الحلقة الرابعة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة الرابعة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،
دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
مقدمات لازمة لفقه التنزيل
تمهيد:
لا بد لفقه التنزيل من أسس ومستلزمات يجب توفرها كمقدمات مهمة وضرورية لولوج هذا العلم، وهي جملة أمور شرعية ولغوية وواقعية يتطلبها فقه تنزيل الأحكام حتى يحقق المقاصد المرجوة من عملية الاجتهاد التنزيلي.
وهذه المستلزمات تقوم على فقه النص الذي يراد تنزيل حكمه وتطبيق علته ومقصده، وأساسيته جملة المعلومات والمعطيات الأصولية واللغوية التي يجب على المجتهد المقاصدي استحضارها في التعامل مع النص الشرعي، وفهمه قبل تنزيله. ثم يأتي فقه الواقع بما هو ميدان الفعل والتصرف والتطبيق الذي سيكون محكوما بذلك النص وموجها نحو مقاصده وغاياته. ولكمال التنزيل وجب العلم بالموضوع، والنظر في الحادثة المستجدة أو الظاهرة الجديدة، وفحص طبيعتها وسماتها وملامحها، ومعرفة شرعيتها، وتسليط الحكم الشرعي عليها بموجب تحقيق المناط الذي تتفاوت درجاته ومراتبه بتفاوت العقول والملكات، علما وصلاحا، فهما وتنزيلا.
فماذا نعني بفقه النص؟ وما هي قواعده؟
وما العلاقة التي تربطه بفقه التنزيل؟
المطلب الأول: فقه النص وما يتعلق به.
يعتبر فقه النص الخطوة الأولى في فقه التنزيل، وأساس الاستنباط، ولذلك فأي خلل يقع في فهم النص يعود بنفس النتيجة على تنزيل الحكم. و قد سبق لنا أن فصلنا في مفهوم الفقه وما يعنيه من الفهم والفطنة والعلم، أي بمعنى الفهم العميق النافذ الذي يتعرف غايات الأقوال والأفعال، وهو المعنى الذي دعا به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه في حديث “اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل”[1] ، حتى ينير الله بصيرته، “فيتعمق في فهم حقائق الدين وأسراره ومقاصده ولا يقف عند ألفاظه وظواهره”[2].
- الفرع الأول: في مفهوم النص؛
- أولا: النص لغة.
المتتبع لكلمة “النص” في المعاجم العربية يجد معناها يدور حول معاني: الظهور والرفعة والتعيين:
يقال: نصَّ الشيء رفعه، ونصّت الدابة رأسها رفعته، ونصّ الحديث ينُصه أي: رفعه، وكل ما أُظهر فقد نصّ، وانتص الشيء؛ ارتفع واستوى. وأصل النص أقصى الشيء، ثم سمي به ضرب من السير السريع. والنص: الإسناد لذي المقام الأعلى، والتوقيف والتعيين على شيء ما، يقال: نص الحديث إليه رفعه. والنص التحريك وبلوغ الغاية، ومنه نص ناقته، أي: استخرج أقصى ما عندها من السير. وقال ابن الأعرابي اللغوي(ت:340هـ) النص الإسناد إلى الرئيس الأكبر، والنص: التوقيف، والنص التعيين على شيء ما، ونصُّ الأمر شدته. ومنه قول العلماء: نص القرآن ونص السنة، أي ما دل ظاهر لفظهما عليه من الأحكام[3].
وهذا المعنى الأخير المقيد بالدلالة على الأحكام من الكتاب والسنة هو المقصود بالنص في بحثنا، وهو الذي يقع عليه فعل الاجتهاد.
- ثانيا: النص في الاصطلاح.
يطلق النص في الاصطلاح على معان متعددة، منها معاني خاصة -في العرف العام- كالظاهر والمفسر والمحكم والنص، ومنها معاني عامة ويقصد بها نصوص الكتاب والسنة. يقول الإمام الزركشي:”أحدها مجرد لفظ الكتاب والسنة، فيقال الدليل إما نص أو معقول، وهو اصطلاح الجدليين، يقولون هذه المسألة يتمسك فيها بالنص، وهذه بالمعنى والقياس. والثاني: ما يذكر في باب القياس، وهو مقابل الإيماء. والثالث، نص الشافعي، فيقال لألفاظه نصوص باصطلاح أصحابه قاطبة. الرابع: حكاية اللفظ على صورته، كما يقال نص لكلام فلان. الخامس: يقابل الظاهر”[4]. وما يقابل النص هو الظاهر.
وقد قسم العلماء النصوص، بالمعنى العام المشار إليه سلفا، إلى:نص ظني الثبوت ظني الدلالة، ونص ظني الثبوت قطعي الدلالة، ونص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ونص قطعي الثبوت ظني الدلالة.
ولعل التقسيم الأنسب لموضوعنا هو تقسيم النصوص بحسب خدمتها للاجتهاد التنزيلي وهي نوعان:
الأول: نصوص تنزلت على مناطات أصلية معتادة من القدرة وإمكان الامتثال، وجل العمومات في القرآن والسنة من هذا القبيل. والثاني: نصوص تنزلت على مناطات تبعية خصصت العموميات.
وتقييد الفقهاء للنص باعتبار ما يدل عليه من الأحكام من الكتاب والسنة، هو ما يعنينا في هذا الموضع، وهو النص الذي يقع عليه الاجتهاد الاستنباطي والاجتهاد التنزيلي.
أما مفهوم فقه النص فيتأسس على كونه وسيلة الاستنباط، سواء أكان الاستنباط عينيا أو مرسلا، لأن “كل نازلة تنزل بالناس لا تعدم من كتاب الله وسنة نبيه الدليل على سبيل الهدي فيها؛ إما بنص معين أو معنى كلي مستقرئ من نصوص تدل بمجموعها لا بأعيانها عليه، وهو الاستدلال المرسل الذي يحقق معنى الشمول في الشرع الإسلامي”[5]. ويكون بذلك فقه النص منهج تحصيل الأحكام من نصوص الشرع.
- الفرع الثاني: قواعد فقه النص.
إن فهم الدين من أصله النصي ليس بالأمر الهين الذي يحصل على نحو أقرب إلى التلقائية، كما يظن بعض الناس، بل هو أمر خطير الشأن، “وخاصة إذا لابسته ظروف من الضعف، في فقه اللغة العربية، وقوانينها في التعبير، أو من الميل إلى التعسف في استخراج المعاني من وعائها اللغوي، كما أن لعملية الفهم، علاقة بكسب العقل البشري من العلوم والمعارف، التي يكسبها من خارج دائرة النص، بل إن لها علاقة بذات الواقع الزمني في أحداثه وتفاعلاته، سواء ما كان منها من نزول الوحي، أو زمن عملية الفهم”[6]. وهذه الضوابط بمثابة قواعد عامة من شأنها أن تسدد عملية الفهم وفقه النص، وتعتبر مفتاحا لفهمه قبل تنزيله، وهي قواعد متفق عليها بين كل من يريد أن يتصدى لعملية الاجتهاد؛ وهي كالتالي:
أولا: اللغة العربية: إن أحكام الدين يحملها وعاء من اللغة، هي اللغة العربية، وقد اختارها الله تعالى لتحمل الدين الأبدي، والحكمة من ذلك أنه ليس هناك لغة تملك القدرة على التبليغ أكثر من اللغة العربية. وإنه من لا يعرف اللغة العربية يصعب عليه فقه النص من قرآن أو حديث، ونقصد باللغة العربية كل ما ينبني عليه الخطاب العربي، ولا يكفي الإنسان أن يحسن القراءة وتركيب جمل بالعربية لكي يعتبر فقيها للنص.
وفي معرضه لشروط المجتهد، شدد الشاطبي على هذا الشرط، بل طالبه أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه[7]. وحمل النفي الوارد عند الأصوليين على نفي اشتراط معرفة جميع اللغة، وأن معنى أن يعلم المجتهد من العربية القدر الذي يفهم به خطاب العرب، إنما يقصد به “تحرير الفهم حتى يضاهي العربي في هذا المقدار، وليس من شرط العربي أن يفهم جميع اللغة، ولا أن يستعمل الدقائق”[8].
والشاطبي هنا يحث على بلوغ درجة الاجتهاد في العربية، لكي لا يبني الفقيه اجتهاده على التقليد في اللغة، وهو شرط يتعلق بفهم النصوص من الكتاب والسنة، ويلزم لتحقيق ذلك معرفة كيفية دلالة الألفاظ على معانيها وطرق هذه الدلالات. ذلك أن “اللفظ قد يفيد معناه بناء على الوضع اللغوي، أو بناء على سريان العرف في الاستعمال، أو بناء على الإطلاق الشرعي، مما يستوجب معرفة مختلف الاعتبارات في الإطلاق، من أجل حمل اللفظ على معناه المقصود عند الخطاب”[9].
وهذا يقتضي إتقان علم النحو والصرف، وإدراك دلالات الألفاظ والقدرة على التمييز بين الحقيقة والمجاز والمحكم والمتشابه والعام والخاص والمطلق والمقيد، وصيغ الأمر والنهي ومراتبها. فتنشيط فقه اللغة العربية وحذق آدابها وفنونها من الأمور المهمة التي ينبغي التسلح والتذرع بها دائما لفقه النصوص من الكتاب والسنة، والفهم السديد والتنزيل الصائب لأحكام الدين؛ وهو القدر الذي يستولي به المجتهد على مواقع الخطاب، ويدرك حقائق المقاصد من ذلك.
ثانيا: فقه النص على ضوء أسباب النزول والورود: اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون هناك سبب نزول الوحي حتى نتعلم ونفهم أوامر الشرع ونواهيه، ونطبقها كما أراد لها سبحانه وتعالى، فكان التشريع حسب حاجات البشر ومتطلباتهم وواقعهم، وأحكام الشرع في الغالب إنما نزلت بأسبابها.
ومن المعلوم أنه مما يعين على حسن فهم القرآن، معرفة أسباب نزوله، فالعلم بأسباب نزول آيات القرآن الكريم وأحكام الشرع الحنيف يبين لنا “من جهة؛ طرق الشرع في معالجة قضايا الناس. ومن جهة أخرى، يدلنا على دلالات النص أو الحِكم التي قد لا تسعف الألفاظ اكتشافها. ومن جهة ثالثة، يعطينا مجالا واسعا للقياس والاجتهاد في تطبيق الأحكام والبحث عن أخرى لقضايا تشتبه في العلة”[10]. وهذه الوقائع والأحداث، التي كانت أسبابا لنزول الوحي، تحمل من القرائن ومن مقتضيات الأحوال ما يكون ضروريا في فهم المراد الإلهي، من النصوص التي نزلت في شأنها، والتغافل عنها، قد يكون مدعاة إلى صرف المعنى عن حقيقة مراده إلى ما يخالفه.
وقد درج ابن العربي في تفسيره أحكام القرآن على بدء تفسير الآية بذكر سبب نزولها، لأن ذلك يعين على فهم النصوص القرآنية، وفي تقرير الأحكام الشرعية التي تضمنها. وهذا حبر الأمة ابن عباس، رضي الله عنه، يعزو اختلاف الأمة بعد الصحابة إلى اختلافهم في فهم النص القرآني[11]، هذا الاختلاف الناشئ عن الجهل بأسباب النزول. يقول ابن تيمية: “معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب”[12].
وإذا كانت أسباب نزول القرآن الكريم مطلوبة لمن يفهمه أو يفسره، كانت أسباب ورود الحديث ألزم طلبا لمن أراد فهم السنة النبوية، لأن القرآن بطبيعته عام وخالد، وليس من شأنه أن يعرض للجزئيات والتفصيلات، إلا لتؤخذ منها العبر والمبادئ. أما السنة الشريفة فهي تعالج كثيرا من المشكلات الآنية والموضعية والجزئية، وتتضمن من التفاصيل والخصوص ما ليس في القرآن الكريم. “فالناظر المتعمق يجد أن من الحديث ما بني على رعاية ظروف زمنية خاصة، ليحقق مصلحة معتبرة، أو يدرأ مفسدة معينة، أو يعالج مشكلة قائمة في ذلك الوقت، أو يكون مبنيا على عرف قائم في ذلك الوقت، ولكنه لم يعد قائما اليوم، ومعنى هذا أن الحكم الذي يحمله الحديث قد يبدو عاما ودائما، ولكنه عند التأمل مبني على علة، يزول بزوالها، كما يبقى ببقائها، أو على عرف ينتفي بانتفائه”[13].
فلا بد من التمييز بين العام والخاص، و بين ما هو خالد وما هو مؤقت، وما هو كلي وما هو جزئي، فلكل حكمه الخاص به، والنظر إلى الأسباب والملابسات والظروف والسياق تساعد على استقامة الفهم وسداده. ويتبع هذا -في فهم الشريعة- إتباع معهود العرب الذي نزل القرآن الكريم بلسانهم، وضبط ألفاظهم الخاصة وأساليب معانيهم العامة والظاهرة، وفهم كلامهم سواء بالمعنى أو بالإشارة، ومعاني الأسماء وغير ذلك مما هو معروف عند العرب ومألوف لديها.
وهكذا فإن النصوص من الكتاب والسنة في معانيها وأساليبها على هذا النمط والترتيب لا يجوز إهمالها، فيحيد الفهم عن المراد. وكل “من جهل هذا الترتيب في الأساليب والمعاني فليس له أن يتكلم في كتاب الله تعالى فهما ولا تنزيلا”[14]. أما من التزم المنهج فإنه يكون قد ملك آلة الفهم، يقول الإمام الشافعي:”وإنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على جهل لسانها”[15]. وربط النص بسبب نزوله لا يعني دائما اختصاصه بالواقعة، لكن معرفة السبب شرط في فقه النص وفقه تنزيل حكمه على واقع المكلف.
ثالثا: فقه النص على ضوء المقاصد: إنه لا يستقيم فهم النص بمجرد الوقوف على ظاهره والجمود على حرفيته، دون ربطه بالمقاصد العامة للتشريع وعلل الأحكام، إذ “لا يلزم في ذلك العلم بالعربية، وإنما يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة”[16].وهذا يعني ضرورة إدراك المقاصد الكلية والجزئية للقرآن الكريم والشريعة الإسلامية، فعلى ضوء ذلك يمكن أن نفقه النص ونكشف دلالاته دون أن نحيد عن مقاصده الشرعية.
إذ لا بد للمجتهد، وهو ينظر في هذه الجزئيات، من استحضار كليات الشريعة ومقاصدها العامة، وقواعدها الجامعة. ولا بد أن يكون الحكم مبنيا على الأدلة الكلية والأدلة الجزئية. ولا شك أن المقاصد والأغراض تتفاوت، وأن الظروف والأحوال تتغير، فمن يقف عند دلالات النصوص في ذاتها يجمد عليها، ويجني على الشريعة بتفويت مقاصدها وأغراضها، وجعلها غير ملائمة لما يجدُّ من الظروف والأحوال فيها، “بينما جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنها، في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، وذلك هو المقصود الكلي للشريعة الإسلامية”[17]. وقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم ليحقق مقاصده في الخلق، قال تعالى:”يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمومنين” يونس؛57، إنه موعظة وشفاء لما في الصدور ورحمة وهدى لكل مؤمن، هي مقاصد في أربعة صفات للقرآن الكريم تمثل أصول كماله وأهم خصائصه.
وعلى هذا ينبغي أن تفهم وتفقه النصوص والأحكام في ضوء مقاصدها، لأنها معللة بمصالح وضعت لأجلها.
- الفرع الثالث: علاقة فقه التنزيل بفقه النص.
يعتبر فقه النص خطوة أولى في الاجتهاد، سواء كان ذلك من أجل تنزيله أو الاستنباط منه. وأي خلل يقع في فقه النص يعود بالسلب على عملية الاجتهاد. ولا يصح في فقه التنزيل الاستشهاد بالنص من غير الجمع لكل حيثياته وملابساته.
وإذا عُلم أنه لا تنزيل قبل الفهم، فإنه كذلك لا عبرة بفهم لا يثمر تنزيلا. وفي هذا يقول الدكتور النجار: “إن الخلل الذي يطرأ في تنزيل الدين على واقع الحياة يؤدي من طرف قريب في عصيان الأحكام إلى المروق من الإسلام كما رآه بعض المسلمين (…) وهو يؤدي عند سائر المسلمين إلى موضع إيماني شديد الضعف، لا يكاد يغني في ميزان الدين شيئا”[18].
وما نال فقه التنزيل هذه الأهمية إلا لكونه ثمرة لفقه النص وتطبيقا فعليا وتمثيلا عمليا للأحكام الشرعية على الواقع. وبهذا تكون مرحلة فقه النص وفهمه، وتحصيل قواعده، وضوابطه، وأسسه المنهجية، مرحلة علمية قبل مرحلة التنزيل، ولأن التنزيل الصحيح يكون لما تم فهمه وفقهه، لأن الفهم المقصود هو فقه الدين باعتباره تعاليم هادية إلى الحق، ثم فهم الواقع الذي يراد إصلاحه.
وقد جعل الإمام الشاطبي رحمه الله الاجتهاد في تنزيل الحكم على الواقع قسيم الاجتهاد في فهم النص، وعبر عن هذا النوع بالاجتهاد في تنزيل الأحكام الشرعية أو إيقاعها على الوقائع، أو تنزيل الوقائع على الأدلة الشرعية[19].فالمقصود من وضع الأدلة تنزيل أفعال المكلفين على حسابها، وهذا الاجتهاد لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة.
ومن أبرز المعاصرين الذين سعوا لتأكيد هذا النمط الاجتهادي الدكتور فتحي الدريني، حيث يقول: “أما قسيم الاجتهاد بالرأي في الاستنباط والتأصيل والتفريع، فهو الاجتهاد بالرأي في التطبيق، وهذا في الواقع لا يقل أهمية وخطرا عن الأول، لتعلق اجتناء ثمرات التشريع واقعا وعملا به(…)، هذا وتبدو خطورة الاجتهاد بالرأي في التطبيق وعظيم أثره؛ أن القرآن الكريم إذا اتخذ في بيانه للأحكام المنهج الكلي لا التفصيلي لزم أن يكون الاجتهاد بالرأي هو السبيل الوحيد الذي لا مناص منه للاضطلاع بمهمة التطبيق الواقعي لتلك الكليات على الوقائع الجزئية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وبيئة بما يحتفُّ بها من ظروف وملابسات متجددة ومتغايرة لا تنحصر”[20].
فالعلاقة التي تربط فقه النص بفقه التنزيل بيّنة وأصيلة في كون “تنزيل الحكم غير متصور حصوله من غير إدراكه وتحصيله، وتصور وإدراك الحكم والجهل بمسالك تنزيله يُعدّ تعطيلا له، ولا عبرة بحق لا نفاذ له”[21]. وهنا تبرز أهمية فقه النص في عملية التنزيل على الواقع، فالأمة بحاجة إلى فقه يكون مبنيا على أصول منضبطة، ويحقق المقاصد ويجنب المنزلقات، ويعصم من دواعي الإفراط والتفريط، وهذا فقه قائم على تحقيق مناطات الأحكام في أفراد وأنواع الوقائع. فما معنى تحقيق المناط؟ وأين تكمن أهميته لفقه التنزيل؟
المطلب الثاني: تحقيق المناط وأهميته في تنزيل الأحكام.
إذا كان فقه التنزيل هو الصلة بين أحكام الشريعة وأفعال المكلفين، فإن تحقيق المناط هو أحد أهم سبل ذلك الوصل وأبرز خطواته المنهجية مما يكاد يرقى به إلى درجة الأصل الكلي في منهج التنزيل. ذلك “أن مجرد حصول الحكم الشرعي متصورا في الذهن، لا يرشحه لأنه يؤول إلى التفعيل بصفة تلقائية مباشرة نظرا لأنه يكون كليا عاما، والوقائع المراد التنزيل عليها تكون جزئية مشخصة، وهذا يستدعي اعتماد خطوة منهجية وسيطة ضامنة لحسن التطبيق، وهي التحقيق في مناطات الحكم من جهة صورها الجزئية لمعرفة ما تتوفر فيه دواعي تنزيله عليها مما لا تتوفر فيه”[22]. وبهذا يكون تحقيق المناط هو آخر المراحل التي يقطعها الناظر في اتجاه الربط بين النص والواقع. ومن دون تحقيق ذلك يمكن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر أو أقل مما وضعت له، ويمكن أن ينتج عنه تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه.
وقسم الإمام الشاطبي تحقيق المناط إلى قسمين: “تحقيق عام وتحقيق خاص من ذلك العام. وتحقيق المناط العام؛ يكون النظر فيه نحو تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما”[23]، بغض النظر عن ظروف وخصوصيات ذلك المكلف ولكن “إذا احتفت بالواقعة ظروف، وملابسات، نشأت عنها دلائل تكييفية أخرى، لا يطبق عليها ذلك الحكم التكليفي العام، لعدم تحقق مناطه فيها، بل يحكم عليها بما تستدعيه تلك الدلائل من الأحكام المناسبة، وهو ما يطلق عليه تحقيق المناط الخاص”[24]. وهذا النوع -المناط الخاص بنوعيه؛ في الأفراد وفي الأحوال- هو ما سنحقق في معانيه ونقف على حقيقته وأين تتجلى أهميته في فقه تنزيل الأحكام؟.
- الفرع الأول: في مفهوم” تحقيق المناط الخاص”.
تحقيق المناط من المصطلحات المقاصدية الفريدة التي ابتكرها الإمام الشاطبي، “وذهب بها مذهبا فذّا وارتقى بها مرتقا صعبا، تماشيا منه مع الهدي النبوي، الذي يأخذ بعين الاعتبار الظروف، والملابسات، والأحوال الخاصة التي تقترن ببعض المكلفين قبل تنزيل الحكم التكليفي، إنه تحقيق المناط الخاص”[25]، الذي لا يكتفي المجتهد فيه بتحقيق المناط بصفة عامة وإجمالية، وإنما ينظر في الحالات الفردية وتقدر خصوصياتها وما يليق بها. يقول الشاطبي في بيان هذا: “وعلى الجملة؛ فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى، والخطوط العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل”، هذا بالنسبة إلى التكليف المُنحتِم[26]، أما تحقيق المناط في تلك الأحوال الخاصة، في نظر الشاطبي، يختص بوجه خاص للتكليفات غير المُنحتِمة،”وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه، بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزن واحد”[27]. فإذا كان تحقيق المناط العام يقتضي معرفة الواقع في عمومه، ومعرفة الحالات في إجمالها، فإن تحقيق المناط الخاص يقتضي معرفة الواقع الخاص ومقدار خصوصيته، وما تستوجبه تلك الخصوصية في ميزان الشرع.
ولعلماء الأصول والعلماء المعاصرين تعريفات لفقه المناط الخاص نذكر أهمها في ما يلي:
أولا: تعريف الأصوليين: تنوعت مناهج الأصوليين وتعددت أقوالهم بحسب ما يراه كل واحد منهم في طبيعة المناط الذي ينبغي البحث عن تحققه في الجزئيات، وتدور جل هذه التعاريف على كون تحقيق المناط الخاص هو: بيان وجود العلة –بعد ثبوتها- في صورة من الصور، أو فرع من الفروع[28].
وبالنظر إلى هذه التعاريف يتبين أنها تتفق في الدلالة على أن تحقيق المناط هو بيان وجود العلة في الفرع. وتعاريف أخرى تدور حول بيان وجود الحكم الكلي المأخوذ به أو المنهي عنه، والمعنى الذي تضمنه المأمور به أو المنهي عنه[29]، في آحاد الصور. ومن التعاريف ما يجمع في تحديده لمعنى تحقيق المناط بين المدلولين؛ فيجعله شاملا لبيان وجود المعنى الذي في القاعدة الكلية في صور جزئية، وشاملا أيضا لبيان وجود العلة الثابتة في الأصل بنص أو إجماع في الفرع[30].
ثانيا: تعريف المعاصرين “لتحقيق المناط الخاص”؛ للتقريب من جهة البحث نعرض نماذج من تعريفات بعض المعاصرين حتى نصل إلى التعريف الأصلح والأقرب لما نحن بصدده.
-يقول الدكتور فتحي الدريني أن تحقيق المناط الخاص هو: “التشريع للواقع المعيش بظروفه وملابساته، وعوارضه المتغيرة”[31]، وعرفه في موضع آخر”بالقاعدة الهامة في الاجتهاد في التطبيق بمراعاة الأحوال، والعوارض للواقع والأشخاص، ومآلات التطبيق تحريا للمصلحة والعدل”[32].
– وعرفه الدكتور عبد المجيد النجار بأنه “النظر في الأعيان لا من حيث ذات تعينها، ولكن من حيث اعتبارات ذلك التعين بحسب حالاتها في الزمان والمكان، وبحسب أوضاعها في تعينها من قوة في نفس الفاعل مثلا أو ضعف، ومن حيث قابلية التحمل أو قابلية الانهيار. ثم الانتهاء من ذلك النظر إلى إجراء حكم النوع على الفرد الذي ينتمي إليه بالتعيين أو صرفه عنه ليجري عليه حكم آخر يليق به على اعتبار أوصاف التشخيص التي وقع التحقيق فيها”[33].
– ويعرفه الدكتور فريد الأنصاري بقوله “تحقيق المناط الخاص هو تخصيص التحقيق العام بتحقيق منزل على نفس معينة لتربيتها”[34].
– ويقول الدكتور أحمد الريسوني في معرض حديثه عن تحقيق المناط “ولست أعني به المعنى الضيق الذي ينحصر في الكشف عن وجود علة الأصل في الفرع لإجراء القياس فيه، ولكني أعني به معرفة المحكوم فيه على حقيقته، ومعرفة ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه، وهذا يقتضي المعرفة الجيدة بالواقع ومكوناته، وبالأشياء وأوصافها، وبالأفعال وأسبابها وآثارها”[35].
وانطلاقا من التعاريف التي سقناها، يمكن القول أن تحقيق المناط الخاص هو ما توفرت فيه العناصر التالية:
- أن يكون إجراء اجتهاديا باعتباره يندرج ضمن الاجتهاد التنزيلي.
- أن يصدر من مجتهد متمكن، حكيم رباني عاقل راسخ في العلم.
- أن تراعى الظروف والملابسات والأحوال الخاصة.
- أن تلمس المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، عند تنزيل الحكم وتطبيقه على المكلفين، أو بعض المكلفين للتمييز بين المناط العام والمناط الخاص. فكل فعل لم يحقق مقصوده فهو باطل.
- الفرع الثاني: أهمية تحقيق المناط في التنزيل، ومشروعيته.
- أولا: تحقيق المناط وأهميته في تنزيل الأحكام.
يعتبر تحقيق المناط من أهم الوسائل التي ينبغي أن يعول عليها المجتهد لتطبيق أحكام الشريعة على أرض الواقع ولإنزالها من حيز التنظير والتجريد الذهني المحض إلى ميدان العمل والمشاهدة حتى تصير مجسدة في حياة المكلفين، ذلك لأن “الأحكام الشرعية تتسم بالعموم والتجريد؛ أما تجريدها، فلأنها تقع في الذهن متعلقة بمدركها، وأما عمومها، فلأنها لا تختص بواقعة معينة أو شخص معين بالذات”[36]، بل تشمل هذه الأحكام المكلفين على العموم والإطلاق، لأن الحكم التكليفي قبل مرحلة تطبيقه عام مجرد.
كما أن تحقيق المناط من شأنه أن يكفل ديمومة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب سائر ما يستجد من الحوادث والوقائع، وذلك لما “عُلم قطعا من أن النوازل والحوادث في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ويعلم –قطعا- أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضا، والنصوص إذا كانت متناهية – وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى- عُلم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار”[37]، حتى يكون بصدد كل حادثة معينة اجتهاد معين.
ووعيا بأهمية تحقيق المناط وعلاقته بالحفاظ على استمرارية شمول الشريعة واستيعابها لحياة المكلفين، فقد ذهب الإمام ابن تيمية إلى أن الاجتهاد فيه لا بد منه، وأنه مما اتفق عليه المسلمون، بل هو مما اتفق عليه المسلمون والعقلاء أيضا، لأنه لا يمكن أن ينص الشارع على حكم كل واقعة وشخص، وإنما يتكلم بكلام عام[38]. ودور تحقيق المناط هو بيان انتظام الجزئيات والأفراد من عدم انتظامها في ذلك المعنى العام.
وعليه فإن إغفال تحقيق المناط وعدم اعتباره عند إرادة تنزيل الأحكام على الوقائع، “مظنة حصول الحرج في الدين بالنسبة لمن ينزل عليه الحكم، ومظنة حصول التحريف لمراد الله في حكم الواقعة المعينة بالنسبة لمن ينزل من طرف الحكم”[39].وننبه إلى أن ما تقوم به هذه المعارف العقلية، ينبغي أن يكون محاطا بمجموعة من الضوابط التي تعصم من الوقوع في الفهم المخطئ لمقصد الدين. ومنها التقيد بالإطار العام للمقاصد الشرعية، سواء المنصوص عليها بوضوح أو المستفادة بالاستقراء.
واليوم تبرز آليات واضحة من علوم إنسانية واجتماعية تعمل كأداة للكشف عن طبيعة المكلفين، وإمكانياتهم، وقدراتهم وظروفهم، وهذا كله مهم في تنزيل الأحكام الشرعية، لأن هذه الآليات تدخل تحت قاعدة تحقيق المناط الخاص.
- ثانيا: مشروعية تحقيق المناط في السيرة النبوية وعمل الصحابة.
إن المتتبع للسيرة النبوية، واجتهادات الصحابة الكرام، يدرك غزارة الأدلة والشواهد التي تدل على صحة الاجتهاد التنزيلي بتحقيق المناط، والذي يقتضي الالتفات إلى الظروف والملابسات والأحوال الخاصة التي تقترن ببعض المكلفين قبل تنزيل الحكم التكليفي عليها.
- تحقيق المناط في السيرة النبوية:
كان فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأصل في تحقيق المناط، حيث كان يراعي “الفروق الفردية”[40] في سائر أفعاله سواء في الإفتاء أو القضاء أو التوجيه والتشريع، وكان عليه الصلاة والسلام يخاطب المكلفين على قدر عقولهم، وقدراتهم وعزائمهم الفطرية والمكتسبة. وقد حاول الدكتور يوسف القرضاوي[41] أن يصنف ذلك في خمس مجالات نذكرها مختصرة وبتصرف كالتالي:
- اختلاف وصاياه صلى الله عليه وسلم باختلاف الأشخاص الذين طلبوا منه الوصية.
- اختلاف أجوبته، وفتواه عن السؤال الواحد باختلاف أحوال السائلين.
- اختلاف مواقفه وسلوكه، باختلاف الأشخاص الذين يتعامل معهم.
- اختلاف أوامره، وتكليفاته باختلاف من يكلفهم من الأشخاص واختلاف قدراتهم.
- قبوله من بعض الأفراد موقفا أو سلوكا، لا يقبله من غيره لاختلاف الظروف.
ونكتفي في هذا المقام بمثالين بارزين من السيرة النبوية للتدليل على حجية تحقيق المناط في فعله صلى الله عليه وسلم:
المثال:1 ؛ في طلب الإمارة بين المنع والقبول.
روى الإمام مسلم أن أبا ذر الغفاري، رضي الله عنه، طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوليه عملا من الأعمال أو منصبا من المناصب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه”[42].
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ولّى وأمّر من سأله ذلك كما في قصة زياد بن الحارث من قبيلة صداء، هذا الرجل الذي قاد وفد قبيلته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلنوا إسلامهم، قال زياد: “وكنت سألته قبل ذلك أن يؤمرني على قومي ويكتب لي بذلك كتابا ففعل”[43].
ففعله صلى الله عليه وسلم مع زياد الصدائي، لا يناقض جوابه لأبي ذر الغفاري، بل إن تحقيق المناط الخاص اقتضى أن يولي زياد بن الحارث باعتبار توليته مصلحة، وأن يمنع أبا ذر منها، باعتبار عدم توليته مصلحة، لاختلاف حاليهما. يعلق الإمام ابن القيم على هذه الصورة من فقه التنزيل فيقول: “وفيها جواز تأمير الإمام، وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئا، ولا يكون سؤاله مانعا من توليته، ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر:”إنا لن نولي على عملنا من أراده”، فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعا فيهم، محببا إليهم، وكان مقصوده إصلاحهم ودعوتهم إلى الإسلام فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن مصلحة قومه في توليته، فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل إنما سأله الولاية لحظ نفسه، ومصلحته هو، فمنعه منها، فولى للمصلحة ومنع للمصلحة، فكانت توليته لله، ومنعه لله”[44].
والكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس، “فقد يكون الرجل رضي السيرة، حسن الإيمان، ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجا في وظيفة معينة، ألا ترى إلى يوسف الصديق؟ فإنه لم يرشح نفسه لإدارة شؤون المال بنبوته، وتقواه فحسب، بل بحفظه وعلمه أيضا؛ “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم” يوسف55″[45]. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يراعي حال المكلف، ويعطي كل واحد ما يراه أحوج إليه، فشأنه مع السائلين كالطبيب مع المرضى، يعطي كل واحد من الدواء ما يناسبه.
المثال:2؛ في مخاطبة الناس على قدر عقولهم:
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسودا، وإني أنكرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال حُمْر، قال: هل لك فيها من أورق؟ قال: إنها فيها لورقا، قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: “وهذا عسى أن يكون نزعه عرق”[46]. فأقنعه بوسيلة اعتاد عليها الأعرابي في حياته وبيئته. وهذا ما يُعبر عنه في عصرنا بعلم الوراثة؛ وهو العلم الذي يدرس الجينات (المورثات) وكيفية انتقال الصفات من الآباء إلى الأبناء عبر الأجيال.
هكذا يكون موقف المعلم المرشد المربي الحق مع أصحابه وطلابه ومريديه، بأن يراعي ظروفهم، وقدراتهم العامة والخاصة، وأحوال كل فئة منهم، بل كل واحد منهم ليعالجه بما يناسب، فلا يكلم الصغير بما يكلم به الكبير، ولا يخاطب الفتاة بما يخاطب به الفتى، ولا يعطي العوام ما يعطيه الخواص، ولا يأمر البدوي بما يأمر به الحضري، بل يعطي لكل متعلم على قدره وقدرته. وأن “يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله، فينفره أو يخلط عليه عقله، اقتداء في ذلك بسيد البشر صلى الله عليه وسلم”[47].
وكثيرة هي المواطن التي دلت على صحة الاجتهاد بتحقيق المناط في السيرة النبوية، سنعود إليها لاحقا في الفصل التطبيقي من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.
ب- تحقيق المناط عند مجتهدي الصحابة:
استمر الصحابة الكرام على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تنزيل الأحكام على مناطاتها المناسبة لها، ويشهد لذلك العديد من الأمثلة العملية التي يعز حصرها، لأنها كثيرة بكثرة النوازل والأحداث التي عالجها مجتهدو الصحابة عند توليهم القضاء أو الإفتاء أو الإمارة.
ولنا عبرة في قصة ابن عباس، رضي الله عنه، مع الرجل الذي سأل عن توبة القاتل[48]، وكيف أفتى له عكس ما كان يفتي جلساءه، وكيف راعى في هذه الواقعة المناط الخاص. وأدرك “ببصيرته الثاقبة، خصوص هذا العارض الذي يعترض الشخص المستفتي، فنشأ عنه مناط أو دليل، يستدعي حكما آخر، يختلف عن مناط حكم التوبة في الأصل، ذلك لأن ظاهرة الغضب هذه تنم عن انطواء نفسه على نية الإقدام على اقتراف جريمة القتل في حق مؤمن(…) فأجابه بما اقتضاه الدليل الناشئ عن حالة اقتضاء تبعي، يختلف عن اقتضاء الدليل الأصلي لحكم التوبة النصوح، لعل ذلك يصده عن مآل الإجراء”[49]، وعلى العكس من ذلك، فلو كان المستفتي تعتريه حالة اليأس، والقنوط من رحمة الله تعالى، بأن كان يستعظم أن يتوب الله عليه، وهو تائب فعلا، منيب إلى الله تعالى، “فالمفتي يجيبه بما يليق بحاله، مما يبث روح الطمأنينة في نفسه، فيخبره بأن رحمة الله واسعة، وأن عظيم توبته سبحانه لمن تاب وآمن”[50]، وعمل عملا صالحا، ومن العمل رد المظالم، وذلك للأدلة الواردة في نصوص الشرع وهي الأدلة التي تقتضي حكم التوبة اقتضاء وأصلا.
وقد كان كل من عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، يعملان بالاجتهاد نفسه في مسألة النهي عن قبلة الصائم. فرغم وُرُود ما يفيد تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه وهو صائم[51]، إلا أن عمر بن الخطاب يرفض ذلك بقوله: “من ذا الذي له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله”[52]. ويؤكد هذا الفهم أيضا عبد الله بن عباس، عندما جاءه شيخ يسأله عن القبلة للصائم، فرخص له، فجاءه شاب فنهاه[53].
فترخيص ابن عباس للشيخ، ونهيه للشاب، “دلالة على إحكام النظر إلى المآل من خلال الالتفات إلى المناط الخاص للحكم، إذ يخشى أن تكون إباحة القبلة للصائم مدعاة إلى إفساد صومه، خاصة إذا كان في شبابه”[54]، ومثل هذا المآل غير متحقق في الشيخ الكبير، ولذلك تم الرفض للشاب والترخيص للشيخ.
فرغم اتحاد الموضوع بين الشخصين المستفتين، وهو “قبلة الصائم” إلا أن الجواب كان مختلفا تبعا لاختلاف حاليهما، فطبيعة الشيخ تختلف عن طبيعة الشاب، فقد تكون التسوية بينهما في الحكم بناء على اتحادهما في المناط العام سببا في إفساد صوم الشاب، وذريعة لانتهاكه حرمة صيام رمضان، ومن أجل ذلك راعى ابن عباس هذا الواقع، “فأخذ بعين الاعتبار الأحوال الخاصة التي يمتاز بها الشاب عن الشيخ فنهاه عن القبلة، وهذا عين ما عبر عنه الشاطبي بقوله: اعتبار المناط الخاص”[55].
والأمثلة والاجتهادات في هذا الباب كثيرة خصوصا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسنعود إليها بالتفصيل في المبحث التطبيقي من الفصل العملي من هذا البحث عند دراستنا لفقه التنزيل عند كبار الصحابة، وإنما قصدنا في هذا المطلب التنبيه على أمور وهي:
– أهمية فقه تحقيق المناط في تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع، باعتباره مسلكا تشريعيا أصيلا.
– أن تحقيق المناط هو آخر المراحل التي يقطعها الناظر في اتجاه الربط بين النص والواقع.
– أن تحقيق المناط من شأنه أن يكفل ديمومة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب سائر ما يستجد من الوقائع.
– و أن إغفال تحقيق المناط عند إرادة تنزيل الأحكام على الوقائع مظنة حصول الحرج في الدين لمن ينزل عليه الحكم، وحصول التحريف لمراد الله في حكم الواقعة المعينة لمن يُنزل من طرفه الحكم.
إن تحقيق المناط الذي يعد العمدة في تنزيل الأحكام، أسسه أهل الفن على جملة قواعد مقاصدية[56]، تسدد اجتهاد المفتي وتوجيهه نحو المقصد الشرعي، كما تقيه من الزلل وسوء التقدير، وهي: مراعاة العرف، والتمييز بين الوسائل والمقاصد، والموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة المآل والوسع الإنساني.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نتعرف على مستلزم ثالث ورئيس وهو: فقه الواقع ودوره في تنزيل الأحكام.؟
يتبع………..
[1] تقدم تخريجه.
[2] أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، القرضاوي، ص:25.
[3] ينظر: ابن منظور، لسان العرب(مادة: نصص). و القاموس المحيط، الفيروزأبادي (مادة: نصص).
[4] البحر المحيط، بدر الدين الزركشي، 1/373.
[5] الموافقات، 1/27، والاعتصام ،2/111 – 129 ،الشاطبي.
[6] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار، 1/80.
[7]الوافقات، الشاطبي، 4/115.
[8]المصدر السابق، 4/116-117.
[9] المستصفى، الغزالي، 2/385، وينظر: المحصول، الرازي، 6/21.
[10] الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع، أحمد بوعود، ص:146.
[11] ينظر: أحكام القرآن، ابن العربي، 4/269.
[12] البرهان في علوم القرآن، الزركشي، 1/117.
[13] دراسة في فقه مقاصد الشريعة، ص:162، وينظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، القرضاوي، ص:29.
[14] فقه مقاصد الشريعة في تنزيل الأحكام أو فقه الاجتهاد التنزيلي، فوزي بالثابت، ص:212.
[15] الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، ص:65.
[16] الموافقات، الشاطبي ، 4/117.
[17]نفس المرجع، 2/3-6.
[18] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار، ص:16.
[19] ينظر: الموافقات، 3/58.
[20] المناهج الأصولية، فتحي الدريني، ص:71.
[21] فقه التنزيل، مفاهيم ومقاربات، بشير بن مولود جحيش، مجلة المعيار، العدد:42، ص:13.
[22]العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟ فريد شكري، سلسلة ندوات علمية، رقم:3، الرابطة المحمدية، المغرب، مارس2010م، ص:417.
[23] الموافقات، الشاطبي، 2/97.
[24] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، فتحي الدريني، 1/128.
[25] الاجتهاد، النص، الواقع، المصلحة، أحمد الريسوني، ص:51.
[26] المُنحتم: من فعل انحتم، ينحتم، انحتاما، فهم مُنحتم. نقول: انحتم الأمر: وجب وجوبا لا يمكن إسقاطه. ينظر: معجم المعاني الجامع.
[27] الموافقات، الشاطبي، 4/97.
[28]ينظر: شرح تنقيح الفصول، شهاب الدين القرافي، ص:389. والإيضاح لقوانين الاصطلاح، ابن الجوزي، ص:35. والتحرير مع شرحه التقرير، كمال الدين بن الهمام، 3/192. والإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 3/302.
[29] ينظر: المستصفى، الغزالي، 2/230-231.
[30] ينظر: روضة الناظر وجنة المناظر، مع شرح مختصر الروضة، ابن قدامة، 3/236.
[31] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، فتحي الدريني، 1/128-129.
[32]المرجع السابق، 1/131.
[33]فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، عبد المجيد النجار، ص:201-202.
[34] المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، فريد الأنصاري، ص:115.
[35] الاجتهاد: النص، الواقع، المصلحة، أحمد الريسوني، ص:50.
[36] الفقه الإسلامي المقارن مع المذاهب، فتحي الدريني، ص:38.
[37] الملل والنحل، الشهرستاني، 1/199.
[38] ينظر: مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 11/11 و22/330.
[39] الاجتهاد الفقهي من الاستنباط إلى التنزيل، فريد شكري، ص:420.
[40] المقصود ب”الفروق الفردية”؛ تلك الاختلافات الكثيرة بين الناس في قدراتهم البدنية، والنفسية، والعقلية، إضافة إلى الفارق السني والاجتماعي، والفارق بين الجنسين” ينظر: الحديث النبوي وعلم النفس، محمد عثمان نجاتي: ص:253.
[41] الرسول والعلم، يوسف القرضاوي، ص:134.
[42] أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب كراهية الإمارة بغير ضرورة، رقم:1825. ورواه أبو موسى الأشعري من قوله صلى الله عليه وسلم: “إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه”. أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، رقم:1733.
[43] زاد المعاد، ابن القيم، 2/409.
[44]المرجع السابق، 2/410.
[45] خلق المسلم، محمد الغزالي، ص:45.
[46] أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب إذا عرض بنفي الولد، رقم:5305.
[47] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، 1/96.
[48] روى يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: “جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا، إلا النار. فلما ذهب قال له جلساءه: ما هكذا كنت تفتينا، فما بال هذا اليوم؟ قال: إني أحسبهُ مُغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، قال: فبعثوا في أثره، فوجدوه كذلك. أخرجه ابن حجر في التلخيص الحبير،4/1562، وقال: رجاله ثقات.
[49] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، فتحي الدريني، 1/135.
[50]المرجع السابق، 1/135.
[51] روي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها كانت تقول: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُقبل بعض نسائه وهو صائم، ثم ضحكت”، أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب القبلة للصائم؛ رقم:1928، ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، رقم:1106.
[52] المصنف، عبد الرزاق، 4/182
[53]المصدر السابق، 4/185.
[54] قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي، عبد الرحمان الكيلاني، ص:370-375.
[55] الاجتهاد في تحقيق المناط الخاص؛ حقيقته وأهميته وحجيته، فاطمة موسي، مجلة دعوة الحق، العدد: 59، المجلد:416، أبريل 1019م، ص: 97.
[56] ينظر: الاجتهاد، تأصيلا وتأريخا وتجديدا، محماد رفيع، ص: 63-72.