، الواقع، المصلحة، الريسوني، ص22 وما بعدها.
[26]ينظر: الموافقات، كتاب الاجتهاد، (قواعد المآل)، وجميع كتب القواعد الفقهية قد فصلت في هذه القواعد، وقد اعتبرتها من القواعد الخمس التي بني عليها الفقه الإسلامي.
[27] يقول الإمام الغزالي: “والمُجْتَهَدُ فيه: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي”، المستصفى في علم الصول، 2/397. و ينظر: المحصول في علم الصول، الرازي، 6/39. و كشف الأسرار، علاء الدين البخاري، ص:4/20.
[28] الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، القرضاوي، ص: 65.
[29]الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، وهبة الزحيلي، ص: 187.
[30] المناهج الأصولية، فتحي الدريني، ص:24.
[31]المصنف، ابن أبي شيبة، في درء الحدود بالشبهات، 5/511.
[32] الاستذكار، ابن عبد البر،7/15. وقال الألباني: “رجاله ثقات” ، إرواء الغليل،7/344.
[33]فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:125و126.
[34] الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع، أحمد بوعود، ص:10.
[35] الاجتهاد الجماعي؛ الدواعي والهداف، إدريس مقبول، ، مجلة منار الهدى، العدد 5/6، ص: 22.
[36]تجديد الفكر الإسلامي، حسن الترابي، ص: 18.
[37] رواه أبو داود في سننه كتاب الملاحم، باب ما يذكر في القرن مائة، رقم:4291. وقال الألباني: “إسناده صحيح”، السلسلة الصحيحة: رقم:599.
[38] الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي، عبد المجيد الشرفي، المقدمة، ص:17.
[39]المرجع السابق، ص:17 و18.
[40] الفقه المقارن ودوره في الاجتهاد والتجديد في القضايا المعاصرة، عبد الواحد الوزاني، مجلة دعوة الحق، العدد: 416، ص136.
[41]فقه الزكاة، يوسف القرضاوي ، ص: 1/27.
[42]ينظر: تجديد الفقه الإسلامي -حوارات لقرن جديد-، وهبة الزحيلي و جمال عطية، ص:17 وما بعدها.
[43] الاجتهاد الجماعي، أحمد الريسوني، المؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها، المجمع الفقهي الإسلامي، ص3.
[44] الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي، عبد المجيد الشرفي، ص 46.
[45]ينظر: المرجع السابق، ص:46.
[46] ينظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، يوسف القرضاوي، ص:184.
[47]المرجع السابق، ص: 47 .
[48] أدوات النظر الاجتهادي المنشور في ضوء الواقع المعاصر، مصطفى سانو، ص:50 وما بعدها.
[49] من أولويات الاجتهاد المعاصر، محمد رفيع، ، منار الهدى، العدد:5/6، ص:17.
[50]الاجتهاد الجماعي، محمد عمارة، جريدة البيان الإماراتية، السبت 9 رمضان1422، الموافق 24/11/2001م.
[51] إعلام الموقعين، ابن القيم 2/54، قال الهيتمي: رجاله موثقون من أهل الصحيح، مجمع الزوائد، 1/183.
[52] رواه الطبرني في المعجم الأوسط، 2/172. والهيتمي في مجمع الزوائد، 1/183، وقال رجاله من أهل الصحيح.
[53] أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب بدء الأذان، رقم:579. وقد علق القاضي أبو بكر بن العربي على هذا الحديث فقال: “وفي هذا الحديث دليل على أصل عظيم من أصول الفقه، وهو القول في الدين بالقياس والاجتهاد”، ينظر: القبس في شرح موطأ مالك بن انس، 1/194-195.
[54]الإجتهاد الجماعي، أحمد الريسوني، ص:3.
[55] أخرجه الدارمي في السنن؛ ج1 ص:53. وقال ابن حجر: “إسناده صحيح”، فتح الباري،13/354.
[56]إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/62 وما بعدها.
[57]كنز العمال، المتقي الهندي، كتاب العلم من قسم الأفعال، باب فضله والتحريض عليه، رقم: 29354.
[58] ينظر: الشهب اللامعة في السياسة النافعة، ابن رضوان المالقي، ص145 وما بعدها.
[59] علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص:50.
[60]الاجتهاد الجماعي، عبد المجيد الشرفي، ص:51.
[61]أصول التشريع، علي حسب الله، ص128. وينظر: الاجتهاد الجماعي في الشريعة الإسلامية، زكريا البري، أبحاث مؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ص:256.
[62] ينظر: الاجتهاد في التشريع الإسلامي، محمد سلام مذكور، الصفحات: 125- 130.
[63] ينظر في ذلك : فقه الشورى والاستشارة، توفيق الشاوي، الصفحات: 190. 392. 393. 401.
[64] نظرات في الفقه والتاريخ، عبد السلام ياسين، ص:85.
[65]المرجع السابق، ص: 75.
[66] المستصفى، الغزالي، 1/3.
[67] سد باب الاجتهاد وما ترتب عليه، عبد الكريم الخطيب، ص45
[68]مصادر التشريع فيما لا نص فيه، عبد الوهاب خلاف، ص13.
[69] اقترح الدكتور الريسوني وجود هيئة قارة، تضم علماء مجتهدين محددين من عموم الأقطار والمذاهب الإسلامية، تجتمع وتتدارس القضايا المعروضة على أنظارها، وتصدر فيها رأي اتفاقي أو أغلبي. والمثال هنا هو المجامع الفقهية العالمية غير المذهبية (مثل: المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، المجمع الفقهي لأمريكا الشمالية، المجمع الأوربي للإفتاء والبحوث…)، الاجتهاد الجماعي، ص8-9. وينظر:أدوات النظر الاجتهادي المنشود، قطب سانو، ص198؛ وقد عبر عن ذلك ب “مجمع إجتهادي” وليس “فقهي” لكون النظر الاجتهادي المنشود في هذا العصر أرحب وأوسع من أن تكون في القضايا والمسائل الفقهية المحدودة. ، أدوات النظر، ص:182.
[70]الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع، أحمد بوعود، ص138.